لا يزال الجدل حول نشاط التمويل الاستهلاكي في مصر في تصاعدٍ مستمر، إذ ينقسم المشهد بين فريقين متباينين في الرأي والموقف، فريقٌ يرى أن هذا النمط من التمويل يُشكِّل بوادر فقاعةٍ مديونية قابلة للانفجار في أي وقت، في حين يذهب فريقٌ آخر إلى أن ما يجري ليس سوى "صراعٍ مُصطنع" هدفه تشويه قطاعٍ بات أساسيًا في الحياة اليومية للمصريين.
والتمويل الاستهلاكي، خدماتٌ مالية تُتيح للأفراد شراء منتجاتٍ أو خدمات، ودفع ثمنها على أقساط متفرقة خلال فترةٍ زمنية محددة، عادةً ستة أشهر أو أكثر. وعلى خلاف البطاقات الائتمانية أو القروض المصرفية التقليدية، غالبًا ما يكون هذا النوع من التمويل مرتبطًا بعمليةٍ شرائية بعينها، لا بحسابٍ ائتماني مفتوح.
وعلى الرغم من إصدار البنك المركزي المصري، أخيرًا، تعليماتٍ للبنوك بتشديد الضوابط المنظِّمة لتعاملها مع شركات التمويل غير المصرفي، ومنها شركات التمويل الاستهلاكي، في أعقاب التوسع الكبير الذي شهده هذا النشاط عام 2025، فإن حدة الجدل لا تزال قائمة ولم تُخمَد.
وتمثل البنوك تمثل المصدر الأساسي لتمويل هذه الشركات، إذ تقترض منها لتُعيد إقراض تلك المبالغ للعملاء بفائدةٍ أعلى. وعلى الرغم من ذلك، يُقبل عليها المواطنون بكثافة، لأن شروطها أيسر من شروط البنوك، فضلًا عن أنها تُتيح تقسيط أي سلعة بسهولةٍ ومرونة، بصرف النظر عن سعرها.
وقد ألزمت تعليمات البنك المركزي البنوكَ بالتحقق من حصول شركات التمويل على رقمٍ تعريفي لدى كلٍّ من البنك المركزي وشركة الاستعلام الائتماني "آي سكور"، بما يضمن ظهورها بوصفها جهاتٍ مقرضة ضمن البيان الائتماني المُجمَّع للعملاء، كما ألزمت البنوكَ بالحصول على خطابٍ رسمي من العضو المنتدب لكل شركةٍ ممولة، يتعهد فيه صراحةً بالالتزام بالإفصاح الدوري عن بيانات العملاء لدى "آي سكور"، وتحديث تلك البيانات بانتظام.
كذلك أصدرت الهيئة العامة للرقابة المالية، الجهة المنوط بها الإشراف على التمويل المالي غير المصرفي، قرارًا في فبراير الماضي بإيقاف قبول طلبات التأسيس والموافقات المبدئية للحصول على ترخيصٍ بمزاولة نشاط التمويل الاستهلاكي. وقد استُثنيت من هذا القرار حالةٌ واحدة، منحت فيها الهيئة الترخيصَ لشركة "ملاذ" لمزاولة النشاط، كونها تقدمت بطلبها قبل صدور هذا القرار.
عز العرب يثير الجدل
أشعل فتيلَ هذا الجدل الأخير هشامُ عز العرب، رئيس البنك التجاري الدولي، أكبر بنكٍ خاص في مصر، حين أعرب في مداخلةٍ تليفزيونية عن قلقه البالغ من توسع الأفراد في الاقتراض من القطاع المالي غير المصرفي بدلًا من البنوك، مشيرًا إلى أن ذلك يتم بتكلفة مرتفعة للغاية، مما يُشكِّل، في رأيه، خطرًا حقيقيًا على الدورة الاقتصادية.
جاءت تصريحات عز العرب في توقيتٍ بالغ الدلالة، إذ شهدت الفترة التي سبقتها ارتفاعًا حادًا في عدد المتعاملين بالتمويل الاستهلاكي بلغ نحو 180% خلال تسعة أشهر فقط. ويُعزى هذا الارتفاع المتسارع بصورةٍ رئيسية إلى تراجع القوة الشرائية للمواطنين جراء انخفاض قيمة العملة، وتراجع دخل الطبقة المتوسطة، وارتفاع معدلات الفقر.
وفي معرض تفصيله لمخاطر هذا القطاع، ضرب عز العرب مثلًا بعميلٍ لإحدى الشركات في مدينة بورسعيد، حصل على قرضٍ بقيمة أربعمائة ألف جنيه دون إجراء أي تقييمٍ ائتماني متكامل، إذ اكتفت الشركة بالاعتماد على البطاقة الشخصية ورقم الهاتف وثيقتين فقط قبل صرف القرض، ليتعثر هذا العميل لاحقًا ويقع تحت وطأة ضغوطٍ مالية حادة، انتهت به إلى بيع ممتلكاته لتسوية ديونه.
هجوم وتحذيرات
في أعقاب تصريحات عز العرب مباشرةً، تقدم عددٌ من أعضاء مجلس النواب بطلبات إحاطةٍ عاجلة حول ملف التمويل الاستهلاكي، في مقدمتهم الدكتور محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، الذي كشف أن إحدى أكبر الشركات العاملة في القطاع أعلنت عن معدل تعثرٍ يبلغ 1.24% مع حصةٍ سوقية تصل إلى 26.5%.
وقد أعلنت الرقابة المالية من جهتها أن متوسط التعثر في القطاع لا يتجاوز 3%، غير أن ذلك يُلمح، وفق قراءة فؤاد، إلى أن شرائح أخرى داخل السوق قد تُعاني من معدلات تعثرٍ أعلى بصورة ملحوظة، تتخطى حاجز الـ5%، لا سيما بين الكيانات الأصغر حجمًا والأقل خضوعًا للرصد والمتابعة.
وفي الاتجاه ذاته، تحدث النائب حسام الخشت عن تزايد ظاهرة الغارمين والغارمات في بعض محافظات الصعيد، مُلمِّحًا إلى احتمالية وجود رابطٍ بين أنماط التمويل مرتفع التكلفة وهشاشة الأوضاع الاقتصادية لأكثر الأسر عرضةً للمخاطر.
كما أثار النائب حسن عمار مخاوف جدية من انعكاسات التوسع في هذا القطاع على معدلات الادخار التي تراجعت، وفق تقديره، من 15% إلى نحو 1%، مرجعًا ذلك إلى تنامي ثقافة الاستهلاك بالدين، وإلى التوسع في عمليات "التوريق" التي تنطوي على تحويل الديون إلى أوراقٍ مالية قابلة للتداول، مما قد يُمهِّد، في رأيه، لأزمةٍ مالية وشيكة.
وفي خضم هذا السجال، شهد المشهد فوضى واضحة في الأرقام المتداولة، إذ كان كثيرون يخلطون بين أعداد شركات التمويل الاستهلاكي تحديدًا وأعداد شركات القطاع المالي غير المصرفي بكامله، الذي يضم في نطاقه شركات التأمين والتمويل العقاري والتأجير التمويلي. فقد أورد النائب حسن عمار ذاته أرقامًا تشير إلى أن حجم التمويل الممنوح بلغ 1.4 تريليون جنيه لصالح ما يقارب 64 مليون عميل عبر 2532 شركة، وهي أرقام تشمل في واقع الأمر جميع أنشطة القطاع المالي غير المصرفي، بحسب إيهاب سعيد، محلل أسواق المال، الذي تحدث لـ"فكر تاني"، موضحًا أن الرقم يُمثل إجمالي التمويل المتاح لجميع الأنشطة المالية غير المصرفية مجتمعةً، وليس للتمويل الاستهلاكي بمفرده، علمًا بأن سوق رأس المال وحدها تستحوذ على أكثر من 700 مليار جنيه عبر إصدارات الأسهم وتأسيس الشركات، أي ما يُعادل نصف هذا الرقم تقريبًا.
ووفقًا لسعيد، بلغ حجم التمويل الاستهلاكي في نهاية عام 2025، 96 مليار جنيه فقط، فإن أُضيف إليها التمويل متناهي الصغر البالغ هو الآخر 96 مليار جنيه، فإن المجموع لن يتخطى 192 مليار جنيه، أما بقية القطاع، فيتوزع ما بين 150 مليار جنيه للتأجير التمويلي للشركات والمصانع، و50 مليارًا للتخصيم، و25 مليارًا للتمويل العقاري.
وعلى الصعيد ذاته، أوضح سعيد أن العدد الحقيقي لشركات التمويل الاستهلاكي لا يتجاوز 48 شركة، إلى جانب 12 مؤسسة ومتجرًا مُرخَّصًا لتقديم الخدمة، وهو رقمٌ مغاير تمامًا لرقم 2532 شركة الذي يُردده بعض منتقدي القطاع، ويحيل في الحقيقة إلى مجموع شركات القطاع المالي غير المصرفي كله الخاضع لإشراف الرقابة المالية
أما قطاع التمويل متناهي الصغر تحديدًا، فلا يضم سوى 23 شركة، يُضاف إليها عددٌ من الجمعيات التي تقلَّص تعدادها إلى النصف، بعد أن شطبت الرقابة المالية نحو 500 جمعية لعدم التزامها بالضوابط المقررة. وفيما يخص عدد المتعاملين في هذا القطاع، أوضح سعيد أنه لا يتخطى 11 مليون مواطن، وليس 64 مليونًا كما كان يُتداول، مما يكشف حجم الفجوة الهائلة بين الأرقام الحقيقية وتلك المتداولة في النقاش العام.
قضية اجتماعية
في مواجهة هذه الموجة من الانتقادات، يرى الدكتور أحمد العطيفي، خبير أسواق المال، أن مخاطر التمويل الاستهلاكي ليست وليدة اليوم، وأن جذورها تمتد إلى ما قبل ظهور الشركات المتخصصة في هذا النشاط، وإن بأسلوبٍ مختلف. فقد كانت محلات الأجهزة المنزلية تُتيح الشراء بمقدمٍ رمزي على أن يُسدَّد الباقي بشيكاتٍ بلا رصيد، لتنتهي الأسر المتعثرة في نهاية المطاف خلف قضبان السجون.
ويُحذِّر كثيرٌ من منتقدي التمويل الاستهلاكي من نشوء موجةٍ جديدة من ظاهرة الغارمات، مطالبين بتوعية الأسر بمخاطرٍ باتت تهدد استقرار المجتمع في ظل الضغوط التضخمية المتواصلة، وذلك على الرغم من تأكيد الرقابة المالية أن معدل التعثر في القطاع لا يتجاوز 3%.
ويذهب العطيفي، في تصريحات إلى "فكر تاني"، إلى أن معالجة هذه الإشكالية تستلزم في المقام الأول دراسةً اجتماعية معمقة، تسبق أي معالجةٍ اقتصادية أو قانونية، وذلك بتعديل سلوك المجتمع في الشراء بالتقسيط، ومراجعة قواعد التمويل لتضييق شروط الحصول على الائتمان وعدم فتحه على مصراعيه أمام الجميع دون قيود.
وعلى الخط ذاته، يتطرق النائب تامر عبد الحميد، عضو لجنة الشؤون المالية والاقتصادية والاستثمار بمجلس الشيوخ، إلى التشخيص نفسه، إذ يرى أن شركات "التقسيط" توسعت توسعًا كبيرًا لأنها قدمت تسهيلاتٍ جاذبة بنظام "الشراء الآن، والدفع لاحقًا" لشرائح مجتمعيةٍ واسعة لا تتعامل مع البنوك ولا تمتلك ودائع تُمكِّنها من الحصول على بطاقاتٍ ائتمانية.
وأضاف عبد الحميد، في منشور عبر صفحته على فيسبوك، أن النمو المتسارع في حجم هذه التمويلات يرتبط ارتباطًا عضويًا بارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية، مما دفع المواطنين إلى اللجوء للتقسيط لتلبية احتياجاتهم الأساسية، وهو ما يعني أن هذه التمويلات لا يمكن وصفها بالكامل بأنها ترفيهية. فضلًا عن ذلك، أسهم ضخ هذه المليارات في إحداث حراكٍ اقتصادي حقيقي، استفادت منه حركة التجارة والصناعة المحلية واقتصادٌ يعتمد بدرجةٍ كبيرة على الاستهلاك ركيزةً لتحقيق النمو.
وتقول الرقابة المالية إنها تُمارس رقابةً صارمة على هذه الشركات عبر إلزامها كافةً بتطبيق المعايير الدولية "بازل 3" في حساب معيار كفاية رأس المال، ومواجهة المخاطر والرافعة المالية ومعايير السيولة ونسب التركز الفردي والقطاعي.
غير أن عبد الحميد يُقر بأن تجربة التمويل الاستهلاكي لا تزال حديثة العهد في السوق المصرية، وتحتاج إلى ضوابط صارمة لأسبابٍ جوهرية، فالتسهيلات المُغرية كثيرًا ما تصاحبها فوائد مرتفعة لا تُكشف للعميل بصورةٍ صريحة وشفافة، مما يجعل قرار الشراء متسرعًا في الغالب، ودون حسابٍ كافٍ للمخاطر المستقبلية التي قد تنعكس على العميل، حسب قوله.
أزمة لا تستدعي كل هذا الجدل
ومما يُقلق كلًّا من العطيفي وعبد الحميد ظاهرةٌ أخرى لا تقل خطورةً تُعرف بـ"تسييل التمويل"، وهي ثغرةٌ يلجأ فيها العميل إلى شراء سلعةٍ بالتقسيط بنية إعادة بيعها فورًا نقدًا، للحصول على سيولةٍ سريعة لا لشراء السلعة في حد ذاتها. ويُلاحظ العطيفي أن نحو 50% من قضايا الشيكات وقضايا الأموال مردُّها إلى التعثر في سداد شيكاتٍ صدرت لشراء أجهزة أو لتسوية مستحقاتٍ لشركات التمويل. أما عبد الحميد فيرى أن المجتمع لا ينبغي له الانتظار حتى تقع الأزمة وتتحول الديون إلى "عنابر مسجونين" أو جيلٍ جديد من الغارمات.
في المقابل، يرى المدافعون عن التمويل الاستهلاكي أن الجدل الدائر لا أساس موضوعيًا له، وأن تأثير هذا النشاط على معدل الادخار الوطني ضعيفٌ أو منعدمٌ من الأساس. ذلك أن معدلات الادخار ترتفع أصلًا من فائض موازنات الدولة، وهو فائضٌ غير متحقق في الوقت الراهن، ثم من أرباح القطاع الخاص غير المستثمرة، وأخيرًا من مدخرات الأفراد الذين أتى التضخم على معظم دخولهم، حتى باتت تكاد تكفي لتلبية احتياجاتهم الأساسية فحسب.
ويستند هؤلاء إلى بنية الحوكمة القائمة، مؤكدين أن الرقابة المالية في مصر الجهة المسؤولة عن قطاع التمويل غير المصرفي، ويتمثَّل فيها البنك المركزي المصري بعضوين في مجلس إدارتها، في مقدمتهما الدكتور إسلام عزام، رئيس الرقابة المالية، الذي يشغل عضوية لجنة الاستثمار وأسواق رأس المال المعنية بدراسة آليات العمل والسياسات الاستثمارية لصناديق استثمار الابتكار وريادة الأعمال.
ويقول الدكتور ياسر حسان، خبير الاقتصاد وإدارة الأعمال وأمين صندوق حزب الوفد، إن أكبر أربع شركات تمويل في مصر تستحوذ مجتمعةً على نحو 75% من حجم السوق، وهي شركاتٌ ضخمة تفوق في حجمها بعض البنوك، أو هي في الأصل مملوكةٌ لبنوك، بل إن بعضها نجح وحمل تجربته إلى خارج حدود مصر.
فشركة "كونتكت" توسعت في القارة الأفريقية، وقد أسهم البنك التجاري الدولي نفسه في انطلاقتها، وشركة "فاليو" مملوكةٌ لمجموعة "إي إف جي هيرميس" العملاقة، وتتوسع حاليًا في الأردن وباكستان، أما شركة "سهولة" فمملوكةٌ لبنك مصر، وثمة شركاتٌ أخرى في القطاع مملوكةٌ لبنك الاستثمار القومي وعددٍ كبير من البنوك والشركات الاستثمارية الكبرى.
ويُذكِّر حسان، في تصريحاته لـ"فكر تاني"، بأن حجم الودائع التي تديرها البنوك المصرية الـ36 مجتمعةً بلغ نحو 15.9 تريليون جنيه، في مقابل 417 مليار جنيه فقط تُمثِّل إجمالي محافظ التمويل الاستهلاكي بنهاية عام 2025. وبالتالي، فإن "الفقاعة" التي يُردِّدها المنتقدون لا تتعلق سوى بنحو 3% من حجم ودائع البنوك، مع نسب تعثرٍ لا تتجاوز 3% من تلك الـ3% التي يمثلها التمويل الاستهلاكي أصلًا من إجمالي ودائع المصريين لدى البنوك التجارية، وهو ما يجعل الحديث عن فقاعةٍ مديونية وشيكة الانفجار، وفق حسان، أبعد ما يكون عن الدقة والموضوعية.