قبل ستة أشهر، وجدت هبة سمير نفسها مضطرة إلى البوح بتفاصيل بالغة الخصوصية من حياتها، أمام لجنة لا تعرف عن أعضائها شيئًا، سوى أنهم متخصصون في حل النزاعات الأسرية بإحدى كنائس الأرثوذكس في منطقة شبرا، حيث تقيم.
وبعد جلسة امتدت قرابة ثلاث ساعات، تلقّت هبة، المعلمة البالغة من العمر 39 عامًا، التي تُربّي ابنًا وابنة، تقييمًا صادمًا من اللجنة، خلاصته أنها "شخصية مغرورة وتحتاج للعلاج لتسيطر على نزعتها الأنانية".
حضرت هبة أمام تلك اللجنة تملك سببًا وجيهًا، فهي تعاني منذ زواجها قبل 11 عامًا مما تصفه بـ"نرجسية" زوجها وتعمّده إهانتها أمام أبنائها، وتقليله من شأنها ومن أسلوب تفكيرها في كل المواقف، فضلًا عن مزاجه السيئ الدائم، والضرب البدني في بعض الأحيان، غير أن اللجنة لم تُبدِ أي تعاطف مع معاناتها، إذ ردّت عليها إحدى عضواتها السبع، ومنهم خبير قانوني واستشارية علاقات زوجية وآخرون من المختصين بالنزاعات الأسرية في الكنيسة، بعبارة كاشفة حين طلبت هبة فتح ملف الطلاق لدى المجلس الإكليريكي، إذ قالت "كلنا كستات بنستحمل العنف، ونروض رجالتنا العنيفة، بنعلمهم مش بنتطلق منهم عشان ولادنا واستقرار البيت، وحتى جسمك مفيهوش عاهة أو أثار تشويه ظاهرة".
وما واجهته هبة من الكنيسة لا يختلف كثيرًا عمّا يكرّسه مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين الذي أعلنت عنه الحكومة، رغم وصف الكثيرين له بـ"الخطوة غير المسبوقة" كونه الأول من نوعه للمواطنين المسيحيين في مصر. فوفق هذا المشروع، لا يُعدّ العنف مبررًا للانفصال بين الزوجين ما لم يكن جسيمًا أو مقترنًا بخطر على الحياة.
وتنص المادة 39، من المشروع الجديد على أن دعوى البطلان لا تُقبل بعد انقضاء ستة أشهر من وقت علم رافعها اليقيني بسبب البطلان، "ما لم يكن الأمر قد تطور إلى الإيذاء الجسيم وخطورة العيشة المشتركة"، وهو واحدة ضمن مواد أخرى تتجاهل أشكال العنف المختلفة داخل الأسرة المسيحية، وتثير قلقًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والنسوية، إذ رأى كثيرون فيها فتحًا للباب أمام التطبيع مع الأذى والانتهاك داخل العلاقات الأسرية، على حساب حق الإنسان في الأمان والحياة الخالية من العنف. ولذلك طالبت مؤسسة المرأة الجديدة بإقرار قانون عادل وموحّد للأحوال الشخصية يضمن المساواة الكاملة بين جميع المصريين بعيدًا عن أي تمييز ديني، وباعتبار العنف الأسري جريمة تستوجب الحماية والمساءلة القانونية، لا أمرًا يمكن التسامح معه أو التعايش بموجبه داخل الأسرة.
تصريح الزواج المستحيل
لا تقتصر هذه المعاناة على النساء وحدهن، فثمة رجال أيضًا يجدون أنفسهم أسرى علاقات زوجية تسبّب لهم أزمات وضغوطًا نفسية حادة، دون أن يتمكنوا من الحصول على تصريح بالزواج الثاني.
ويروي عادل مكرم، البالغ من العمر 41 عامًا، أن حياته الزوجية تحوّلت منذ أيامها الأولى إلى سلسلة ممتدة من الأزمات النفسية والاجتماعية، إذ بدأت الخلافات مبكرًا على خلفية تدخلات عائلية حادة.
ويوضح عادل، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن ما تعرّض له لم يكن مجرد خلافات عابرة، إذ يصفه بأنه نمط متكرر من الإيذاء النفسي والإهانة المعنوية، تمثّل في السخرية المستمرة منه وتقليل رجولته، ومعايرته بتفاصيل شخصية وحساسة منذ بداية الزواج.
والمفارقة أن مشروع القانون لا يُقرّ بوجود العنف النفسي والمعنوي داخل الأسرة، ويعتبر عادل أنه بصيغته الحالية يُفاقم المشكلة برفضه الانفصال عن حياة مستحيلة بحجة اشتراط الإيذاء الجسيم، متسائلًا "إزاي هثبت كل أشكال العنف اللي اتعرضت لها وضيعت عليها سنين من عمري قدام الكنيسة عشان يوافقوا أحصل على تصريح للجواز مرة أخرى؟"
اقرأ أيضًا: قانون الأسرة المسيحية.. هل تتوسع سلطة الكنيسة على حساب الحقوق المدنية؟ | فكر تانى

تلتقي قصة هبة بقصة عادل في نقطة جوهرية، فكلاهما حصل على طلاق مدني وخلع بعد الحصول على شهادة تغيير الملة، غير أن هذه الشهادة رُفضت كسبب لإنهاء الزواج وفق مشروع القانون الجديد، وكلاهما يواجه استحالة الحصول على تصريح بالزواج الثاني.
تقول هبة، لـ"فكر تاني"، "معنديش أي أمل أتجوز تاني، وكده كده إحنا في عرف الكنيسة لا نستحق الطلاق من الأساس عشان نستحق الجواز". ويعبّر عادل عن موقفه بجملة لا تخلو من يأس "حياتي متوقفة بالكامل وفقدت الأمل في عيش حياة طبيعية زي الناس".
العنف المُباح في المشروع الجديد
ترى المحامية فيروز الصافي أن الشريعة المسيحية، كما تُطبَّق حاليًا في قضايا الأحوال الشخصية، لا تعترف بالعنف النفسي والأذى المعنوي الناجمَين عن العلاقة الزوجية، رغم أن هذا النوع من الضرر قد يكون في كثير من الأحيان أشد وطأة وأعمق أثرًا من الإيذاء الجسدي نفسه.
وتصف النصوص الحالية لمشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين بأنها مجحفة بحق المرأة والرجل على السواء، حين تربط دعاوى البطلان أو التفريق بوجود إيذاء جسيم أو ببلوغ العلاقة مرحلة الخطورة. وتتساءل فيروز، في تصريحات لـ"فكر تاني"، قائلة "هل مطلوب من الإنسان ينتظر حتى يتحطم نفسيًا بالكامل أو يصبح مهددًا بصورة مباشرة كي يُسمح له بالنجاة من علاقة مؤذية؟ وأين موقع الإهانة المستمرة؟ وأين الاعتراف بالقهر والعنف المعنوي والتلاعب النفسي والإذلال وتدمير الروح بالبطيء؟"
وتنتقد فيروز تقييد الاعتراف بالضرر بمدة زمنية محددة، معتبرةً أن الألم النفسي لا يمكن اختزاله في موعد بعينه، خاصة أن "كثيرًا من الأشخاص لا يدركون حجم الأذى الذي يعيشونه منذ البداية إلا بعد سنوات من المعاناة والانهيار التدريجي"، وتُضيف أن آثار العنف النفسي لا تقتصر على الطرف المتضرر، بل تمتد إلى الأسرة بأسرها، وتترك انعكاسات نفسية واجتماعية وسلوكية عميقة على الأطفال قد تستمر لسنوات طويلة. ومن ثمّ تخلص إلى أن "حصر إنهاء العلاقة الزوجية في حالات الإيذاء الجسدي العنيف فقط يُرسّخ لفكرة خطيرة مفادها أن ما دون الضرب أو الخطر الجسيم لا يستحق الحماية القانونية، رغم أن النفوس قد تُقتل بصمت قبل الأجساد بكثير".
ومن خلال متابعتها لعدد كبير من القضايا الأسرية، تكشف فيروز عن وجود علاقات زوجية تتحول إلى نمط ممنهج لكسر النفس والعقاب المتعمد، عبر الإهانة أو الحرمان من الحقوق المادية أو توظيف الإهمال والتلاعب النفسي أداةً للسيطرة والتعذيب، وترى أن "هذا النوع من الممارسات يمثل تدميرًا حقيقيًا للاستقرار النفسي والأسري، ولا يمكن بحال من الأحوال اعتباره مجرد خلافات عابرة نرفع عنها الغطاء أو الحماية القانونية".
كيف تتحمل النساء ثمن العنف؟
شعرة فاصلة بين العنف الجسيم وغيره قد تكون ثمنها حياة كاملة تدفعها امرأة لم تجد مخرجًا من حياة مستحيلة، وتتجلى هذه الحقيقة في مأساة منال نجيب التي قتلها زوجها بعد تعريضها لتعذيب مروّع، فقط لأنها طلبت الانفصال عنه بعد 20 عامًا من الإهانة والتعنيف. وما لم تقله تفاصيل تلك الجريمة التي وقعت في مايو من العام الماضي، أن كثيرًا من النساء المسيحيات يتحمّلن وطأة العنف بأشكاله المتعددة، مدفوعات بالخوف من الوصمة الاجتماعية أو التزامًا بتفسيرات دينية تعتبر الطلاق مشروعًا في حالتَي الزنا أو تغيير الدين فحسب، وهي الفكرة ذاتها التي يرى فيها المدافعون عن حقوق الإنسان صدى واضحًا في مشروع القانون الجديد.
وتروي سارة، وهو اسم مستعار، جانبًا من هذه المعاناة، قائلة إنها تتعرض منذ 9 سنوات لعنف متكرر من زوجها، وصل في بعض المرات إلى ارتطام رأسها بالحائط بصورة أثّرت على ذاكرتها وقدرتها على استحضار التفاصيل اليومية. أما عن مساعيها للانفصال، فتقول لـ"فكر تاني"، إن الطريق كان بقسوة العنف نفسه، فبعض رجال الدين الذين لجأت إليهم طلبوا منها التحمل والصلاة من أجل زوجها، في حين أخبرها أحدهم أن رفضها تحمّل الألم يشبه رفض المنحة التي وهبها إياها الله، على حدّ قوله.
وأُعيدت إلى منزل الزوجية أكثر من مرة بعدما قيل لها إن أحدًا لا يملك منحها حق الطلاق، أو السماح لها بإنهاء هذه العلاقة مهما بلغت درجة الأذى الذي تتعرض له.
وتذهب آية منير، مؤسسة مبادرة سوبر وومن، إلى زاوية أخرى في تفنيد صورة العنف التي يرسمها مشروع القانون، معتبرةً أن ربط الانفصال باشتراط العنف الجسيم يعني نقل الخلافات من محاكم الأسرة إلى ساحات محاكم الجنح والجنايات، وكأن القانون لا يلتفت إلى معاناة الزوجين إلا حين يبلغ العنف أقصى درجاته.
وترى آية أن هذا التصور يدفع العلاقات الزوجية نحو مناطق أشد خطورة، إذ يبدو وكأن الدولة تترك الخلافات الأسرية اليومية تتفاقم حتى تبلغ التشويه أو العجز أو الجريمة الواضحة، قبل أن تعدّها جديرة بالتدخل أو الحماية القانونية. وتتساءل، قائلة "المشكلة تمتد إلى فكرة تقدير جسامة العنف نفسها، فمن من حقه تحديد حجم الضرر وخطورته؟ وهل إذا شعرت امرأة أن ما تتعرض له يمثل عنفًا جسيمًا بينما اعتبره آخرون أمرًا عاديًا، يصبح رأي المتضررة نفسها بلا قيمة؟"
اقرأ أيضًا: فوضى انتقالية.. أثر قانون الأسرة الجديد على مئات الآلاف من قضايا الأحوال الشخصية | فكر تانى

وتستعيد مؤسسة مبادرة سوبر وومن جملة شائعة تعرفها جيدًا من الجلسات العرفية في الريف "اضرب بس ماتعورش"، باعتبارها نموذجًا لثقافة اجتماعية تبرّر العنف ما دام لا يترك أثرًا جسديًا ظاهرًا. وترى بالغ الخطورة أن هذه العقلية تبدو وكأنها تشقّ طريقها إلى النصوص القانونية ذاتها، حتى يصبح إيذاء الزوجة نفسيًا أو بدنيًا دون إصابة جسيمة أمرًا لا يستحق الانتباه أو الحماية الكافية.
وعلى صعيد آخر، تتساءل آية عن المنطق الكامن وراء تحديد مدة الإبلاغ عن الخداع أو إخفاء المعلومات في الزواج بستة أشهر فقط، قائلة "هل للخداع تاريخ صلاحية؟ وهل يصبح الفعل خداعًا إذا اكتُشف خلال ستة أشهر فقط، بينما يفقد صفته إذا عرفه الطرف المتضرر بعد سبعة أشهر؟" معتبرة أن هذه النصوص تُعامل الزواج كأنه عقد استهلاكي له مدة صلاحية، لا شراكة إنسانية قائمة على الصراحة والاحترام وحرية كل طرف في رفض الاستمرار حين يكتشف أن علاقته بُنيت على الخداع أو إخفاء المعلومات أو انعدام الأمان النفسي.
اقتراحات بديلة وحدود العنف
في محاولة للخروج من فخ هذه المادة وسواها من المواد الجدلية في مشروع قانون الأسرة للمسيحيين، قدّمت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية اقتراحات بديلة عن الصياغة الراهنة.
وفي ورقة تفصيلية بعنوان "أهلية منقوصة.. حول أول قانون لتنظيم الأحوال الشخصية للمسيحيين"، علّقت المبادرة على المادة الخاصة ببطلان الزواج، بأن اشتراط أخذ رأي الرئاسة الدينية حين يتوافر مانع من موانع الزواج يمكن تجاوزه بموافقة الطرف الآخر كتابة، فيه تدخل غير مبرر في الاختيارات الشخصية للمقبلين على الزواج، مشيرة إلى أن موافقة الطرف الآخر كتابةً ينبغي أن تكون كافية دون الحاجة إلى إلزام الطرفين قانونًا بالرجوع إلى الرئاسة الدينية في هذه الحالات.
كما رأت المبادرة أنه كان ينبغي للقانون أن يُتيح الدفع ببطلان الزواج حتى مع الموافقة الكتابية المسبقة من أحد الطرفين مع علمه بوجود أحد الموانع، دون ربط ذلك بارتكاب إيذاء جسيم، مضيفةً أن "الربط القائم يضع القانون وضع المخاطرة بوصول أحد طرفي الزواج أو كليهما إلى حد التعرض للإيذاء كي يكسبا الحق في الدفع ببطلان زواجهما".
وفي السياق ذاته، تشير المبادرة إلى اعتبار مهم يتعلق بالقدرة الجنسية التي لا تُختبر في مجتمعاتنا المحافظة إلا بعد الزواج، مما يجعل منح الزوجين الحق في طلب البطلان في هذه الحالة أمرًا ضروريًا، لأن "الطرف الذي وافق كتابةً على الزواج في وجود هذا السبب لا يمكن له أن يكون على دراية كاملة بمدى تأثير ذلك عليه إلا باختباره فعليًا".
وتُنبّه المبادرة إلى خطورة أخرى تتضمنها المادة ذاتها، تتمثل في اعتبار عدم بكارة الزوجة سببًا من أسباب الغش المبطلة للزواج، ولفتت إلى أن هذا البند يضع النساء في موقف هش، إذ يفتح بابًا للتساؤل عن كيفية إثبات البكارة أمام المحكمة في مجتمع يُثقل كاهل النساء دائمًا بإثبات شرفهن، ويربط هذا الشرف باستمرار بالبكارة.
وتتساءل المبادرة عما إذا كان ذلك سيضطر النساء إلى الخضوع لكشوف عذرية لإثبات ما يزعم ضدهن، في حين تؤكد منظمة الصحة العالمية وفق الأدلة العلمية أنه لا توجد أي طريقة يمكنها إثبات بكارة المرأة بشكل جازم بصرف النظر عن وجود غشاء البكارة أو غيابه، فضلًا عن كون كشوف العذرية القسرية ذاتها انتهاكًا صريحًا لحقوق الإنسان.
وبناءً على ذلك، طالبت المبادرة بصياغة بديلة لهذه المادة تقوم على ثلاثة محاور، أولها حذف إلزام المقبلين على الزواج بأخذ رأي الرئاسة الدينية حين يتوافر مانع مما يجوز الزواج في وجوده، والاكتفاء بموافقة الطرف الآخر كتابةً. وثانيها السماح بمدة ستة أشهر للدفع ببطلان الزواج حتى مع سبق موافقة أحد الطرفين وعلمه بوجود المانع، دون تقييد ذلك بتحقق إيذاء جسيم تترتب عليه خطورة في المعيشة المشتركة. وثالثها حذف عدم تحقق البكارة من بين أسباب الغش المبطلة للزواج، تأسيسًا على ما تقدّم من حجج حقوقية وعلمية.
وحتى يحين ذلك، ستبقى هبة تنتظر الحصول على إذن الزواج الثاني، وحياة عادل "متوقفة بالكامل"، بينما تبحث سارة عن أثر للعنف لا تستطيع إثباته أمام أحد. أما منال نجيب فلم تعد تنتظر شيئًا، لأن ما رفض القانون الاعتراف به عنفًا جسيمًا كافيًا قد أودى بحياتها.