مليارات المونديال.. هذه حصة الفيفا والدول المستضيفة من كأس العالم 2026

تتجه أنظار عشاق الساحرة المستديرة بعد أيام إلى قارة أميركا الشمالية، حيث تُقام بطولة كأس العالم 2026 بنظامها الجديد، الذي تستضيفه، في سابقة هي الأولى من نوعها، ثلاث دول مشتركة، هي الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. وإلى جانب هذه الاستضافة الثلاثية غير المسبوقة، تتوسع رقعة المشاركة من 32 منتخبًا إلى 48، مما يجعل هذه النسخة الأكثر استثنائية في تاريخ البطولة التي انطلقت عام 1930. غير أن المتعة الكروية ليست وحدها ما تنشده منظومة كرة القدم العالمية، إذ ستكون الأنظار شاخصةً أيضًا على الأرباح والعوائد المالية الضخمة التي تدرها هذه البطولة للفيفا والمدن المستضيفة على حدٍّ سواء.

وقد أسهم نظام الـ48 فريقًا، الذي تبناه الاتحاد الدولي لكرة القدم في عهد الإيطالي جياني إنفانتينو، في منح بعض البلدان فرصة التأهل لأول مرة في تاريخها، فستشارك الرأس الأخضر وكوراساو والأردن وأوزبكستان لأول مرة في أكبر مسابقة كروية عالمية، وبفضل هذا التوسع، ارتفع عدد مباريات البطولة إلى 104 مباريات، مما رفع بالتبعية أعداد التذاكر وعوائد البث والخدمات المرافقة.

وتشير تقديرات الفيفا إلى أن البطولة قد تحقق تأثيرًا اقتصاديًا عالميًا يصل إلى 80 مليار دولار، في ظل انتعاشة متوقعة في قطاعات السياحة والسفر والخدمات الفندقية والنقل، إلى جانب الأنشطة التجارية والاستهلاكية التي تتصاعد حتمًا حين ترتحل الجماهير خلف فرقها من جميع بلدان العالم. وتتوقع الجهات المنظمة تحقيق إيرادات قياسية قد تتجاوز 11 مليار دولار لمصلحة الفيفا، مستمدةً من حقوق البث التلفزيوني والرعايات العالمية وبيع التذاكر والخدمات التجارية المرتبطة بالبطولة.

وينظر إلى هذه النسخة باعتبارها الأغلى في تاريخ كأس العالم، نظرًا لاتساع قاعدة الجماهير وتزايد المحتوى التلفزيوني والرقمي، مقارنةً بالبطولات السابقة التي بلغت فيها إيرادات حقوق البث نحو 3.4 مليار دولار في نسخة قطر 2022، و3.1 مليار دولار في نسخة روسيا 2018.

ولتعظيم الأرباح، اعتمد الفيفا نظام التسعير الديناميكي الذي يربط أسعار التذاكر بحجم الطلب في السوق، وعلى الرغم من المخاوف التي أُثيرت حول احتمال عزوف الجماهير، تجاوز عدد طلبات الشراء نصف مليار طلب في المرحلة الأولى، مما دفع الأسعار إلى الارتفاع التلقائي وفق هذه الآلية الجديدة.

وتبدأ أسعار التذاكر من نحو 100 دولار لمباريات دور المجموعات، لترتفع إلى ما بين 2030 و6370 دولارًا للفئات العادية في المباراة النهائية، فيما تتجاوز بعض التذاكر المميزة في السوق الرسمية عشرات الآلاف من الدولارات جراء تطبيق هذا النظام.

وإن كان الفيفا الرابح الأكبر المباشر، فإن المدن المستضيفة لا تحصل على عوائد مباشرة من بيع التذاكر أو من أرباح البث التلفزيوني، وإنما تنتظر مكاسبها من الخدمات المرافقة كالسفر والسياحة والضيافة الفندقية. ولهذا السبب تحديدًا، ستحظى المدن الأمريكية بنصيب الأسد من الإيرادات المتوقعة، إذ تستضيف 78 مباراة من أصل 104، مقابل 13 مباراة فقط لكلٍّ من المكسيك وكندا.

الأرباح الأمريكية

يتوقع الفيفا أن يُدرّ كأس العالم ما يصل إلى 30 مليار دولار على الاقتصاد الأمريكي بناتج محلي يصل إلى 17 مليار دولار، في ظل توقعات باستقطاب ما بين 20 و30 مليون سائح، وهو رقم غير مسبوق بالنظر إلى أرباح البطولات السابقة.

وبدأت المؤشرات تظهر فعلًا على قطاع السياحة، حيث أضاف الاقتصاد الأمريكي أكثر من 170 ألف وظيفة في مايو الماضي، معظمها في قطاعي الترفيه والضيافة استعدادًا للبطولة.

غير أن هذه الطفرة التوظيفية لا تخلو من عواقب سلبية محتملة، إذ قد تدفع نحو رفع أسعار الفائدة مستقبلًا في ظل تباطؤ نمو الأجور وارتفاع التضخم، مما يُثير مخاوف جدية بشأن القدرة الشرائية للأسر الأمريكية.

وبينما يعد الفيفا الولايات المتحدة بأرباح كبيرة تغطي تكاليف الإنفاق التي تخطّت 11 مليار دولار، ثمة أصوات اقتصادية تُقلّل من هذه التوقعات وترى أن ما ستحققه أمريكا مجرد جزء ضئيل مما يُروّج له، فبنوك كبرى كـ"جولدمان ساكس" و"ناتيكسيس" تعتقد أن تأثير البطولة سيقتصر على المدن المستضيفة دون أن يُحدث أي تغيير يُذكر على مستوى الاقتصاد الوطني، استنادًا إلى حسبة رياضية صارمة، إذ يبلغ حجم الاقتصاد الأمريكي 87.4 مليار دولار في اليوم الواحد، فلا تمثل إيرادات بقيمة 17.2 مليار دولار سوى ما يُنجزه هذا الاقتصاد في أقل من خمس ساعات.

المكسيك وكندا

تحتضن المكسيك 13 مباراة فقط من أصل 104، من بينها مباراة الافتتاح بين المكسيك وجنوب أفريقيا على الملعب التاريخي أزتيكا في مكسيكو سيتي.

وتتوقع التقديرات أن تشهد المدن المكسيكية الثلاث المستضيفة، وهي مكسيكو سيتي ومونتيري وجوادالاخارا، نموًا ماليًا مباشرًا في قطاعَي الخدمات والتجارة المحلية يعادل ما بين 0.2% و0.5% من الناتج المحلي الإجمالي للمكسيك.

وسيعكس هذا النمو نفسه في إنعاش الأسواق والمحلات التجارية والمطاعم الشعبية جراء التدفق الكثيف للسياحة الأجنبية، حيث يُتوقع أن تجذب البطولة نحو 4.2 ملايين زائر داخل المكسيك، من إجمالي عوائد مالية متوقعة تبلغ نحو 3 مليارات دولار.

وقد ضخّت المكسيك استثمارات بلغت نحو 200 مليون دولار لتطوير ملاعبها وفق معايير الفيفا الصارمة، من بينها ملعب أزتيكا الأسطوري الذي خضع لعملية تجديد شاملة طالت الأنظمة الرقمية ومناطق الضيافة والمحيط التجاري للملعب. كما دفعت البطولة الحكومات المحلية إلى تسريع مشاريع النقل العام وتوسعة خطوط المترو والحافلات السريعة، وتحديث المطارات الدولية في مكسيكو سيتي ومونتيري لاستيعاب التدفق الجماهيري الكثيف.

أما كندا، الدولة الثالثة في هذه الاستضافة المشتركة، فلن يختلف وضعها كثيرًا عن المكسيك، إذ تستضيف هي الأخرى 13 مباراة فقط، ليس من بينها مباراة الافتتاح أو النهائي، وستُلعب كلها على ملعبين في تورنتو وفانكوفر. ومع ذلك، سيمنح المونديال دفعةً تاريخية لرياضة كرة القدم في بلد ظلت فيه تقليديًا أقل شعبيةً من هوكي الجليد، مما سيُحفّز الاستثمارات الرياضية على المدى البعيد.

وبحسب تقرير تقييم الأثر الاقتصادي الصادر عن الفيفا، ستعود استعدادات البطولة واستضافتها على الاقتصاد الكندي بأرباح تصل إلى 3.8 مليار دولار كندي، مع مساهمات محتملة تبلغ ملياري دولار كندي في الناتج المحلي الإجمالي، و1.3 مليار دولار كندي في دخل العمل، فضلًا عن 700 مليون دولار كندي من العائدات الحكومية، وخلق 24100 وظيفة أو الحفاظ عليها طوال الفترة التي يشملها التقرير.

ومن أبرز ما تكشفه الدراسة أن مقابل كل دولار كندي يُنفق على التحضيرات أو تُنفقه الوفود الزائرة، ستُساهم البطولة بمبلغ 1.09 دولار كندي في الناتج المحلي الإجمالي، فيما يُتوقع أن تساهم كل مباراة بمعدل 155 مليون دولار كندي إضافيًا مصحوبةً بـ1850 وظيفة.

وحسابيًا، ضمن الفيفا أرباحه عبر الارتفاع الجنوني في أسعار التذاكر وعوائد البث التلفزيوني والرقمي، فيما تأتي الولايات المتحدة في المرتبة التالية بنصيب الأسد في استضافة المباريات، مما يجعل هذا المونديال أمريكيًا بامتياز. وما تكشفه حركة رأس المال المصاحبة للبطولة أننا أمام النسخة الأغلى في تاريخ كأس العالم دون منازع.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة