ورقة بحثية| قانون الأحوال الشخصية يكشف المسموح والممنوع في التشريع

خلصت ورقة بحثية جديدة، إلى أن حالة قانون الأحوال الشخصية كشفت درجة من الانفتاح صاحبت مناقشته، غير أن هذا الانفتاح لا يعكس تحولًا عامًا في نمط صناعة التشريع في مصر، بقدر ما يعكس خصوصية هذا الملف تحديدًا.

فالقانون يمثل، بحسب الورقة الصادرة عن "فكّر تاني"، أحد أكثر القوانين حساسيةً، ليس فقط لكونه ينظم العلاقات الأسرية، وإنما لأنه يُعيد تعريف توازنات دقيقة داخل المجتمع بين السلطة الأبوية وحقوق المرأة ومصالح الطفل.

ويرى الباحث محمد سعد، الذي أعد الورقة، أنه على الرغم من أن التجربة التشريعية المصرية في السنوات الأخيرة مررت عددًا من القوانين عبر مسارات محدودة النقاش، فإن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد جاء مختلفًا، إذ فُتحت أمامه مساحات واسعة على المستوى الحزبي والإعلامي والمجتمعي، على نحو يميزه عن كثير من المسارات التشريعية الأخرى.

وانطلقت الورقة، التي حملت عنوان "متى يُسمح بالتعددية التشريعية؟.. قانون الأحوال الشخصية وإدارة المجال التشريعي في مصر"، من مقاربة ترى أن المجال التشريعي في النظم غير التنافسية لا يُدار فقط عبر التحكم في مخرجاته، وإنما أيضًا من خلال التحكم في شروط إنتاجه وحدود التعددية المسموح بها داخله. وفي هذا السياق، لا يُفهم التشريع بوصفه استجابةً قانونية محايدة، بل نتاجًا لتوازنات سياسية واجتماعية. وقد حدد سعد ثلاث فرضيات انطلق منها في بحثه، وهي الانقسام الأفقي، وشرعية الامتثال والتكلفة الاجتماعية، والوظيفة التنظيمية للمجال العام.

على الصعيد التشريعي، يشير الباحث إلى أن مجلس الوزراء وافق في 29 أبريل 2026 على مشروع القانون تمهيدًا لإحالته إلى مجلس النواب، وذلك ضمن حزمة أوسع من مشروعات قوانين الأسرة شملت أيضًا قانون الأسرة للمسيحيين وصندوق دعم الأسرة.

ويتكون المشروع من ست مواد إصدار إلى جانب 355 مادةً موضوعيةً موزعة على ثلاثة أقسام رئيسية، تضم الولاية على النفس، والولاية على المال، وإجراءات التقاضي أمام محاكم الأسرة.

الأسباب والمنهج

سعت الورقة إلى تفسير الأسباب التي جعلت هذا الملف يحظى بدرجة من الانفتاح النسبي والمشاورات الواسعة، التي لا تتوافر بالقدر نفسه في كثير من الملفات التشريعية الأخرى.

واستندت في ذلك إلى أدبيات إدارة المجال العام في النظم غير التنافسية، التي تشير إلى أن السلطة لا تحتكر القرار فحسب، بل تتحكم أيضًا في توقيت فتح النقاش وحدوده ووظائفه. ومن الناحية المنهجية، اعتمدت الورقة على دراسة حالة نوعية لمشروع القانون بوصفه حالةً كاشفة، عبر تتبع مسار إنتاجه التشريعي والفاعلين المشاركين فيه وأنماط التفاعل بينهم وآليات إدارة النقاش المصاحب له.

التوازنات أولًا

تشير الورقة إلى أن عدم عرض المشروع على الأزهر الشريف قبل إحالته إلى مجلس النواب كشف جانبًا مهمًا من هذه التوازنات. فبينما أكدت الحكومة أنها استوفت دورها بإحالة المشروع إلى البرلمان باعتباره صاحب الاختصاص التشريعي الأصيل، شدّد الأزهر على أنه لم يطلع على المشروع بصيغته الحالية ولم يشارك في صياغته، رغم أنه سبق أن قدّم مشروعًا متكاملًا للأحوال الشخصية عام 2019.

شرعيات أخرى

تؤكد الورقة أن المشهد لم ينحصر في ثنائية الحكومة والأزهر، فداخل البرلمان نفسه طُرحت مشروعات وقواعد تصورية مختلفة من قِبل أحزاب متعددة، كما شاركت منظمات نسوية وجمعيات تمثل الآباء غير الحاضنين ومحامون في تقديم رؤى متباينة حول الحضانة والاستضافة والرؤية والنفقة. وحضرت المؤسسات الدينية المسيحية كذلك بصورة مختلفة في مناقشة قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.

وتكشف هذه التعددية عن طبيعة خاصة للتشريعات الاجتماعية المرتبطة بالأسرة. فبينما تعتمد بعض القوانين على الشرعية الإجرائية التي يوفرها البرلمان والأغلبية العددية، تحتاج قوانين الأحوال الشخصية إلى شرعيات إضافية دينية واجتماعية وأخلاقية. وقد أوضح الحراك الحزبي والمؤسسي والحقوقي حول هذا القانون، بحسب الورقة، أن المجال لم يُفتح فقط أمام إبداء الرأي في مشروع حكومي قائم، وإنما امتد ليشمل إنتاج تصورات ومقترحات بديلة تتنافس مع المشروع الحكومي نفسه على تعريف المشكلات التي ينبغي أن يعالجها القانون.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة