بين الإنعاش والوفاة... الحركة المدنية في مواجهة مصيرها

بين مقترحات الإنعاش وسيناريو إعلان الوفاة، تسابق الحركة المدنية الديمقراطية الزمن لتحديد مصيرها، بينما يأتي اجتماع أمانة الشباب الأربعاء الماضي محاولةً لضخ دماء جديدة وتقديم رؤية لإنقاذ الحركة، في الوقت الذي أجّل فيه مجلس الأمناء اجتماعه المصيري إلى الجمعة المقبل، منحًا لمهلة تُهدّئ الأمور التي تفاقمت منذ أزمة بيان قصر رئيس حزب المحافظين أكمل قرطام.

كان إصدار بيان الحركة للتضامن مع قرطام، الذي اتخذت الحكومة إجراءات بهدم قصره في منطقة منيل شيحة باعتباره تعديًا على أرض وزارة الري، هو الشرارة التي فجّرت الخلاف الداخلي، فقد وضع البيان رجل الأعمال ورئيس حزب المحافظين في خانة المظلومية ذاتها التي يشغلها أهالي جزيرة الوراق وجزيرة القرصاية، الذين ناضلوا طويلًا ضد نزع أراضيهم بدعوى المنفعة العامة، وهو ما رآه كثيرون خلطًا غير مقبول بين قضايا ذات طابع مختلف تمامًا.

على أثر ذلك، توالت بيانات الأحزاب الأعضاء للتبرؤ من البيان، حتى أصدر حزب المحافظين نفسه بيانًا شكر فيه الحركة على دعمها لرئيسه، غير أنه أشار إلى أن القضية لا تزال نزاعًا شخصيًا، واعتذر عن وضعها في سياقات أخرى وملفات ارتبطت بمعاناة مواطنين ومجتمعات كاملة في قضايا السكن والإخلاء وإعادة التخطيط والتعويضات وغيرها، وفي أعقاب ذلك، حذفت الصفحة الرسمية للحركة المدنية البيان محل الأزمة، ونشرت آخر توضيحيًا مصحوبًا باعتذار.

غضب المحافظين وانسحاب قرطام

لم تهدأ الأمور عند هذا الحد، إذ تصاعدت الخلافات داخل الحركة، وظهرت تصريحات من قياداتها أنفسهم تشكك في جدوى استمرارها، فضلًا عن غضب قرطام الشخصي من طريقة إدارة الأمور، وأمام هذه الضغوط، قرر حزب المحافظون العودة خطوة للخلف، وأعلن رئيسه انسحابه من مجلس أمناء الحركة.

وفي حين انتشرت في الساعات الأخيرة أنباء عن تجميد الحزب نشاطه في الحركة، أوضح مجدي حمدان، عضو المجلس الرئاسي للحزب، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن "أكمل قرطام أعلن انسحابه من مجلس أمناء الحركة المدنية، لكن موقف الحزب لم يتحدد بعد"، مشيرًا إلى أن الحزب لم يجمد عضويته، وأن طلعت خليل، الأمين العام لحزب المحافظين، فُوِّض لحضور اجتماع مجلس الأمناء المقبل، ليُتخذ القرار النهائي في ضوء نتائجه.

لكن الغضب في حزب المحافظين من تداعيات الأحداث الأخيرة يمتد ليتخطى أزمة قرطام، إذ يقول محمد تركي، عضو الهيئة العليا للحزب، إن "المحافظين طول الوقت يقدم الكثير، ودائمًا يُقابَل بالنكران والأشياء السلبية من بعض الأفراد داخل الحركة المدنية".


اقرأ أيضًا:فتنة قصر قرطام تضرب الحركة المدنية.. تبرؤ وانتقادات وترتيب أوراق | فكر تانى

تصميم: سلمى الطوبجي- فكر تاني

الأمل في جيل الوسط

في خضم هذه الأزمة، سعى بعض أعضاء أمانة الشباب في الحركة إلى تقديم أنفسهم طوقًا للإنقاذ، ويقول حمدي قشطة، عضو أمانة الشباب لـ"فكر تاني"، إننا "نحاول أن نكون أحد الدروع للحفاظ على الحركة المدنية"، معربًا عن أمله في تخطي الأزمة الراهنة. ويُقر قشطة في الوقت ذاته بوجود إخفاقات، قائلًا إن "النتائج منذ تأسيس أمانة الشباب لم تصل لطموحاتنا"، رغم أنه ينأى بنفسه وزملائه عن الأزمة الأخيرة تحديدًا.

ومن بين المقترحات التي طرحها شباب الحركة للخروج من المأزق، يكشف أحمد ماهر ريجو، عضو أمانة الشباب، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن "مجلس الأمناء يصبح دوره استشاريًا، ويُنشأ مكتب تنفيذي" يتولى إدارة العمل الفعلي، في حين يُحصر دور المجلس في فض النزاعات وشرح اللوائح وما يماثلها من مهام. ويعلل ريجو هذا التوجه بأن أعضاء مجلس الأمناء "بعيدون عن الشارع"، وهو ما أفضى بحسب رأيه إلى "افتقاد الحساسية السياسية". آملًا أن يُسهم المكتب التنفيذي الجديد في دفع الشباب وجيل الوسط نحو الصدارة، معتبرًا أن ذلك كفيل بردم الهوة القائمة بين الحركة والشارع.

على أن اجتماع أمانة الشباب لم يُفضِ إلى توافق تام، إذ يكشف ريجو أن ثمة انقسامًا تجلى في "رأي يتجه إلى حل الحركة نهائيًا أو تركها تتحلل بعامل الزمن، ورأي آخر يتجه إلى وضع سياسات وتصورات بديلة وطرحها على مجلس الأمناء"، وقد حُسم الاجتماع في نهاية المطاف لصالح صياغة مقترحات تُرفع للنظر فيها.

اجتماع الحسم

وسط هذا الترقب، قرر مجلس الأمناء إرجاء اجتماعه الذي كان مقررًا له اليوم الجمعة 5 يونيو إلى الجمعة المقبل الموافق 12 منه، وأكد مصدران تحدثا إلى لـ"فكر تاني" أن التأجيل جاء رغبةً في إتاحة الفرصة لتهدئة الأجواء قبل انعقاده. غير أن موقف شباب الحركة، إلى جانب بعض أعضاء مجلس الأمناء ممن تحدثوا للمصدر ذاته، جاء رافضًا لطرح تجميد نشاط الحركة خيارًا أوليًا، قبل استنفاد خيارات التجديد والإصلاح.

وفي هذا السياق، تقول وفاء صبري، رئيسة حزب الدستور، أن "أول فكرة لن تكون تجميد نشاط الحركة، خاصة بعد دورها في قضايا كثيرة"، مشيرةً في تصريحات إلى "فكرة تاني"، إلى أن الاختلافات الأيديولوجية لم تكن يومًا مفاجأة في تشكيل كهذا، إذ إن "الحركة المدنية معروفة أنها مبنية على اختلافات أيديولوجية، الأمر غير مفاجئ". وترى صبري أن التجميد سيكون أشد سلبيةً من الاستمرار رغم الأزمات، معتبرةً أن "المعارضة يُستحسن دائمًا أن تكون متكاتفة".

أما سيد الطوخي، ممثل حزب الكرامة في مجلس أمناء الحركة، فيرى أن التنوع داخل الحركة مصدر قوة لا ضعف، ويسهم في الوصول إلى مخرجات تصب في مصلحة المواطن. ومع ذلك يُقر الطوخي، في تصريحات لـ"فكر تاني"،  بوجود "مشاكل وأزمات مخفية" كشفت عنها الأزمة الأخيرة، ويرى أن المسار المقبل رهين بقدرة الحركة على التطوير وضخ دماء جديدة، قائلًا "سنرى إن كنا نقدر على التطوير وضخ دماء جديدة أم لا، لو لا سنعرف أنها انتهت".

ويُعلّق الطوخي على تصريحات كمال أبو عيطة، القيادي في حزب الكرامة، القائلة بأن الحركة "منتهية الصلاحية"، موضحًا أن "أبو عيطة لا يمثل بالضرورة حزب الكرامة الذي تتباين فيه الآراء، وأنه يمثل نفسه بوصفه قياديًا عماليًا وصاحب عمل سياسي". ويختلف الطوخي مع هذا التقييم، مستندًا إلى ما أنجزته الحركة من ملء للفجوات في مرحلة تفككت فيها الأحزاب وانكفأت النخبة عن الناس، ومستشهدًا بمعيار واضح لقياس انتهاء الصلاحية، إذ يقول إن "الحركة تنتهي صلاحيتها عندما لا تنتبه إليها السلطة مطلقًا، لكن ما يحدث عكس هذا".

وبين غضب قرطام وانسحابه، وانقسام قيادات الحركة حول جدواها، يبقى 12 من يونيو الجاري موعدًا فارقًا تترقبه الأوساط السياسية، ليُحسم فيه السؤال الجوهري، هل تقبل جبهة المعارضة الأبرز شروط الإنقاذ ومقترحات الشباب، أم يُرفع الغطاء رسميًا عن حركة باتت صراعاتها الداخلية تسبق مواقفها السياسية؟

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة