دمية لا قرار لها.. كيف تسرق غرفة العمليات حق المرأة في الولادة؟

وجدت رغدة نفسها فجأة في غرفة العمليات، وبينما يحاول الأطباء إخراج جنينها من بطنها المشقوقة إلى نصفين، أقنعت نفسها بأن ما تمر به ليس سوى كابوس سينتهي قريبًا، حتى جاءها صراخ مولودتها دليلًا قاطعًا على أنها ما تزال في الواقع.

رغدة واحدة من آلاف النساء اللواتي يخضعن للولادة القيصرية دون دواعٍ طبية، في مصر التي تتصدر قائمة الدول التي تُجري القيصرية، بنسبة تعدت 70% من إجمالي عمليات الولادة التي تمارس فيها، مما يعني أن ثلاثًا من كل أربع نساء يلدن بالجراحة، وهي نسبة مرتفعة للغاية قياسًا بما حددته منظمة الصحة العالمية، التي تضع معدل الولادات القيصرية المقبول بين 10% و15% من إجمالي الولادات.

وقد دفعت هذه النسب المرتفعة وزارة الصحة إلى اتباع استراتيجيات متعددة، كان آخرها موافقة الوزير خالد عبد الغفار على إجراء الولادة الطبيعية الأولى لكل امرأة مجانًا في مستشفيات القطاع العلاجي بجميع المحافظات، للتشجيع على الولادة الطبيعية باعتبارها الخيار الطبي الأمثل في الحالات غير المعقدة، وهو ما تزامن مع إغلاق الوزارة جناح الإقامة في دار الفؤاد وتوقيف عمليات النساء والتوليد فيه، بسبب مخالفة الدلائل الإرشادية اللازمة لتوثيق ضرورة إجراء القيصرية ومبررات التدخل الجراحي.

قرار في يد الرجل

خلف كل جراحة قيصرية غير ضرورية مبررات ودوافع لا تكون الأم شريكةً فيها في أحيان كثيرة. تقول رغدة حسن لـ"فكر تاني"، "كنت حاملًا في طفلي الأول، وفي آخر أيام الشهر التاسع، حسيت بألم الطلق وعرفته، لأني قضيت وقتًا طويلًا أقرأ وأشوف فيديوهات عن الولادة وأستعد لولادة طبيعية، لأن ماكانش عندي ما يمنع. كنت عارفة إن المخاض هيطول لأنها أول ولادة، وفعلًا حسيت بالطلق وعرفته".

بعد ساعة من بدء الطلق، اتجهت رغدة وزوجها إلى إحدى المستشفيات الخاصة في سموحة بمحافظة الإسكندرية، وبعد ساعتين من الألم وتكرار الفحص، قررت الطبيبة إجراء الجراحة. تتذكر رغدة "قالت إنها مش هتصبر أكتر من كده، وكمان جوزي كان بدأ يزهق". وفي قمة تعبها، كانت ترجوهم أن يصبروا عليها قليلًا، لكن الطبيبة انتهرتها قائلةً "هو أنا مش ورايا غيرك ولا إيه!"، ثم أمهلت الزوج ربع ساعة فقط لاتخاذ قراره، إما الموافقة على القيصرية أو مغادرة المستشفى والبحث عن مكان آخر.

لم تملك رغدة قرارها، فبعد عشر دقائق خرج الزوج من الغرفة، ودخلت ممرضة وضعت شيئًا في الكانيولا، تقول رغدة إنها "اكتشفت بعد كده إنه منوم، وبدون ما حد ياخد رأيي فتحت عيني في غرفة العمليات بعمل القيصرية، رغم إن الممرضة نفسها بلغتني إن الرحم مفتوح أكثر من 5 سنتي وإن عندي استعداد للولادة الطبيعية، لكن هاخد وقت".

لم يكن الزوج وحده المسؤول عن هذا القرار، إذ دفعته إليه الطبيبة بوضوح، لكن في مثل تلك الحالات "غالبًا يتم تسليم الإقرار الخاص بالموافقة على العملية للزوج، نظرًا للحالة الصحية التي تكون فيها بعض السيدات وقتها"، بحسب استشارية نساء وتوليد، أوضحت لـ"فكر تاني"، قائلة "يوقع الزوج باعتباره والد الجنين على الإقرار، وليس هناك قانون يلزم الأطباء بأخذ موافقة المريضة بالتحديد في إجراء الولادة القيصرية".

وتشير استشارية النساء والتوليد، التي فضلت عدم الكشف عن هويتها، إلى أن ميل الأطباء للتوليد القيصري في الحالات غير الضرورية يبرز خصوصًا في الولادات الأولى، لأنها تحتاج إلى وقت طويل في المخاض قد يمتد إلى يوم كامل.

دمية جنسية

لم تكن سارة سعيد، ذات الأربعة والعشرين عامًا، تريد القيصرية، غير أن وجودها في منزل عائلة زوجها بمحافظة سوهاج غيّر مسار حياتها بالكامل. تقول سارة "ماكانش ليا أي رأي في أي حاجة بتحصل، حتى اللي يخصني. كانت حماتي وجوزي بياخدوا القرارات بالنيابة عني".

وحين اقتربت من الشهر الثامن من الحمل، بدأت حماتها تصر على القيصرية. تحكي سارة "كانت خايفة يحصل تغيرات في جسمي تزعج ابنها في المستقبل خلال العلاقة الحميمة، مع إني سألت الدكتورة وقالتلي إن الطب تقدم وبقى في غرز تجميلية بتمحي آثار الولادة الطبيعية والمناطق الحساسة ترجع زي ما كانت، لكن حماتي أقنعت جوزي بوجهة نظرها". حاولت سارة إقناع زوجها، لكنه أجاب "أنا مش هكسر كلمة أمي وهي أدرى بمسائل الستات". وكان موقف أهل سارة في المقابل "جوزك صاحب الشأن، ومدام أتجوزتي هو المسؤول عنك".

لم تمر الولادة وتداعياتها بسهولة. تقول سارة "كانت مضاعفات العملية مؤلمة جدًا واستمر التعب ستة أشهر". وقد أفضى ذلك كله إلى قرار نهائي بعدم الإنجاب مجددًا، رغم المحاولات اليومية لإقناعها والتهديد بالزواج الثاني. غير أن خوفها من القيصرية غلب خوفها من التهديدات.

ورغم شيوع الاعتقاد بأن الولادة الطبيعية تؤدي إلى اتساع دائم في المهبل بحيث لا يعود إلى حالته السابقة، فإن هذا التصور لا يعكس الصورة الطبية بدقة. فبينما قد تعاني بعض النساء من تغيرات في الإحساس أو من درجة متفاوتة من ارتخاء عضلات قاع الحوض بعد الولادة، تشير المعطيات الطبية إلى أن معظم هذه التغيرات تتحسن تدريجيًا مع التعافي بمرور الوقت. كما تسهم تمارين تقوية عضلات قاع الحوض، المعروفة بتمارين كيجل، في استعادة القوة العضلية وتعزيز كفاءة هذه العضلات لدى كثير من الحالات.

وتتوقف نهال عمران، الباحثة في علم الاجتماع، أمام تأثير العادات والتقاليد على القرارات المرتبطة بالصحة الإنجابية للنساء، قائلةً لـ"فكر تاني"، إنهم "يعتبرون المرأة شيئًا يجب أن يكون مملوكًا لأي رجل ينوب عنها في اتخاذ أي قرار". وترى أن حالة سارة نموذج صارخ على حرمان المرأة من حقها في اتخاذ قرار يخص جسدها، مضيفةً أن "البعض يعتقد أن المرأة في العلاقة الزوجية مجرد دمية جنسية، لكن الأصل في الزواج أنه منظومة أسرية وليس عقدًا لامتلاك كائن لتفريغ الشحنات الجنسية".

اللعنة التي تطارد النساء

وصلت علياء محمد إلى الطوارئ تعاني من مغص كلوي شديد، وبعد ساعات من الألم المتواصل خفّ أخيرًا. سألها الطبيب عن الأدوية التي تتناولها، فأخبرته بأنها تتناول كميات كبيرة من المسكنات يوميًا كي تتمكن من رعاية طفلها الرضيع.

تقول علياء "عمري 30 سنة وعندي ثلاثة أطفال، لكن ولادة الطفل الأخير كانت صعبة ومختلفة. كانت أول مرة أجرب القيصرية وماكانش عندي أي فكرة عن المضاعفات، والطبيب ماقالش أي معلومة". كانت تظن أن القيصرية أسهل من الولادة الطبيعية، لكنها توضح "بعد ما فوقت من البنج، حسيت بصداع رهيب ماكنتش متحملاه، ووقتها الأطباء قالوا إنه عرض عادي من أعراض التخدير وبيروح".

غير أن الصداع لم يكن الألم الوحيد، تواصل علياء "بعد مرور 20 يومًا على الولادة حصلي تلوث في جرح القيصرية وتسبب في ارتفاع حرارتي. مشيت على مضاد حيوي والتلوث خفّ بعد أحد عشر يومًا من العلاج، لكن المفاجأة إن الصداع استمر لمدة ستة أشهر". وفي كل مرة كانت تراجع فيها طبيبًا، كان يخبرها أن الصداع عرض مؤقت للتخدير. تقول "لكن ماكانش عايز يختفي، وأخدت مسكنات كتير عشان أقدر أخد بالي من ولادي. ممكن أخلص شريط كامل في يومين، وده اللي تعب كليتي".

أخطاء ومخاطر بالجملة

المضاعفات التي مرت بها علياء ليست استثناءً. يقول الدكتور ممدوح قمورة، استشاري الأمراض الباطنة، إن عيادته تستقبل باستمرار نساءً يعانين من مضاعفات الولادة القيصرية، أبرزها الصداع ومشاكل الكلى الناجمة عن تناول المسكنات بكثافة بعد العملية. ويوضح قمورة أن "القيصرية ليست مجرد نوع من أنواع الولادة، لكنها عملية خطيرة يُستهان بها في مصر"، مؤكدًا أنها كأي تدخل جراحي تنطوي على مخاطر يجب أن يوعي بها الطبيب مريضته.

ويشير قمورة إلى أن احتمالية تلوث الجرح مرتفعة في بعض المستشفيات والعيادات الخاصة، بسبب إهمال بروتوكولات التعقيم، إذ يُجري بعض الأطباء عدة عمليات في اليوم ذاته داخل الغرفة نفسها، وتستلزم عملية التعقيم وقتًا قد يتحاشاه الطبيب لتسريع وتيرة عمله. ولفت أيضًا إلى أخطاء طبية نادرة لكنها خطيرة، قد ترتكبها بعض الأيدي الطبية غير المتمرسة، وقد تصل إلى ربط الحالب بالخطأ مما يؤدي إلى فشل كلوي، أو الإصابة بالشلل النصفي في حال قلة خبرة طبيب التخدير أو وجود تاريخ مرضي للمريضة يجهله طبيب النساء. أما استمرار الصداع بعد الولادة القيصرية فهو عرض شائع يعود إلى حساسية بعض الأجسام للمخدر النصفي.

حق الاختيار

في عام 2023 أعلنت وزارة الصحة عن استراتيجية وطنية للتمريض والقبالة، بهدف تدريب القابلات والدايات المؤهلات على مساعدة الحوامل في الولادة الطبيعية الآمنة، وذلك بعد أن أُدرج تخصص القبالة في مناهج كليات التمريض لأول مرة.

ويبدو التوسع في وجود القابلات مطلبًا تدعمه أطباء النساء. تقول استشارية نساء وتوليد لـ"فكر تاني" إن وجودهن يساعد في توفير وقت الأطباء في ظل قلة أعدادهم قياسًا بحجم الولادات اليومية، وهو نظام تُدرَّب فيه الممرضات على أسس الولادة الطبيعية، ثم يتدخل الطبيب في نهاية المخاض لاستخراج الجنين وخياطة الجرح أو إجراء شق إن استدعت الحالة.

وفي عام 2025، أصدرت وزارة الصحة والسكان حزمة إجراءات تُلزم المنشآت الطبية الخاصة بتقديم تقارير إحصائية شهرية مفصلة، تشمل إجمالي عدد الولادات ونسبة القيصريات وتصنيفها وفق معايير علمية تبين الأسباب الموجبة لها.

غير أن الحلول التي تتبعها الوزارة اعتبرتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية غير كافية، بحسب لبنى درويش، مديرة برنامج حقوق المرأة وقضايا النوع بالمبادرة، التي تقول "فكر تاني" إن خفض معدلات القيصرية يجب أن يقوم على احترام كرامة النساء وحقوقهن، مع تقديم معلومات واضحة وغير مضخمة عن القيصرية والولادة الطبيعية معًا.

وتؤكد لبنى أن التوعية وحدها لا تكفي، إذ ينبغي تحسين خدمات الولادة الطبيعية في المستشفيات الحكومية وضمان الخصوصية وتوفير وسائل فعالة لتخفيف الألم. محذرة من تحويل هدف تقليل القيصريات إلى مجرد خفض للأرقام دون مراعاة الاحتياج الطبي الحقيقي لكل حالة، مؤكدةً أن المطلوب هو تقليل الجراحات غير الضرورية تحديدًا. وترى أن الأزمة الأكبر تتمركز في القطاع الخاص مما يستدعي رقابة صحية أشد صرامة، معربةً في الوقت ذاته عن ترحيبها بخطوات وزارة الصحة الأخيرة ومنها قرار غلق جناح في دار الفؤاد.

أما تقديم الخدمات المجانية فتعتبره لبنى خطوة غير كافية، مؤكدةً أنه "يجب توفير رعاية صحية آدمية وآمنة تحترم النساء وتمنع أي انتهاكات لفظية أو بدنية أثناء الولادة". وتستند في ذلك إلى شهادات نساء رصدت انتهاكات طالت خصوصيتهن وتضمنت تعديًا لفظيًا وجسديًا في بعض الحالات خلال الولادة الطبيعية، مما جعل القيصرية السريعة خيارهن الأمثل فيما بعد.

وتقول الدكتورة كوثر محمود، نقيب عام التمريض وعضو البورد المصري للقبالة، إن وزارة الصحة بدأت فعلًا تنفيذ برامج تدريبية متخصصة للممرضات تمتد ثمانية أشهر قبل تسلمهن العمل داخل المستشفيات الحكومية والخاصة، مع التأكد من اجتيازهن التدريب والتأهيل المطلوبين قبل مباشرة مهامهن.
وأوضحت، في تصريحات لـ"فكر تاني" ، أن المجلس الصحي المصري يعمل حاليًا على إعداد دليل استرشادي للقبالة والتوليد، من المتوقع أن يسهم في تطوير خدمات الولادة خلال الفترة المقبلة، خصوصًا مع اقتراب التحاق عدد من القابلات المدربات بالعمل في مستشفيات القطاعين العام والخاص.

في المقابل، يرى الدكتور محمد أنور، أخصائي أمراض النساء والتوليد، أن نظام القبالة جزء من الحل وليس الحل كاملًا، مؤكدًا أن التوعية بالغة الأهمية للنساء المقبلات على الإنجاب، وأن ذلك يُلقي على عاتق الإعلام دورًا محوريًا في تثقيف النساء وتعريفهن بحقوقهن وزيادة الوعي بمخاطر القيصرية. ويلفت إلى ضرورة "تنبيه المريضة وذويها بأهمية قراءة الإقرار الذي تطلب المستشفى منهم التوقيع عليه قبل إجراء العملية"، مشيرًا إلى أن هذا الإقرار يتضمن المخاطر والمضاعفات المحتملة، من بينها نزيف أولي أو ثانوي، والتصاقات، ومشاكل قد تطرأ في الحمل الثاني كالمشيمة المتقدمة والسفلية.

ورغم أهمية هذه التوصيات، تبقى القراءة المتأنية لورقة توقيع وتنبيه عابر لا تكفي وحدها لإغلاق جرح أعمق مما تصفه أي وثيقة طبية، فمعركة رغدة وسارة وعلياء، وآلاف النساء في مصر، مع الولادات القيصرية غير المبررة معركةٌ متعددة الجبهات، لا تقف عند حدود الممارسات الطبية المتسرعة، ولا تنتهي عند غياب الوعي، إذ تمتد لتتشابك مع موروثات اجتماعية تسلب المرأة حقها الأصيل في اتخاذ القرار بشأن جسدها وصحتها الإنجابية، وتتقاطع في الوقت ذاته مع قدرة الدولة على الرقابة والضبط وتوفير الموارد البشرية والمادية التي تكفل للنساء ولادةً آمنة نفسيًا وجسديًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة