ثمة تشابه لافت بين مسار صعود كل من عزت حنفي وصبري نخنوخ وأفولهما، فكلاهما نشأ في كنف الدولة وتحت أعينها، وكلاهما أدى لها خدمات لم يُجهر بها، وكلاهما انتهى به المطاف في مواجهة الجهة ذاتها التي أوجدته ورعت نفوذه.
كان حنفي سلاح الدولة في وجه الجماعات الجهادية التي عصفت بصعيد مصر في تسعينيات القرن الماضي، فلمّا انتفخت عضلاته وخرج عن السيطرة، صار من المطلوبين للعدالة قبل أن تنتهي قصته بحبل المشنقة. أما نخنوخ فنمت إمبراطوريته التجارية في وضح النهار، واقترن اسمه بأعمال البلطجة مقابل خدمات أمنية وسياسية مسكوت عنها، حتى جاء يوم قرّرت فيه الدولة بضغطة زر واحدة أن تسدل الستار على ما أجازته لفترة طويلة. وإذا كان الإعدام شنقًا مصير الأول بعد إدانته بالاتجار في المخدرات والأسلحة، فإنّ السطر الأخير في قصة نخنوخ لم يُكتب بعد، بينما يقف خلف القضبان دون أن يتّضح إن كان سيبقى هناك إلى آخر حياته أم سيجد مخرجًا من أزمته.
وهذا النمط من التحالف الظلي بين الدولة والخارجين عن القانون ليس مستجدًا، إذ يُعد من أكثر الأساليب شيوعًا في عالم الأجهزة الأمنية حول العالم، فالاستعانة بالمسجلين خطرًا للحصول على المعلومات أو فرض السيطرة أو تأديب المخالفين للنظام جزء راسخ من منطق الاختراق الأمني للعوالم السفلية. وفق هذا المنطق، يُتيح الأمن لهؤلاء المتعاونين هامشًا من المخالفات، أو يتغاضى عن بعض ما يفعلوه خارج القانون، باعتباره ضريبة لا مفر منها في سبيل حفظ النظام العام.
سقوط آل نخنوخ
عاد اسم صبري نخنوخ إلى الواجهة منذ أيام إثر القبض عليه مع عدد من أقاربه وشركائه، على خلفية واقعة اقتحام معرض سيارات بمنطقة التجمع الخامس والتعدي على العاملين فيه بسبب خلافات مالية.
غير أنّ ما بدا في أول وهلة مشاجرةً عابرة قد تنتهي بالصلح بين الأطراف، كشف تدريجيًا عن تنظيم عصابي يقوده رجل الأعمال المعروف، وفي لحظة واحدة وجد نخنوخ وكثير من "عشيرته" أنفسهم ممنوعين من السفر ومن التصرف في أموالهم وأصولهم العقارية.
وقد أسندت النيابة العامة إليه وآخرين معه تهم تزعم تشكيلًا عصابيًا لفرض السيطرة وممارسة البلطجة بالقوة والتهديد، "متّخذين من إحدى شركات الأمن والحراسة غطاءً لنشاطهم، ومستخدمين الأموال والأسلحة في تيسيره". فضلًا عن ذلك، كشفت تحقيقات قضائية موازية عن لجوء نخنوخ وآخرين إلى غسل الأموال المتحصلة من نشاطهم الإجرامي عبر أساليب متعددة، استهدفت إخفاء طبيعتها وقطع صلتها بمصدرها غير المشروع.
وكأحجار الدومينو المتساقطة تتابعًا، تداعت شجرة "النخانيخ" كما وصفها الإعلام، فأشخاص ترتبط أسماؤهم بعائلة صبري مثل جون نخنوخ وبيبو نخنوخ، إضافةً إلى آخرين كشفتهم التحقيقات من بينهم بيشوى رزق الملقب بأسد المقطم، ورجل الأعمال أحمد الحداد، ويحيى الصعيدي. وما كان أحد يعرف شيئًا يُذكر عن نشاط بقية هذه الشبكة قبل أن تقرر الدولة رفع الغطاء عنها ووقف الحماية.
عزت حنفي.. الجزيرة التي صارت حصنًا
قبل أن يبرز اسم نخنوخ في مشهد أباطرة عالم الظل، كان صعيد مصر شاهدًا على إمبراطورية من طينة مختلفة. ففي مطلع التسعينيات لجأت أجهزة الأمن إلى رجل يدعى عزت حنفي، لمعرفته بأوكار الجماعات الإسلامية المتشددة التي تنامى نفوذها في محافظة أسيوط، فأوكلت إليه مهمة مواجهتها. وقد أقر حنفي بأنه قتل أعدادًا كبيرة من الإرهابيين بناءً على تكليفات من السلطات الأمنية، وأنه حصل على الأسلحة من الشرطة لإتمام تلك المهمات، كما أُسندت إليه مهام أخرى في انتخابات مجلس الشعب في تلك المرحلة.
لكنّ التحالف بين آل حنفي والدولة سلك مسارًا مغايرًا بعد أن تراجع دور الجماعات الإرهابية في أسيوط، فاتخذ عزت من جزيرة النخيلة، مسقط رأسه، معقلًا لإدارة أنشطة غير مشروعة، إذ زرع المخدرات وتاجر فيها على مساحات شاسعة بلغت 280 فدانًا، وأغلق الجزيرة في وجه قوات الشرطة ببناء ثلاثة أبراج على مداخلها الثلاثة، حتى باتت قلعة عسكرية محصنة قوامها رجال خارجون على القانون وعشرات من أبناء البلدة الذين وُظفوا في زراعة المخدرات.
حين وقعت جرائم اختطاف لعدد من السكان واحتجزوا تحت تهديد السلاح، كانت المواجهة الكبرى قد باتت حتمًا لا مناص منه، ثم في فبراير 2004 انطلقت عملية أمنية واسعة بمشاركة ما يزيد على ثلاثة آلاف جندي وضابط من القوات الخاصة، وامتدت أسبوعًا كاملًا في ظل صعوبة اختراق الحصن وأسر الرهائن من النساء وكبار السن والأطفال، لتنتهي بالقبض على عزت وشقيقه حمدان، وإعدامهما عام 2006. وقد جسّد فيلم "الجزيرة" الذي أدّى بطولته أحمد السقا وقائع تلك القضية، كاشفًا عن طبيعة العلاقة التي ربطت عائلة حنفي بضباط الشرطة حتى اللحظة الأخيرة.
من تجارة الخردة إلى عرش البلطجة
على النقيض من حنفي، لم تكن جذور صبري نخنوخ في محاربة الإرهاب، فهو ابن تاجر خردة معروف بمنطقة السبتية بالقاهرة، استهوته فكرة حيازة الأسلحة النارية بسبب كثرة المشاجرات التي كانت تشتعل في حيه، فتحولت حياته شيئًا فشيئًا من تجارة الخردة إلى البلطجة بوصفها أسلوب حياة، حتى اشتُهر باعتباره الأب الروحي للبلطجية في مصر.
خصّص نخنوخ منزل أبيه بالسبتية لاستقطاب ذوي السوابق الجنائية وتدريبهم على فرض الإتاوات على أصحاب المحلات، ابتداءً من منطقة وسط البلد وصولًا إلى شارع الهرم الشهير بأماكن السهر والكازينوهات.
لم يمض وقت طويل حتى وصل صيته إلى وزير الداخلية آنذاك حبيب العادلي، فنشأ تحالف سري بين نخنوخ والأجهزة الأمنية، كان قوامه الاستعانة به في تسويد بطاقات الانتخابات والتضييق على مرشحي جماعة الإخوان المسلمين في عهد الحزب الوطني، وفي المقابل، نسج نخنوخ شبكة علاقات ونفوذ واسعة مع رجال الرئيس الأسبق حسني مبارك، بينما تنامت ثروته وتعاظمت شعبيته في تلك الأوساط، فامتلك قصرًا فخمًا بالإسكندرية ومجموعةً من العقارات والمحال. وتشير روايات تتبّعت مسيرته إلى دوره في حشد البلطجية لترويع المتظاهرين إبّان ثورة يناير 2011، والمشاركة في محاولة فضّ اعتصام ميدان التحرير فيما عُرف إعلاميًا بموقعة الجمل.
ومع اندلاع الثورة، وصعود نجم الإخوان المسلمين فصيلًا سياسيًّا مهيمنًا على البرلمان والحكومة والرئاسة، تصاعدت المطالبات بالقبض على نخنوخ، فجاء ذلك في المداهمة الشهيرة لقصر كينج مريوط عام 2012، حين عُثر على كميات من الأسلحة والذخائر والمواد المخدرة، إلى جانب حيوانات مفترسة كانت تُستخدم في الحراسة، لكن نخنوخ نفى جميع الاتهامات، مؤكدًا أن ثروته مصدرها بيع العقارات والأراضي وتجارة الآلات الزراعية، غير أن المحاكمة انتهت بالحكم عليه بالسجن المؤبد في قضايا حيازة أسلحة وذخائر بصورة غير قانونية.
ولم يُتم نخنوخ في السجن أكثر من خمس سنوات، إذ نال عفوًا رئاسيًا طبيًا عام 2018، وفور خروجه، التزم الصمت وابتعد عن دائرة الأضواء بسبب الجلبة الواسعة التي أثارها نبأ العفو، غير أن عودته إلى الملعب جاءت هذه المرة عبر قطاع الحراسة الأمنية الخاصة، حين تولى عام 2023 رئاسة مجلس إدارة شركة فالكون للأمن والحراسة، وهي شركة تأسست عام 2006 وبدأت متواضعة في سوق يعج بأمثالها، ثم سرعان ما مُنحت مكانة وصلاحيات أوسع بكثير مما يُمنح لشركات الأمن التقليدية، جعلت مهامها تتماس بصورة وثيقة مع مهام الجهات الأمنية الرفيعة في البلاد.
تخصصت فالكون في تأمين نقل الأموال والشخصيات العامة، وعُهد إليها بتأمين نحو 9 جامعات في مقدمتها جامعتا القاهرة وعين شمس، فضلًا عن عشرات الشخصيات العامة من دبلوماسيين وكبار رجال الدولة، وبعض مكاتب الأمم المتحدة والسفارات الدولية بالقاهرة، وما يميزها أنها الشركة الوحيدة في سوق الحراسة الخاصة التي تنفرد بامتلاك رخصة البنادق الخرطوش وحق نشر قوات تدخل سريع كخدمة أمنية خاصة، وقد تعاقب على إدارة مجلسها منذ تأسيسها عدد من الضباط السابقين حتى استقرّت رئاستها في يد نخنوخ.
سؤال لم يُجَب عنه بعد
حمل نخنوخ ألقابًا لا تُحصى أطلقها أبناء كاره عليه، من بينها "أمير البلطجية" و"رئيس جمهورية البلطجة" و"وزير الداخلية الموازي" و"ملك عالم الظل"، وهي ألقاب تضع أمامنا شخصية راسخة الأقدام في العالم السفلي، جمعت النفوذ والثروة معًا، لذلك أثارت عملية القبض عليه بتهمة الاعتداء على معرض سيارات الكثير من التساؤلات عن السبب الحقيقي الذي دفع الدولة إلى الكشف المفاجئ عن جرائمه، وهو تساؤل طال الأصوات الإعلامية أيضًا، التي قررت أن تسلط الضوء على "النخانيخ" وسر الثروات الضخمة التي جنتها وجوه صعدت بسرعة الصاروخ دون محاسبة.
وربما يكمن الجواب فيما توصلت إليه "متصدقش"، من أن نخنوخ رفض عرضًا قدّمه صندوق مصر السيادي للاستحواذ على شركة فالكون، بسبب خلافات حول التقييم المالي للصفقة مع وجود ملاحظات سابقة على مشروعاته التوسعية. ووفق هذه الرواية، أبدى نخنوخ تمسكًا بأن يجري أي اتفاق على أساس تقييم مالي يعكس القيمة الحقيقية للشركة وحجم الاستثمارات التي ضُخت فيها على مدار السنوات الماضية.
ومهما تكن الخلاصة، فإن هذه القضية تطرح أسئلة أعمق من مجرد ملف جنائي، إذ تكشف عن طبيعة العلاقة الملتبسة بين الدولة ورجل ذاع صيته بوصفه "رئيس جمهورية البلطجة"، وعن الرسالة التي يراد إيصالها من وراء القبض على سريعي الثراء حين تقتضي الحسابات ذلك.
عيب عزت حنفي مرجله لكن نخنوخ بلطجه يامعفن