زيادة على الورق.. كيف يختفي الإنفاق على التعليم قبل أن يصل إلى المدرسة؟

يعود الجدل كل عام حول السؤال نفسه، هل تُنفق مصر ما يكفي على التعليم؟ وهل ما تُنفقه يصل فعلًا إلى داخل الفصل الدراسي؟ تتقاطع في هذا الجدل تصريحات حكومية تؤكد الالتزام بما نص عليه الدستور، وأصوات خبراء لا يرون في الزيادة العددية وحدها ما يكفي، ويطالبون بأن تُترجَم الأرقام الكبيرة إلى تحسّن حقيقي وملموس في جودة التعليم.

تقول الحكومة إنها رفعت مخصصات التعليم لتعادل 6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الحد الأدنى الذي أقرّه الدستور، فيما بلغت مخصصات البحث العلمي 1% من الناتج المحلي، وفقًا للاستحقاق الدستوري ذاته، غير أن بعض التقارير تشير إلى أن هذه القيم تتراجع حين يُعتمد التعريف الدقيق للعناصر المكوّنة للقطاع، وتُستبعد منها العناصر ذات الصلة غير المباشرة.

وخلال عرض البيان المالي للموازنة الجديدة أمام مجلس النواب، قال أحمد كجوك، وزير المالية، إن الدولة تواصل التزامها بالمخصصات الدستورية لقطاعَي التعليم والصحة، باعتبارهما من أهم القطاعات الحيوية المرتبطة مباشرة بتحسين جودة حياة المواطنين وبناء الإنسان المصري، موضحًا أن مخصصات التعليم قبل الجامعي والتعليم الجامعي ارتفعت إلى 442.344 مليار جنيه في موازنة 2026/2027، مقارنة بنحو 352.410 مليار جنيه في العام المالي الجاري 2025/2026، وهو ما وصفه بأنه يعكس اهتمام الدولة بتطوير البنية التعليمية ودعم العملية التعليمية في مختلف مراحلها.

ويضم قطاع التعليم في تعريفه الرسمي التعليمَ قبل الجامعي بكافة مراحله، والتعليم العالي، والتعليم غير المحدد بمستوى، وخدمات مساعدة التعليم، والبحوث والتطوير في المجال التعليمي. وتندرج تحته جهات عدة، من بينها وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، ومديريات التربية والتعليم في المحافظات، ووزارة التعليم العالي، والجامعات، والمركز القومي للبحوث التربوية، والمركز القومي للامتحانات، والهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار، والهيئة العامة للأبنية التعليمية، وصندوق تطوير التعليم.

وتضمنت الموازنة الجديدة تخصيص 7.8 مليار جنيه لطباعة الكتب الدراسية لطلاب التعليم قبل الجامعي، و7 مليارات جنيه لبرامج التغذية المدرسية، فضلًا عن زيادة حافز التدريس للمعلمين بقيمة تتراوح بين 1000 و1100 جنيه شهريًا صافيًا، إلى جانب الزيادات العامة المقررة للعاملين في الجهاز الإداري للدولة.

فاتورة لا تُعلّم أحدًا

تخيّل أن عندك مطعمًا وقرّرت رفع ميزانيته، لكن معظم الزيادة ذهبت لرفع رواتب الموظفين لا لتحسين الأكل أو تجديد المطبخ. هذا تقريبًا ما يحدث في موازنة التعليم المصرية، وهو ما يُشكّل أبرز الانتقادات الموجهة إليها.

فمن أصل كل 100 جنيه تُنفقها الدولة على التعليم، يذهب 68 جنيهًا منها للأجور. وقد بلغ إجمالي مصروفات قطاع التعليم 367.3 مليار جنيه مقابل 315.09 مليار جنيه للعام الحالي بزيادة نسبتها 16.5%، في حين بلغت مخصصات الأجور وحدها 251.29 مليار جنيه، أي ما يعادل 68.4% من الإجمالي. وهذا لا يعني أن المعلمين لا يستحقون أجورًا عادلة، لكنه يعني أن ما يتبقى لبناء مدارس أو شراء معدات أو تطوير مناهج محدود، وأن حصة الاستثمار في البنية التحتية لا تتجاوز 18% من إجمالي مصروفات القطاع، رغم أن المدارس والجامعات هي التي تحمل العملية التعليمية على أكتافها.

وقد أسهمت زيادة حافز التدريس لنحو مليون معلم بقيمة تتراوح بين 1000 و1100 جنيه شهريًا، إلى جانب رفع الحد الأدنى للأجور بألف جنيه، في رفع بند الأجور بنسبة 17% دفعةً واحدة، من 214.7 مليار جنيه العام الحالي إلى 251.2 مليار جنيه العام المقبل. وهذا يعني عمليًا أن الجزء الأكبر من الزيادة المُعلنة في الموازنة ذهب لتغطية هذه الفاتورة قبل أن يصل إلى الفصول الدراسية.

أما ما تبقى من الموازنة فيتوزع على شراء السلع والخدمات بـ34.679 مليار جنيه مقابل 29.7 مليار جنيه، وفوائد بـ1.367 مليار جنيه مقابل 414 مليون جنيه، ومصروفات أخرى بـ6.3 مليار جنيه مقابل 6.07 مليار جنيه، ومخصصات استثمارات بـ65.4 مليار جنيه مقابل 60.5 مليار جنيه، ودعم ومنح ومزايا اجتماعية بـ8.24 مليار جنيه مقابل 3.6 مليار جنيه.

وترى النائبة إيرين سعيد، عضو مجلس النواب، أنه "يصعب تحديد ما إذا كانت الحكومة قد التزمت بالاستحقاقات الدستورية من عدمه مع تعدد أبواب الصرف، خصوصًا الأجور التي تستنزف أي زيادات في الموازنة، وعدم اقتصار الأمر على الخدمات المباشرة الموجهة للمواطنين"، مضيفةً أن "الحكومة في النهاية تعمل على ألا تكون مخالفة لما نص عليه الدستور".

أفواه مفتوحة

حين تنظر إلى كيفية توزيع هذه المليارات إداريًا، تجد أن الجهاز الإداري لقطاع التعليم تبلغ مخصصاته 87.2 مليار جنيه، مقابل 198.04 مليار جنيه للإدارة المحلية، و112.06 مليار جنيه للهيئات الخدمية. وعلى صعيد الأجور تحديدًا، تبلغ أجور الجهاز الإداري 10.3 مليار جنيه، مقابل 191.2 مليار جنيه للإدارة المحلية، و49.6 مليار جنيه للهيئات الخدمية.

واللافت هنا أن الجهاز الإداري يستحوذ على الحصة الأكبر في بند شراء السلع والخدمات بـ20.01 مليار جنيه، مقابل 4.9 مليار جنيه للإدارة المحلية و9.7 مليار جنيه للهيئات الخدمية. وهو ما يعني أن الجهاز الإداري، الذي يُفترض أن يكون داعمًا للعملية التعليمية لا محورًا لها، يستهلك نصيبًا غير متناسب من موارد القطاع.

ميزانيات تتآكل

ثمة جانب آخر لا يظهر عادةً في العناوين الكبرى. فعلى مستوى الهيئات الاقتصادية المرتبطة بالقطاع، تبيّن أن أكثر الجهات التي تخلت الموازنة العامة عن المساهمة في تمويلها مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالتعليم والتدريب والتأهيل. وتعني مساهمة وزارة المالية في هذه الهيئات الدعمَ المالي والمنح والإعانات التي تُقدّمها الخزانة العامة لسد العجز أو لتمويل المشروعات القومية، في مقابل التزام الهيئات الاقتصادية الرابحة بتوريد نسبة من أرباحها للخزانة.

الجهاز المصري للملكية الفكرية، الذي يحمي اختراعات الباحثين وتسجيل مخرجاتهم العلمية وابتكاراتهم، حصل هذا العام على 25 مليون جنيه، لكن موازنة 2026/2027 لا تتضمن له أي مخصصات. وهيئة دعم تطوير الجامعات لم تحصل على أي مساهمة من الخزانة العامة منذ العام المالي 2022/2023 حين حصلت على 313 مليون جنيه. وعلى المنوال ذاته، انقطعت المساهمات الحكومية عن الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد في العامين 2025/2026 و2026/2027، وكان آخر ما حصلت عليه في 2024/2025 يبلغ 7.3 مليار جنيه. أما الهيئة القومية لضمان جودة التعليم الفني "إتقان"، وهي الجهة المعنية بالاعتماد في مؤسسات التعليم الفني والمهني وشريك جوهري في تطوير التعليم، فتراجعت مخصصاتها من 65.6 مليون جنيه إلى 47.6 مليون جنيه بانخفاض نسبته 27.6%.

هذه ليست أرقامًا تقنية جافة. فهذه الجهات هي المنوط بها الإجابة عن سؤال جوهري، هل التعليم يتحسن فعلًا؟ وحين تعمل بموارد متضائلة، يصبح الجواب عن هذا السؤال أصعب.

حين تبدو الزيادة أكبر مما هي عليه

ثمة مشكلة أخرى تتعلق بالتضخم، وهي تُشبه ما يحدث مع الراتب تمامًا. إذا ارتفع راتبك 20% لكن الأسعار ارتفعت 40%، فأنت في الحقيقة أصبحت أفقر لا أغنى، لأن ما تستطيع شراءه بهذا الراتب قلّ لا زاد. الشيء ذاته ينطبق على موازنة التعليم.

يُشير المركز المصري للدراسات الاقتصادية إلى أن وزارة المالية وسّعت مفهوم الإنفاق على التعليم ليشمل كل ما تُنفقه الوزارات والمصالح الحكومية والهيئات العامة على أي نشاط تعليمي، بما فيها المراكز العلمية والبحثية الحكومية، سواء أكانت خدمية أم اقتصادية. ويرى المركز أن هذا التوسع في التعريف يُضخّم الرقم المُعلن.

لكن الأهم من ذلك هو تأثير التضخم. فبين عامَي 2021/2022 و2023/2024، ارتفع الإنفاق الاسمي على التعليم، أي الرقم المكتوب في الموازنة، من 193.7 مليار جنيه إلى 229.9 مليار جنيه بنسبة نمو 19%. لكن حين تُحسب قيمته الحقيقية، أي ما يمكن شراؤه فعلًا بهذا المال من كتب ومعدات ومبانٍ، فإن الإنفاق الحقيقي لم يرتفع إلا من 108.6 مليار جنيه إلى 108.9 مليار جنيه خلال الفترة ذاتها، بمعدل نمو لا يتجاوز 0.3%. بمعنى آخر، الأرقام تضخّمت على الورق، لكن ما وصل إلى المدارس فعليًا بقي شبه ثابت.

ما تقوله الأرقام وما لا تقوله

في مقابل هذه الانتقادات، تُسجَّل تحسينات ملموسة يصعب تجاهلها. فقد احتلت مصر المركز العاشر عربيًا من حيث جودة التعليم الثانوي، كما تقدمت 10 مراكز في مؤشر جودة التعليم الدولي الصادر عن "US News" لتصل إلى المركز 41 عام 2024 مقابل المركز 51 عام 2019، وتقدمت 34 مركزًا في مؤشر التعليم التقني والتدريب المهني لتحتل المركز 79 عام 2025 مقابل المركز 113 عام 2017.

وعلى صعيد المؤسسات، أُنشئت أنماط تعليمية متنوعة تشمل 69 مدرسة يابانية قائمة مع 10 مدارس يُتوقع افتتاحها خلال العام الدراسي 2026/2027، و31 مدرسة رسمية دولية "IPS"، و23 مدرسة للمتفوقين "STEM"، فضلًا عن وصول عدد مدارس النيل المصرية الدولية إلى 14 مدرسة. وتمتد هذه التوسعات لتشمل انطلاق مشروع المدارس المصرية الألمانية وافتتاح أولى مدارسه بمدينة السادس من أكتوبر، وإنشاء 115 مدرسة تكنولوجيا تطبيقية، و35 مدرسة في مجال تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي، وافتتاح مركزَي تميز بالقاهرة والقليوبية، وتطوير 94 مادة دراسية في مختلف المراحل التعليمية.

ويرى النائب محمد نشأت العمدة، وكيل لجنة المشروعات بمجلس النواب، أن زيادة مخصصات القطاع بنسبة 20% "يعكس توجه الدولة الجاد نحو الاستثمار في الإنسان والارتقاء بمستوى الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين وتطوير العملية التعليمية بجانب مواصلة تطوير البنية التحتية للمدارس وتحسين جودة الخدمات التعليمية".

وعلى الصعيد الميداني، يُشير شادي زلطة، المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم، إلى أن "الدولة تعطي أولوية للتعليم، وتم صرف أكثر من تريليون جنيه من عام 2014 وحتى عام 2022 على التعليم". ويستند إلى إشادة منظمة اليونيسف بخطة الإصلاح، واصفةً إياها بأنها "واحدة من أكثر الخطط طموحًا في المنطقة"، مستدلًا بمؤشرات ملموسة تشمل انخفاض الكثافة الطلابية من 63 طالبًا في الفصل إلى 41 طالبًا، وارتفاع نسبة حضور الطلاب من 15% إلى 87%، وزيادة أيام الدراسة الفعلية من 110 أيام إلى 174 يومًا، فضلًا عن خفض نسبة الطلاب الذين يعانون من ضعف القراءة والكتابة من 45.5% إلى 13.9%، وتطوير 94 منهجًا دراسيًا بالتوازي مع تدريبات مكثفة للمعلمين.

أين تقف مصر عالميًا؟

يرسم د. محمود محيي الدين، وزير الاستثمار الأسبق، صورة أشمل حين يقول إن "التعليم لم يعد مجرد قطاع خدمي، بل أصبح استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الدولة وقدرتها على تحقيق النمو والاستقرار والقدرة التنافسية"، مؤكدًا أن نجاح أي إصلاح تعليمي يعتمد على ثلاثة عناصر أساسية هي التمويل المستدام، والتكنولوجيا والتحول الرقمي، والحوافز القادرة على تغيير السلوك وتحفيز التطوير.

ويُنبّه محيي الدين إلى أن مصر سجلت 161 نقطة في مؤشر رأس المال البشري، وهو رقم يتجاوز متوسط المنطقة البالغ 147 نقطة، ومتوسط الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى البالغ 153 نقطة، لكنه يبقى بعيدًا عن دول كاليابان التي سجلت 204 نقاط، وسنغافورة بـ222 نقطة، والصين بـ220 نقطة، والولايات المتحدة بـ252 نقطة، والمملكة المتحدة بـ261 نقطة. والفارق بين هذه الأرقام يشبه الفارق بين طالب يحصل على تقدير مقبول وآخر يحصل على امتياز، كلاهما نجح، لكن المسافة بينهما كبيرة.

ويُقرّ رئيس مجلس الوزراء د. مصطفى مدبولي بأن الحكومة "غير راضية" عن هذا المركز، لكنه يُذكّر بأن "الصين وصلت لذلك بعد 45 سنة من العمل المتواصل، وسنغافورة بعد 20 سنة، ونحن نعمل منذ 10 سنوات في ظروف شديدة التعقيد ولكننا مستمرون للوصول إلى الهدف المطلوب". ويستشهد بانخفاض الكثافة الطلابية التي كانت تصل إلى 100 أو 120 طالبًا في بعض الفصول، وبارتفاع نسبة حضور الطلاب من 15% إلى 87%، معتبرًا هذه المتغيرات بداية العودة إلى مستوى تعليمي أفضل.

السؤال الأهم.. نسبة من ماذا؟

يطرح د. سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، تساؤلًا جوهريًا يتعلق بـطريقة قياس الإنفاق ذاتها. فالإنفاق على التعليم يزيد باستمرار سنةً بعد أخرى بفعل الطلب الاجتماعي المتصاعد والزيادة السنوية في أعداد السكان في سن التعليم، لكن الزيادة العددية وحدها لا تعبّر عن مدى الكفاية. المقياس الأدق في رأيه هو نسبة الإنفاق على التعليم من مجموع الإنفاق العام كله، لا من الناتج المحلي وحده، لأن ذلك يُخبرنا بمكانة التعليم الحقيقية في سلّم أولويات الدولة.

ويرى المصري أن الخروج من هذه الإشكاليات يستلزم ربط التمويل بمعايير أداء واضحة، واستحداث أدوات تمويل بديلة كسندات مخصصة لتمويل التعليم بفوائد تفضيلية وآجال طويلة، وإلزام القطاع الخاص بالمشاركة ضمن إطار الشراكة المجتمعية بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. ويُضيف أن إصلاح هيكل الإدارة المالية في مؤسسات التعليم وترشيد إنفاقها ضرورة ملحّة، لا تنفصل عن ضرورة التوسع في التعلم الإلكتروني التفاعلي منخفض التكلفة، والاستفادة من الوسائل التعليمية التكنولوجية، وترسيخ مفاهيم التعليم المستمر.

الصورة إذن ليست سوداء ولا وردية. ثمة تحسينات حقيقية وأرقام متصاعدة، لكن هناك أيضًا إنفاقًا يبتلعه التضخم، وميزانيات تذهب للأجور قبل الفصول، وجهات متخصصة بدورها الرقابي والتطويري تعمل بموارد متضائلة. والسؤال الذي يبقى معلقًا هو ما إذا كانت الزيادة في الأرقام تعني بالضرورة زيادة فيما يتعلمه الطفل داخل الفصل.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة