"سلاطين النسيج ينقلون شركاتهم إلى مصر" بهذه العبارة تحدثت عاملات في قطاع خط الإنتاج لإحدى شركات الخياطة التركية عقب فصلهن من وظائفهن ضمن جميع الموظفين الذين تخلت الشركة عن خدماتهم، على خلفية نقل الملاك مقرات شركاتهم وأعمالهم إلى مصر، قالت إحداهن ضاحكة "فصلونا من العمل اليوم كل شيء قسمة ونصيب سنبحث عن عمل آخر أو نبقى في البيت أليس هذا عملاً أيضاً".
انتقال صناعة النسيج التركي إلى مصر
منذ عام 2023 شرعت نحو 130 شركة نسيج تركية في نقل مصانعها إلى مصر، وتسببت هذه التحولات في خسران نحو 90 ألف عامل داخل تركيا وظائفهم، وترتب عليه مواجهة العمال لظروف اقتصادية سيئة حتى أن كثيرين منهم عجزوا عن توفير الطعام والشراب عقب تسريبهم، لم يكترث أصحاب رؤوس الأموال لما سوف يتعرض له العمال تجاه إجراءات التصفية والفصل الكثيفتين وكان دافع هذا التحول هو عدم رضى أصحاب الشركات عن ظروف الإنتاج في البلاد لكن ما هو السر وراء تحول صناع النسيج الأتراك إلى القنطرة غرب المنطقة الصناعية لقناة السويس بمصر؟، وكيف تؤثر هذه التحولات على صناعة النسيج المصرية؟.
دشن المستثمرون الأتراك في مصر نحو 34 مشروعا بتكلفة تبلغ 859.3 مليون دولار وتمتد شركاتهم المخصصة لصناعة المنسوجات على مساحة تزيد عن 2.180 مليون متر مربع، وبرزت أسماء شركات تركية كبرى في قطاع النسيج وبالتدريج وضعت شركة UR-SA استمثارات بقيمة 20 مليون دولار تلتها شركة KCG Textile التي تبلغ قيمة استثماراتها نحو 25 مليار دولار، وتفوقت عليها شركة نيل أورم باستثمارات بلغت 35 مليون دولار، بينما وصلت استثمارات شركة إيروغلو إلى 40 مليون دولار، وصعدت استثمارات شركة بوني لتصل إلى 100 مليون دولار.
وكانت مصر قد أنفقت نحو 15 مليار جنيه مصري بما يعادل (485 مليون دولار) على البنية التحتية والمعدات لجذب المستثمرين، ودُشن في المرحلة الأولى من منطقة القنطرة الغربية التي تعتبر جزءاً من المنطقة الصناعية لقناة السويس 40 مشروعاً، بلغت حجم تكلفتها مليار دولار، وتستهدف الحكومة أن يصل عدد المصانع المكتملة 50 مصنعاً بما يسهم ذلك في توفير نحو 500 ألف وظيفة ويولد قرابة 25 مليون دولار من حجم الصادرات السنوية للبلاد، هذا حسب تصريحات أدلى بها الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء خلال مؤتمر صحفي عقد في سبتمبر 2025.
فيما وضع تصور تحويل منطقة القنطرة غرب إلى منطقة صناعية خلال عام 2011، وأنشأت بمرسوم رئاسي صدر عام 2015، لتصبح أحد منافذ الصادرات وتستهدف مصر توصيل حصيلة الصادرات من 44.8 مليار دولار في 2024 لتصبح 140 مليون دولار بحلول 2030.
كيف فتحت السياسة المصرية باب الاقتصاد للمستثمرين الأتراك؟
ظلت العلاقات المصرية التركية طوال عشر سنوات تغلب عليها التوتر السياسي لاسيما بعد أن دعمت الحكومة التركية جماعة الإخوان المسلمين بشكل صريح خلال عام 2013، لكن انتهت هذه التوترات خلال السنوات الأخيرة بعد أعلنت البلدين في يوليو 2023 رفع العلاقات الدبلوماسية إلى مستوى السفراء، قبل أن تتوج مساعي التقارب بزيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة في فبراير 2024، فيما أعيد تفعيل مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين.
يشير المحلل السياسي ياسين التميمي المقيم في تركيا والباحث في العلاقات السياسية الدولية، بأن التحسن السياسي بين مصر وتركيا، انعكس بدوره على العلاقات الاقتصادية وحجم التبادل التجاري الذي سجل نحو 8.8 مليارات دولار خلال عام 2024، مع إعلان الجانبين السعي لرفعه إلى 15 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، ويقول التميمي في حديثه مع فكر تاني "المستثمرون الأتراك ذهبوا إلى مصر لأغراض اقتصادية بالفعل لكن بعد أن فتحت العلاقات السياسية أبواب عودة النشاط الاقتصادي بين البلدين".
عمالة منخفضة التكلفة
في الوقت الذي يصل فيه الحد الأدنى للأجور في تركيا 22104 ليرة / 621 دولار بعد ارتفاعها في فبراير 2025 بنسبة 30% نسبة إلى ما رصده موقع Perfect Sourcing، الاقتصادي المتخصص في متابعة الأسهم ومؤشرات البورصة، فقد بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي في تركيا 15147.84 دولار عام 2024، وفق ما وثقه موقع، Trading Economics وبالمقارنة مع نصيب الفرد من الناتج المحلي في مصر فقد بلغ 4137.61 دولار، من نفس العام، فيظهر تدني معيشي لـ مستوى معيشة المصريين خاصة فإن الحد الأدنى للأجور في مصر 7000 جنيه/ 134 دولار بعد ارتفاعها في يوليو 2025. وفقا لبيانات رسمية صادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات.
تتقاضى نورا عبد الرحيم، 42 عاماً، عاملة بأحد مصانع الغزل بالجيزة، 7 آلاف جنيه راتبا شهريا، بالإضافة إلى مكافأت رمزية في المناسبات، تغطي تكلفة معيشتها وبناتها الثلاثة، بعد أن انفصلت عن زوجها منذ 6 سنوات بسبب إدمانه المخدرات، بقيت وحدها تعول الأسرة.
يبدأ عمل نورا في الثامنة صباحاً وحتى التاسعة مساءاً، وتتولى تدريب الطلبات القادمات من المدارس الفنية على إجراء عمليات الفرز والتشطيب على قطع الملابس بعد المرحلة الأولى من تصنيعها، تراود نورا أحلام العمل في المصانع الكبرى بالمنطقة الحرة خاصة مع رغبتها في تحسين دخلها لدعم أسرتها. تقول لـ "فكر تاني": "بسمع إن العمال في المصانع الكبيرة بياخدوا مرتبات بالـ 15 ألف ونفسي اشتغل هناك".
حلم نورا بالعمل في مصانع المنطقة الحرة بأجر يقل عن 300 دولار شهريا يكشف الهشاشة الاقتصادية للعامل المصري، وهو أحد الأسباب التي تدفع بالمستثمرين الأجانب للاستثمار في مصر، وفق الدكتور محمد محمود، مسؤول سابق بالهيئة العامة للاستثمارات والمناطق الحرة، فإن تكلفة العمالة المصرية بالنسبة للمستثمر الأجنبي قليلة مقارنة بالأجر الذي يحصل عليه العمال في تركيا، بالإضافة إلى تكلفة عملية التصنيع نفسها، ويضيف في حديثه لـ"فكر تاني": "المستثمر التركي أو أي مستثمر أجنبي يحصل على مزايا عديدة في مصر لا يحصل عليها في بلده فمثلا الكهرباء في مصر أرخص وكذلك العمالة والغاز والإعفاءات الضريبية وغير ذلك".
وفق مؤشر الاتحاد الدولي لنقابات العمال العالمي للحقوق لعام 2025، فإن تركيا ومصر يصنفان ضمن أسوأ 10 في العالم للعمال، وسط قائمة تضم الفلبين وتونس وميانمار ونيجيريا وبيلاروسيا، والإكوادور، إسواتيني، وبالرغم من ذلك إلا أن مصر تحتل المرتبة التاسعة عالمياً بين الدول الأكثر جذباً للاستثمارات الأجنبية حسب احصاءات عام 2024 بعد ضخ استثمارات اماراتية داخل مصر بحجم 47 مليار دولار في مشروع رأس الحكمة، بعد أن كانت في المرتبة الثانية والثلاثين خلال عام 2023، بحجم استثمارات مالية بلغت 10 مليار دولار.
مصر قِبلة استثمارية ولكن
بالرغم من ذلك فإن مصر كأحد الوجهات الاستثمارية، مدعومة بتكاليف عمالة أقل إلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي فإنها تقدم حوافز استثمارية مغرية، وهذا بدوره ينعكس على حجم توسع الاستثمارات التركية داخل السوق المصرية، لاسيما في قطاعات مثل الغزل والنسيج الذي يشكل نسبة 70% من حجم الاستثمارات التركية، وتشير تصريحات إعلامية سابقة لرئيس مجلس الأعمال المصري التركي عادل اللمعي، فإن هناك نحو 200 مصنع تركي في مصر يعمل في صناعات الغزل والنسيج والملابس ويرتفع عدد الشركات إلى 1700 شركة تركية بالبلاد.
يظهر تباين واضح في معدلات التضخم الاقتصادي بين البلدين حسب ما تشير له بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر ومعهد الإحصاء التركي خلال عام 2025، إذ تراوحت في مصر بين نحو 10% و12.5%، بينما سجلت في تركيا مستويات أعلى تراوحت بين 30% و39%. بينما وصلت ذروة التضخم الاقتصادي في مصر، عام 2023 حين تجاوزت 40% قبل أن يبدأ التراجع التدريجي.
يعكس هذا الفارق في مستويات الأسعار اختلافاً ظاهراً في بيئة التكاليف الاقتصادية، خاصة ما يتعلق بتكلفة الإنتاج وقيمة العملة واستقرار السوق. وفي هذا السياق، يرى الخبير في الاقتصادي الدولي الدكتور أنور القاسم، أن ارتفاع معدلات التضخم في تركيا، وما يصاحبه من زيادة في تكاليف التشغيل، قد دفع بالشركات إلى إعادة توزيع استثماراتها والبحث عن أسواق إنتاج بديلة أقل تكلفة.
وقال في تصريحات لـ فكر تاني : " الاستثمارات التركية في مصر سوف تساهم في نمو حركة التبادل التجاري بين البلدين وقد ارتفعت العام الماضي إلى أكثر من 4% وهذا معدل جيد".
فجوة بين الاستثمارات المعلنة والتنفيذ
ثمة فجوة واضحة بين المشروعات الاستثمارية التركية المعلن عنها وبين آليات التنفيذ، خاصة إذا استخدمت الشركات أرقام كبيرة كخطة طويلة الأجل للإعلان عن مشروعاتها ويظهر ذلك بوضوح في إعلان مجموعة كوتشوك تشاليك، المتخصصة في صناعة المنسوجات، بعدما أعلنت في ديسمبر 2023، على اعتزامها استثمار 500 مليون دولار بحلول يناير 2025، على شكل مشروعات داخل المنطقة الصناعية لقناة السويس، وكانت الشركة قد وضعت حجر أساسها في مصر منذ 2007، بمصنع في منطقة العاشر من رمضان، بتكلفة بلغت 75 مليون دولار آنذاك بينما تبلغ إيرادات المصنع السنوية 65 مليون دولار.
برزت خطة المشروع التي أعلنت سابقاً قيام شركة "كي سي جي تيكستايل إيغي بي تي" الحصول على قطعة أرض تصل مساحتها 250 ألف متر مربع في المنطقة الصناعية، حتى يتم تنفيذ المشروع الذي كان من المقرر أن ينتج ما بين 500 إلى 2500 طن من الألياف سنوياً بحيث يبدأ تشغيله العام الماضي 2025، على أن يغطي المشروع ربع الطلب المحلي المصري على الألياف خلال مدة عامين من بدء التشغيل وفق تصريحات لأحد المسؤولين بالشركة، فإن ذلك يساهم في توطين صناعة الألياف التي تنفق مصر على استيرادها نحو مليار دولار سنوياً.
بعد مرور 6 أشهر من الإعلان عن المشروع ذات القيمة المالية الضخمة 500 مليون دولار، دشنت نفس الشركة في الأول من يوليو لعام 2025 مشروعاً استثمارياً بقيمة 24 مليون دولار في منطقة العاشر من رمضان، وسط لفيف من المسؤولين المصريين والأتراك، ولم يشر مسؤولي الشركة عن مصير الوعود السابقة بينما قالوا أن هناك نية لاستثمار جديد سيتم الإعلان عنه في 2026، بينما لم تطلق أي مشاريع حتى الآن.
يقول الدكتور عمرو الملاح، مؤرخ وباحث مطلع على آليات السوق والاقتصاد العام، أن الفجوة بين الأرقام المعلنة والتنفيذ على الأرض هو أم يتماشى مع إدارة المخاطر. مشيراً إلى أن إعلانات المشروعات الضخمة لا تعدو كونها مجرد مذكرات تفاهم غير ملزمة، ويتم تعديلها حسب دراسات الجدوى وتغيرات الاقتصاد الكلي وذكر منها على سبيل المثال تذبذب أسعار الصرف وتكلفة التمويل، ويضيف في حديثه مع فكر تاني : "الإعلان الضخم بيكون بمثابة إشارة للسوق بهدف رفع قيمة أسهم الشركة، أو لاستخدامه كورقة ضغط بالمفاوضات مع الحكومات لتكسب الشركة إعفاءات وتسهيلات ضريبية وجمركية أكثر".
هل تحتاج مصر إلى مصانع النسيج التركية؟
لم تكن صناعة النسيج يوما وليدة الصدفة والآلة في مصر وإنما وجدت منذ أن عرف المصري القديم الحياة فصنع ملابسه مثلما صهر الذهب وشكله حلياً، غزل المصري القديم والمعاصر النباتات وصنع منها الأقمشة وطرز ملابسه الصيفية والشتوية الملكية والشعبية، حتى أنه صنع الآلة ذاتها، ما يعني أن المصري المعاصر ليس لديه ما ينقصه في صناعة الغزل والنسيج والملابس، ويحتاج إلى تعلم صناعات جديدة ليست سائدة في مصر ويحتاج لها المجتمع، هذه الرؤية يتبناها الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، الذي يقول في حديثه مع فكر تاني : "على الحكومة أن تضع خطط لجذب استثمارات جديدة للبلاد وليس صناعات قائمة بالفعل منذ مئات السنين ليكون لها مردود على المجتمع والمواطن".