من "أميركا أولًا" إلى حرب بالوكالة.. "الترامبية" في مواجهة التناقض الذي صنعته

حين بدأت حرب الشتاء الأمريكية الإسرائيلية على إيران، توقع مراقبون أن ينهار التحالف الواقف خلفها سريعًا، وهو ما تحقق فعلًا، لا لعبقرية قائليها، وإنما لوضوح المعطيات المؤدية إليها.

فبعد أكثر من ثلاثة أشهر على اندلاع الحرب، بدأت الأرض التي انطلق منها دونالد ترامب تهتز في واشنطن نفسها، حيث يواجه اليوم ضغوطًا سياسية متصاعدة داخل العاصمة الأمريكية، بعدما كشف تصويت مجلس النواب لتقييد قدرة الرئيس على استئناف العمليات العسكرية ضد إيران عن هشاشة هذا التحالف أكثر مما كشف عن قوة خصومه.

والمفارقة أن الحرب التي كان يُفترض أن تعيد ترميم الردع الأمريكي في الشرق الأوسط، بدأت تستنزف الردع السياسي للإدارة داخل الولايات المتحدة. وكلما تعثّر المشروع الأمريكي الإسرائيلي في طهران، اتسعت دائرة الخصوم في واشنطن.

فالتصويت الذي مرّره مجلس النواب الأمريكي في 3 يونيو الحالي لتقييد قدرة الرئيس على مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران دون تفويض من الكونجرس لا يهدد الحرب قانونيًا بقدر ما يكشف تحولًا أعمق داخل السياسة الأمريكية.

فالحرب التي نجحت في بدايتها في بناء تحالف ضيق معها، بدأت تدريجيًا في إنتاج تحالف واسع ضدها، مع استمرارها وتعثُّر نتائجها وارتفاع تكلفتها الاقتصادية والسياسية.

السؤال المطروح اليوم لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على مواصلة الحرب، بل ما إذا كانت قادرة على تحمّل تكاليفها السياسية والاستراتيجية.

من تحالف الحرب إلى تحالف المتضررين

عندما بدأت الحرب في أواخر فبراير، بدا أن إدارة ترامب نجحت في جمع طيف من المؤيدين خلفها، المحافظون التقليديون، والصقور الأمنيون، واللوبيات المؤيدة لإسرائيل، ومجمع الصناعات العسكرية الذي يرى في الحروب وسيلةً لتعزيز نفوذه السياسي ومكاسبه الاقتصادية.

لكن الحروب تبدأ عادةً بأحلام المجد وتنتهي بحسابات الواقع.

فمع مرور أكثر من ثلاثة أشهر على حرب لا غالب فيها أو مغلوب، لم يعد النقاش يدور حول ضرورة مواجهة إيران بقدر ما أصبح يدور حول تكلفة استمرار المواجهة وطبيعة المخرج الممكن منها. وهنا بدأت تظهر معارضة من نوع مختلف، معارضة لا تقوم على أيديولوجيا واحدة بقدر ما تقوم على مصالح متضررة ومتقاطعة.

ولم يعد "تحالف المتضررين" هذا مجرد شعار سياسي، بل بات يتجسد في أرقام قاسية تضغط على المواطن الأمريكي يوميًا. فإغلاق مضيق هرمز واضطراب إمدادات الطاقة دفعا بأسعار النفط ملامسةً عتبة 100 دولار للبرميل، مما رفع أسعار الوقود في المحطات الأمريكية بنسبة تجاوزت 40% منذ اندلاع المعارك، مكبِّدًا الأسر الأمريكية ما يزيد على 53 مليار دولار كأعباء إضافية. هذه الصدمة النفطية دفعت بـمعدلات التضخم (PCE) للقفز إلى أعلى مستوى لها منذ ثلاث سنوات لتصل إلى 3.8%، وهو ما انعكس سريعًا على قطاع الزراعة الذي واجه قفزة قياسية في أسعار الأسمدة، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخضروات والفاكهة بنسبة 6%.

هنا يلتقي الليبرالي المعترض على تجاوز صلاحيات الكونجرس الجمهوري القلق من غضب ناخبيه، ويلتقي المزارع الذي تآكلت أرباحه المستهلك الذي يدفع أسعارًا أعلى للوقود والسلع الأساسية. ومع ظهور هذه الكلفة الاقتصادية الباهظة، بدأت بعض القوى التي دفعت نحو التصعيد تبحث بهدوء عن مخرج منه.

مأزق الحرب الطويلة

المشكلة الأعمق أن الحرب فقدت الوعد الذي رافق بدايتها، فواشنطن لم تدخل المواجهة على أساس إدارة حرب استنزاف طويلة مع إيران، بل على أساس رهان أبسط بكثير، أن الضربات العسكرية المكثفة، مصحوبةً بالعقوبات والضغوط الاقتصادية، ستدفع طهران إلى التراجع أو الانهيار أو القبول بتسوية بشروط المنتصر.

كان هذا الوهم الذي روّج له نتنياهو داخل واشنطن لسنوات: إيران أضعف مما تبدو، والنظام أكثر هشاشةً مما يظهر، وما يحتاجه الأمر ليس أكثر من دفعة قوية ليسقط البناء كله. لكن الحروب تملك عادةً قسوةً خاصة تجاه الأوهام، وسرعان ما تكشف حدود الحسابات الخاطئة.

فبعد أكثر من ثلاثة أشهر من القتال، لم تسقط إيران، ولم تُفتح طرق الملاحة، ولم تُفرض تسوية سياسية، ولم تحصل إسرائيل على صورة النصر السريع التي بشّرت بها. وفي المقابل، نجحت طهران في نقل المعركة من تكتيكات الحرب الخاطفة إلى ميدان الاستنزاف الطويل، حيث تتآكل المكاسب تدريجيًا وتزداد الكلفة مع مرور الوقت.

لقد اكتشفت واشنطن مجددًا المعضلة التي واجهتها في العراق وأفغانستان من قبل، فليس مطلوبًا من الخصم الأضعف أن ينتصر، بل يكفيه أن يمنع القوة العظمى من تحقيق نصر واضح. وهكذا تحولت الحرب تدريجيًا من مشروع لإخضاع إيران إلى اختبار لقدرة الولايات المتحدة نفسها على تحمّل حرب لا تنتهي.

الترامبية في مواجهة حربها

ما يمنح تصويت مجلس النواب أهميته ليس عدد الأصوات بحد ذاته، بل ما يكشفه من تغيرات داخل المعسكر الجمهوري، فالانشقاق الذي ظهر بين الجمهوريين، بتصويت أربعة نواب منهم لقرار تقييد سلطات ترامب العسكرية، لا يعكس خلافًا حول إيران فقط، بل يعكس خلافًا أوسع حول طبيعة الدور الأمريكي في العالم.
هناك تيار جمهوري تقليدي ما زال يرى ضرورة مواصلة الضغط العسكري حتى تحقيق أهداف الحرب، وهناك تيار أمني يخشى أن يؤدي الانسحاب إلى إظهار الولايات المتحدة بمظهر العاجز. لكن في المقابل، يزداد حضور تيار ثالث أكثر تأثيرًا داخل قاعدة ترامب السياسية، تيار "أمريكا أولًا" الذي صعد أصلًا على أساس رفض التورط في الحروب الخارجية المكلفة.

وهنا تكمن المفارقة الحقيقية. فالرجل الذي وصل إلى البيت الأبيض بشعار "أمريكا أولًا" يجد نفسه اليوم يقود حربًا يتساءل جزء متزايد من أنصاره إن كانت تخدم المصالح الأمريكية أم المصالح الإسرائيلية. ولم يعد الانقسام داخل المعسكر الجمهوري يدور حول إيران وحدها، بل حول معنى "أمريكا أولًا" نفسه.

فجزء من القاعدة الترامبية لا ينظر إلى الحرب باعتبارها مواجهةً ضرورية لحماية الأمن القومي الأمريكي، بل باعتبارها حربًا فُرضت على واشنطن بفعل حسابات خاطئة لنتنياهو. وكلما طالت الحرب وارتفعت تكلفتها، ازداد هذا السؤال حضورًا داخل المعسكر المحافظ، من يخوض هذه الحرب فعلًا؟ ولصالح من؟

وهذا ما يجعل الأزمة الحالية مختلفةً عن مجرد تراجع في الشعبية أو خلاف حول السياسة الخارجية. فالحرب بدأت تضغط على أحد الأسس الفكرية التي قامت عليها الترامبية نفسها، أي رفض توظيف القوة الأمريكية في صراعات لا يرى أنصارها أنها تحقق منفعةً مباشرة للولايات المتحدة.

فترامب بنى جزءًا كبيرًا من صعوده السياسي على انتقاد الحروب التي خاضتها الإدارات الأمريكية السابقة، وقدّم نفسه باعتباره الرئيس الذي يريد إنهاء مغامرات الشرق الأوسط لا توسيعها. لكن حرب إيران أعادت الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، وأعادت الشرق الأوسط إلى قلب السياسة الأمريكية الداخلية، ووضعت ترامب في مأزق يصعب الخروج منه. فهو لا يستطيع إعلان النصر، ولا يستطيع الاعتراف بالفشل، ولا يملك حتى الآن تسوية سياسية يمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها إنجازًا.

الكونجرس لا يملك القوة... لكنه يملك الرسالة

صحيح أن قرار مجلس النواب لا يوقف الحرب، وصحيح أن ترامب يستطيع استخدام حق النقض (الفيتو) إذا وصل القرار إلى مكتبه، لكن هذا التصويت كشف عن "البراجماتية الانتخابية" التي بدأت تحكم واشنطن مع اقتراب معركة التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر المقبل.

إن التصدع الحقيقي لا يقف عند حدود مجلس النواب، بل يمتد كظلال ثقيلة نحو مجلس الشيوخ. فالقلق الأكبر يلتهم النواب والشيوخ الجمهوريين الذين يمثلون "الولايات المتأرجحة"، كويسكونسن وجورجيا وميشيجان وبنسلفانيا ونيفادا وأريزونا، التي حُسمت لترامب بهوامش ضيقة والمهددة اليوم بالانقلاب لصالح الديمقراطيين بسبب تذمّر الناخبين من التضخم وارتفاع تكلفة المعيشة. هؤلاء المشرعون يدركون أن استمرار الحرب بلا أفق سياسي يعني انتحارًا انتخابيًا لهم في الخريف، ولذا فإن انشقاق بعضهم لم يكن خيارًا أيديولوجيًا، بل خطوةً دفاعية لحماية مقاعدهم وحفظ الأغلبية الجمهورية المهددة بالضياع.

هذا هو المغزى الحقيقي للتصويت، فالكونجرس لا يقول للرئيس إنه فقد سلطته القانونية، بل يرسل له "إنذارًا سياسيًا" مفاده أن الإجماع الذي سمح بإطلاق الحرب قد تآكل، وأن الخريطة الانتخابية لم تعد تحتمل "شيكًا على بياض" لحرب برعاية إسرائيلية. فالحروب الطويلة لا تصبح عبئًا عندما تتعثر عسكريًا فقط، بل عندما تبدأ في تقويض القاعدة السياسية والانتخابية التي سمحت بإطلاقها واستمرارها.

حرب بلا نصر... وانسحاب بلا مخرج

إدارة ترامب لا تملك حتى الآن نصرًا واضحًا يمكن تقديمه للرأي العام، ولا هزيمةً يمكنها قبولها سياسيًا، ولا تسويةً ناضجة تستطيع تسويقها باعتبارها إنجازًا. وفي المقابل، لا تملك إيران القدرة على تحقيق انتصار حاسم، لكنها نجحت في منع خصومها من الوصول إلى انتصار مماثل.

لذلك تبدو الحرب اليوم عالقةً بين خيارين مستحيلين: نصر لا يأتي، وانسحاب لا يمكن الاعتراف به.

فالحروب تبدأ عادةً بخطط الجنرالات، لكنها تنتهي بحسابات السياسيين. وبعد أكثر من ثلاثة أشهر من القتال، تبدو طهران أبعد من أن تُهزم، كما تبدو واشنطن أبعد من أن تنتصر. وبين هذين الحدين العالقين، تتحول الحرب تدريجيًا من أزمة أرادت الولايات المتحدة فرضها على إيران إلى أزمة باتت الولايات المتحدة نفسها مطالبةً بإيجاد مخرج منها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة