أزمة الصحافة المصرية.. صنعتها أم صُنعت لها؟

بحسب رواية معروفة، ذكرها سلافوي جيجك، الفيلسوف والناقد السلوفيني، في كتابه "العنف، تأملات في وجوهه الستة"، زار ضابطٌ ألمانيٌّ بيكاسو في مرسمه الباريسي في أيام الحرب العالمية الثانية، وهناك صُعق الضابطُ بلوحة "جيرنيكا" وما فيها من "فوضى" حداثية. فسأل بيكاسو "هل أنتَ من فعل هذا؟"، فردَّ بيكاسو بهدوء "لا، أنتم فعلتم هذا".

ما ينسحب على اللوحة الشهيرة، وهي بيان سياسي بليغ بريشة بيكاسو عن الحرب ومآسي النازية، ينسحب على المشهد الصحفي الراهن، الذي يحتاج إلى كثير من الصبر والتأمل في يوم الصحفي المصري، لنفهم ما حدث؟ ونقرر في أيِّ طريق نسير؟ والسؤالُ الذي تردده السلطة عن تراجع الصحافة، أو مسايرة هتاف مدرجات الدرجة الثالثة "الصحافة فين؟"، أفضلُ ردٍّ عليه "أنتم من فعلتم هذا"، الأمر لا يحتاج إلى إشارة من إصبع السبابة، لأنه معقدٌ للغاية. ولسنا بصدد إلقاء التهم، لأن صحة الوطن وقوته ودوره الإقليمي وسط الحروب المشتعلة في كل الأركان تحتاج إلى صحافة حقيقية وقوية تدعم الاستقرار بالداخل، وتشد من أزر القرار المصري في الخارج، مصر في أحوج أوقاتها إلى تاج الصحافة، لا إلى "دموع" صاحبة الجلالة.

حين كانت الصحافة تدخل القصور

يحكي الصحفي والكاتب والمفكر أحمد بهاء الدين في كتابه "محاورات مع السادات" عن رحلة له في أثناء رئاسته لتحرير جريدة الأهرام إلى منطقة الخليج العربي، وبحسب تعبيره "كان شاه إيران أيامها يبدو في غاية القوة والأهمية، وتسطع شمسه فوق المنطقة، وطوال الرحلة على الشاطئ الغربي من الخليج كان الحديث في أيِّ مجلس لا بد من أن يذكر خطر شاه إيران ومخططاته لمناطق البترول العربية إلى آخره"، كان ذلك في أوائل 1974، فقرر فجأةً أن يستكمل الرحلة بالذهاب إلى طهران لإجراء مقابلة صحفية مع الشاه، يقول "وصلت إلى طهران بدون موعد سابق، ووجدت فندق هيلتون يغصُّ بمئات الصحفيين المشهورين من الأمريكان والأوروبيين والعرب، وصحفية مصرية واحدة هي زميلتنا في الأهرام السيدة إنجي رشدي، وكان جاك شيراك، رئيس وزراء فرنسا، يزور طهران. وأنا، لسبب لا أذكر منه إلا ضرورة العودة إلى القاهرة، قد حجزت مكانًا على الطائرة إلى القاهرة بعد أربعة أيام، وانتهى أملي في أن أقابل الشاه عندما وجدت هذا الزحام، ولم أعرف من أين أبدأ، وممثلو أكبر صحف العالم في الهيلتون منذ أيام طويلة ينتظرونه. واقترحت على الزميلة إنجي رشدي أن أذهب إلى وزير الإعلام وأطلب مقابلة الشاه حتى أكون قد قمت بالواجب ثم أسافر".

وبالفعل استقبلهما وزير الإعلام وشرح له طلبه، فردَّ عليه قائلًا إنه سيبذل جهده، لكن تحديد موعد للمقابلة في أربعة أيام "مستحيل". وأعرب بهاء الدين عن تقديره للموقف، وأشار إلى خطئه في التقدير وشكره. لكنه يستطرد "فجأةً قال لي الوزير الإيراني: دعني أتصل بالقصر وأبذل محاولة! ودهشت للاهتمام، والعلاقات بين مصر وإيران مقطوعة، وآخر العهد بها أيام عبد الناصر كانت حالة عداء عنيف، وهو بالتأكيد لم يسمع باسمي من قبل، وإن كان عرف صفتي كرئيس لتحرير الأهرام. واتصل تليفونيًا بجهة ما متحدثًا باللغة الفارسية، ثم قال لي: سيأتي الردُّ بعد عشر دقائق. وجلست أدبًا وشكرًا لمحاولته اليائسة. وبعد عشر دقائق دقَّ التليفون، وقال لي الوزير: موعدك مع جلالة الشاه اليوم الساعة الثالثة إلا ربعًا، أي بعد أربع ساعات بالضبط. وزادت دهشتي. ولقيني الشاه في قصر 'تيافاران' بحفاوة، وأعطاني وقتًا طويلًا، وعدت إلى الفندق بين نظرات استغراب صحفيي العالم الذين كنت أعرف بعضهم وعرضوا عليَّ مساعدتهم!! يومها قلت للزميلة إنجي رشدي: هذه معاملة غير عادية، والمقصود بها مصر طبعًا".

أحمد بهاء الدين كان درَّةَ جيل كامل من الصحفيين، في طليعتهم محمد حسنين هيكل وفتحي غانم ومصطفى وعلي أمين وإحسان عبد القدوس وكامل الشناوي وآخرون، كانوا يتحدثون اللغات بطلاقة، ولهم نفوذ عربي ودولي، وتُفتح لهم القصور وبيوت الحكم، ويقفون على دقائق السياسة، وبعضهم كانوا سفراء للصحافة والسياسة. ولِمَ لا، ومصر كانت في قلب الأحداث منذ الحرب العالمية الثانية. لكن السؤال الذي يأتي من قلب هذه القصة الدالة على قوة ونفوذ الصحافة المصرية وقتها: لماذا تراجعت الصحافة؟ لماذا فقدت الكثير من الهيبة والقوة وآلت إلى مهنة أشغال شاقة، لا يحلم أعضاؤها بدخول القصور ومحاورة الزعماء، ولكن يرجون الستر؟

من بيت مهني إلى جبهة دفاع

في الإجابة عن هذا السؤال الصعب، تتقاطع السياسة مع طبيعة قوة ودور مصر، والأهمُّ التقديرُ الدقيق للسلطة لأهمية الصحافة وطبيعتها ورجالها ومدى حاجتهم إليها.

منطقيًا، تغيَّرت نظرة السلطة للصحافة من العهد الملكي إلى الزمن الجمهوري، لكن هناك حقائق لا بد من الوقوف أمامها.

الحقيقة الأولى: أن الصحافة لم تولد داخل النقابة، بل سبقت النقابةَ بأكثر من قرن، فمع مطبعة بولاق في عهد محمد علي بدأت البنية الحديثة للطباعة، وكانت "الوقائع المصرية" من أوائل الصحف التي خرجت من هذه البيئة التي شهدت طموح محمد علي الخارجيَّ ورغبته في تحديث مصر، لكن وفقًا لتصور إداري حاكم منضبط، لا يمكن فيه أبدًا أن يخرج الصحفي أو المترجم أو الكاتب عن النص المفروض من الباشا.

والحقيقة الثانية: أن الصحافة المصرية طيلة القرن التاسع عشر، عقب ولادتها من رحم السلطة، لعبت دورًا مزدوجًا تراوح بين كونها أداةَ تحديث، وبين تحولها إلى ساحة صراع سياسي. فحقيقي أنها صحافة نشأت في ظل دولة مركزية قوية، لكنها سرعان ما أصبحت مساحةً للمعارضة الوطنية، والجدل الدستوري، والنقد الاجتماعي، والدفاع عن الاستقلال، ثم لاحقًا عن الحريات العامة. ولهذا فإن تاريخ الصحافة المصرية من وقتها إلى الآن يمكن قراءته كخط بياني متصل يصعد ويهبط بفعل التوتر بين المطبعة التي تمثل الحداثة والسلطة التي تمثل الدولة العميقة، كما يمكن تصوُّره كمطاردة مستمرة بين الكلمة والرقابة.

الحقيقة الثالثة: تأسست نقابة الصحفيين المصريين في 31 مارس 1941، بعد كفاح طويل استمر لعقود، بصدور القانون رقم 10 لسنة 1941 بإنشاء النقابة، لكن النقطة الجوهرية التي يجب أن ينتبه إليها الجميع أن تأسيس النقابة لم يكن مجرد إنشاء كيان إداري لتنظيم القيد والعضوية، بل كان اعترافًا بأن الصحافة مهنة لها كيان جماعي، وذاكرة، وحقوق، وأخلاقيات، وواجبات. النقابة صارت منذ التأسيس، وستظل، بيتًا مهنيًا، لكنها أيضًا صارت في لحظات كثيرة "جبهة دفاع" عن حرية التعبير في مصر بل والعالم العربي.

عبر هذه الحقائق تزحف دومًا الثعابين التي تلدغ الصحافة أو تحاول تهميشها أو شيطنتها أو اعتبارها "جريمة"، ومن خلال هذه الحقائق تأتي دومًا الضربات التي تتلقاها صاحبة الجلالة لإضعافها أو "قصقصة ريشها"، بهدف تحويل الصحفيين من باحثين عن المعلومة الصحيحة والحقيقة إلى "سعاة بريد" يقدمون فقط بيانات الحكومة وتعليمات رسائل الواتس آب.

في كتابه "معركة بين الدولة والمثقفين" الصادر في سبتمبر 1995، استعاد الكاتب والروائي الكبير فتحي غانم كواليس الصراع السياسي الذي دار بين السلطة الحاكمة والمثقفين في مصر خلال حقبتَي جمال عبد الناصر وأنور السادات. وركز على التحولات الجذرية التي طرأت على حرية الصحافة، لا سيما بعد صدور قوانين التأميم التي نقلت ملكية المؤسسات الصحفية إلى الدولة تحت مسمى "الملكية الشعبية". وسلَّط الضوء على سياسة الرقابة الصارمة وتدخل الأجهزة الأمنية في صياغة الوعي العام وتوجيه الأقلام لخدمة التوجهات الاشتراكية. وبالنهاية وصل إلى خلاصة مفادها "لا شك أن أسلوب كل من الرئيسين عبد الناصر والسادات كان مختلفًا نحو الكتاب والصحفيين، وكانت هناك سنوات استرخاء وسنوات توتر، لكن عند الدراسة المتعمقة، سوف نجد أن كلا العهدين يشتركان في موقف واحد، وفي خطة واحدة للسيطرة على الكتاب والصحفيين والحركة الأدبية، أي السيطرة على عقول المصريين، وغير صحيح أن هناك خصومة بين العهدين في مجال الرقابة، وإذا كانت هناك خلافات سياسية في مواقفهما، إلا أنها لا تُخفي التشابه بينهما في مجال السيطرة على حرية التعبير. ولقد ورث السادات القيودَ التي فرضها عهد عبد الناصر على حرية التعبير والسيطرة على الصحافة والنشر". وأهمية هذا الكتاب برأيي أنه رصدٌ لمعارك الصحافة طيلة عهدين، ومهما اختلفت مع فتحي غانم وكتابته وتوثيقه لما دار في الحقبتين، فإن الحقيقة أن ما كتبه حلقة في سلسلة ممتدة من دفاع الصحافة المصرية عن مساحتها.

منذ ولادة الصحافة في مطبعة بولاق، كل جيل من الصحفيين واجه شكلًا مختلفًا من القيود: الرقابة العسكرية، وقوانين المطبوعات، والتأميم، والمصادرة، والحبس، والضغط الاقتصادي، ثم لاحقًا تحديات المنصات الرقمية والحجب والملكية المركَّزة.

ذكرى معركة لا عيد مجاملة

واليوم، 10 يونيو، هو يوم الصحفي المصري، وهو ليس "عيدًا مهنيًا"، إنما ذكرى معركة خاضها جيل من الصحفيين يسبقنا، ونحتفل به في ظل واقع محتقن مهنيًا وسياسيًا، عمق هذه الذكرى الحقيقي أنه اليوم الذي خرجت فيه الجماعة الصحفية من موقع "المهنة التي تطلب هامشًا من الحرية" إلى موقع "الجماعة التي تدافع عن شرط وجودها نفسه"، لتدافع عن حقها في النشر، والسؤال، وكشف الفساد، ومقاومة تحويل الخطأ الصحفي إلى جريمة سالبة للحرية.

ففي الجمعية العمومية التاريخية لنقابة الصحفيين عام 1995، انتفض الصحفيون ضد القانون رقم 93 لسنة 1995، الذي اشتُهر في الذاكرة المهنية باسم "قانون اغتيال حرية الصحافة" أو "قانون حماية الفساد". وما حدث كان نادرًا في تاريخ المهن المصرية، فقد توحَّدت أطياف واسعة من الصحفيين، رغم اختلافاتهم السياسية والمؤسسية، ضد قانون واحد. لم تكن المعركة دفاعًا عن صحيفة بعينها أو تيار بعينه، بل عن المبدأ المهني الجامع "لا حبس بسبب الرأي أو النشر". وتحت ضغط الأزمة، جرى تجاوز قانون 93 لاحقًا، وصدر القانون رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة في 30 يونيو 1996. والقراءة الدقيقة لما حدث في هذا اليوم وبعده تقول إن المعركة لم تنتهِ بانتصار كامل. صحيح أن الصحفيين نجحوا في إسقاط أسوأ رموز القانون 93، لكن قانون 96 نفسه ظل محلَّ نقد بسبب استمرار بعض القيود وإبقاء نصوص تتيح الحبس في قضايا نشر معينة.

والخلاصة أن السلطة اضطُرَّت للتراجع عن 93، لكنها أعادت إنتاج جانب من فلسفته في 96. وهنا تكمن المفارقة التاريخية، ومفادها أن يوم الصحفي المصري يُخلِّد انتصارًا مهنيًا، لكنه يذكِّر أيضًا بأن معركة حرية الصحافة لم تُحسم نهائيًا.

هنا اكتسبت الجمعية العمومية معنىً يتجاوز الشكل النقابي. تحوَّلت إلى ما يشبه البرلمان الرمزي للصحفيين. وحين اختُير 10 يونيو ليكون يومًا للصحفي، كان الاختيار يحمل رسالة واضحة: عيد الصحفي ليس يومًا لتبادل التهاني فقط، بل يومٌ لتذكُّر أن الحرية انتُزعت بالضغط الجماعي لا بالمنح الرسمية. القانون لم يكن مجرد تعديل قانوني عابر، كان صدامًا بين منطقين، منطق السلطة التي تريد ضبط المجال العام بالعقاب، ومنطق الصحافة التي رأت أن الحبس في قضايا النشر ليس ردعًا للأخطاء، بل سيفٌ مسلَّط على الرقابة الشعبية.

جرح 2016

قبل عدة أيام قال أحد أهم شيوخ المهنة ورموزها، النقيب يحيى قلاش، في أسى، إن "الصحافة بعد 1 مايو 2016، لم تعد الصحافة التي كانت قبلها". وهذه معركة أخرى تقودنا إلى الواقع الذي نعيشه في ذكرى يوم الصحفي. الأمر ليس مناكفةً سياسية، وإنما رغبةٌ في تشخيص الداء إذا أردنا أن نعالج واقع الصحافة الراهن. وهو يحتاج منا جميعًا إلى شجاعة الطرح والنقاش. وإذا كان يوم الصحفي المصري قد وُلد من رحم معركة 1995 ضد قانون اغتيال حرية الصحافة، فإن اقتحام نقابة الصحفيين في مايو 2016 مثَّل جرحًا جديدًا في الذاكرة المهنية. لم تكن الواقعة مجرد دخول أمني إلى مبنى نقابي، بل مساسًا برمزية "بيت الصحفيين" نفسه، ذلك المكان الذي طالما احتمت به المهنة حين تضيق بها القوانين، وتشتد عليها الضغوط.

وبعد الواقعة، لم يعد الخوف متعلقًا فقط بالمقال المنشور أو التحقيق الجريء أو الخبر المزعج، بل امتدَّ إلى المجال النقابي ذاته. فقد وجد الصحفي المصري نفسه أمام رسالة قاسية: أن الحماية الجماعية لم تعد يقينية، وأن النقابة، وهي آخر ما تبقَّى من المعنى الرمزي للمهنة، يمكن أن تتحول من حصن إلى ساحة اتهام.

وجاءت محاكمة قيادات النقابة، ثم الحكم عليهم في 2017، لتؤكد أن الأزمة لم تكن عابرة. فقد دخلت العلاقة بين الصحافة والسلطة طورًا جديدًا، لم تعد فيه المعركة حول نص قانوني فقط، كما حدث عام 1995، بل حول حدود استقلال النقابة، وحق الصحفيين في التضامن، ومعنى أن يكون للصحافة بيتٌ يحميها حين تضيق بها الساحات.

اليوم، لم تعد التهديدات التي تواجه الصحافة المصرية هي نفسها فقط التي عرفها جيل 1995. هناك تحديات جديدة: اقتصاد المنصات، وضعف نماذج التمويل، وهيمنة الخوارزميات، وتضليل المعلومات، وتراجع المؤسسات الورقية، وتسريح الصحفيين، والذكاء الاصطناعي، وانفجار المحتوى غير المهني. وتأتي هذه التهديدات في ظل أزمة واضحة في النشر وحرية التعبير. وتضرب هذه المخاطر الصحافةَ في وقت يعاني فيه الصحفي من تدني الأجر.

صحافة جائعة لا تحرس الحقيقة

وتأتي هذه المعارك كلها بينما يواجه الصحفي المصري معركةً أخرى لا تقل قسوة: معركة الراتب. فالأزمة لم تعد في حرية النشر وحدها، ولا في ضيق المجال العام فقط، بل وصلت إلى تفاصيل الحياة اليومية: إيجار البيت، وفاتورة الكهرباء، ودواء الأبناء، ومواصلات الصحفي إلى مقر عمله.

في ظاهر المشهد، تتحدث الأرقام الرسمية عن تحسُّن اقتصادي، ونمو في بعض المؤشرات، وزيادة في تحويلات المصريين بالخارج، لكن هذه الصورة الواسعة لا تصل إلى مكتب الصحفي الصغير، ولا إلى راتبه المتآكل، ولا إلى قدرته على مواجهة موجات الغلاء المتلاحقة. فبينما تتغير أرقام الاقتصاد الكلي في البيانات الرسمية، يتغير وجه الصحفي أمام مرآته كل صباح، وهو يسأل نفسه: كيف يواصل مهنةً تقوم على اليقظة والسؤال، وهو عاجز عن تأمين أبسط شروط الحياة الكريمة؟

لقد كشفت أوراق المؤتمر العام السادس لنقابة الصحفيين، وما سبقها من نقاشات مهنية، أن الأزمة لم تعد فردية ولا عابرة. هناك صحفيون يعملون بلا أجر، وآخرون يتقاضون رواتب متقطعة، وكثيرون لا يعرفون حدًّا أدنى واضحًا لأجورهم داخل مؤسساتهم. وفي سوق عمل مضطرب، لم يعد غريبًا أن يجد الصحفي نفسه بين خيارين قاسيين: أن يتمسك بمهنة تُنهكه، أو يبحث خارجها عما يحفظ له كرامة العيش.

والأخطر أن هذا التدهور لا يضرب الصحفيَّ وحده، بل يضرب الصحافة نفسها. فالصحفي الذي يلاحقه القلق على راتبه، وإيجاره، ومصروفات بيته، لا يُطلب منه فقط أن يكتب خبرًا أو يحرر تحقيقًا، بل أن يؤدي وظيفة عامة في خدمة المجتمع. الصحافة ليست ترفًا، ولا زينةً ديمقراطية، بل "منفعة عامة" مثل المدرسة والمستشفى والمحكمة، لأنها تقدم المعلومة الصحيحة، وتكشف أوجاع الناس، وتفتح الطريق أمام المساءلة.

لذلك، فإن السؤال عن تراجع الصحافة لم يعد كافيًا. السؤال الأهم: من يستطيع أن ينهض بصحافة جائعة؟ وكيف نطلب من الصحفي أن يكون عينَ المجتمع، بينما تُترك عينه معلَّقة على آخر الشهر؟ لا يمكن لصحافة جائعة أن تحرس الحقيقة طويلًا. فكيف يكتب الصحفي عن أوجاع الناس، وهو نفسه يكتب على معدة خاوية؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة