مع اقتراب عيد الأضحى، يتسلل إلى بيت مروة القلق لا الفرحة، فبين ارتفاع أسعار اللحوم إلى نحو 450 جنيهًا للكيلو، والدخل غير الثابت لزوجها الذي يعمل بنظام اليومية، تجد الأسرة، المكونة من ستة أفراد، نفسها أمام واقع معيشي ضاغط يفرض حسابات دقيقة لكل جنيه يُنفق.
تقول مروة لـ"فكر تاني"، إن بداية كل شهر تعني قائمة طويلة من الالتزامات التي لا تقبل التأجيل، من إيجار وأقساط واحتياجات أساسية للطعام والشراب، بينما لا يكفي الدخل المتاح سوى تغطية الحد الأدنى من المعيشة "500 جنيه يومية بناكل ونشرب منها، ده غير الإيجار والأقساط وباقي الالتزامات والمفروض نشتري لحمة للأولاد"، لافتةً إلى أنه في ظل الظروف الحالية، يصبح شراء اللحوم في العيد ترفًا، بعد أن كان جزءًا أساسيًا من استعدادات الأسرة.
كيلو لحم "إن أمكن"
لا تقتصر معاناة الأسعار على الأسر وحدها، وإنما يعاني منها كذلك التجار وأصحاب الأضاحي. يقول تامر محمد، وهو مهندس زراعي وتاجر مواشي، إن ارتفاع أسعار الأعلاف وزيادة التكاليف بشكل عام من أبرز أسباب صعود أسعار الأضاحي خلال الفترة الأخيرة، مشيرًا إلى أن سعر الكيلو القائم من الضأن أو العجل كان يتراوح سابقًا بين 110 و120 جنيهًا، بينما وصل اليوم إلى نحو 210 جنيهات، أي ما يقارب الضعف.
ويضيف في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن كثيرين لم يعودوا قادرين على شراء أضحية كاملة، إذ لجأ بعضهم إلى الاشتراك في نصف أضحية، فيما اضطر آخرون إلى الاكتفاء بربع أضحية بالاشتراك مع أكثر من شخص، لافتًا إلى أن أسعار الأضاحي شهدت قفزة كبيرة، موضحًا أن العجل الذي كان يُباع عام 2020 بنحو 20 إلى 25 ألف جنيه، ارتفع سعره حاليًا إلى 100 إلى 125 ألف جنيه.
ويشير تاجر المواشي إلى أن المشاركة في الأضحية باتت تصل في بعض الحالات إلى ستة أو سبعة. وبيّن أن هذا التغير جاء نتيجة الغلاء، إذ أصبح بعض من كان يشارك بربع أضحية يكتفي اليوم بنصف الربع، في حين امتنع كثيرون عن الذبح بالكامل.
ويوضح الرسم البياني التالي الارتفاع الحاد في أسعار اللحوم بمختلف أنواعها في مصر بين عامي 2015 و2025، حيث تضاعفت الأسعار عدة مرات خلال عقد واحد، مع تسجيل أعلى قفزة في السنوات الأخيرة.
فخلال عشر سنوات ارتفعت أسعار اللحوم البلدية من 82 جنيهًا للكيلو عام 2015 إلى 416 جنيهًا العام الماضي، ووصلت في العيد الحالي إلى 450 جنيهًا للكيلو، وارتفعت اللحوم المستوردة من 39 جنيهًا للكيلو في يناير 2015 إلى 271 جنيهًا في عيد الأضحى الماضي، و300 جنيه العام الحالي، حسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
وتستعيد مروة ذكريات بداية زواجها قبل نحو 15 عامًا، حين كانت تستطيع شراء عدة كيلوجرامات من اللحوم دفعة واحدة وتخزينها لاستخدامها شهرًا على الأقل بعد العيد، بينما اليوم لم يعد بالإمكان سوى شراء كميات محدودة لا تتجاوز 2 كيلو خلال العيد، إن أمكن.
نظام الأسهم لا يسد "الفجوة"
ومع الارتفاع المستمر في الأسعار، لم تعد اللحوم وحدها العبء، إذ تشير مروة إلى أن حتى الفراخ ارتفع سعرها ليصل إلى نحو 110 جنيهات للكيلو، مضيفة "كل حاجة بقت غالية والناس مضطرة تشتري".
ويوضح حسين صدام، نقيب الفلاحين، أن أسعار الأضاحي هذا العام مستقرة ولا تختلف كثيرًا عن العام الماضي، حيث يتراوح سعر الكيلو القائم للبقري بين 190 و200 جنيه، والجاموسي من 160 إلى 170 جنيهًا، أما الخراف والماعز فتتراوح بين 210 و220 جنيهًا، مشيرًا إلى أن متوسط سعر الأضحية للخروف يبلغ حوالي 12 ألف جنيه، والعجول البقري في حدود 80 ألفًا، والجاموسي 70 ألفًا.
ولفت إلى أن السوق يشهد حالة من الهدوء في حركة البيع والشراء نتيجة تراجع القوة الشرائية للمواطنين، وأن هذا الوضع فرض أنماطًا جديدة من الاستهلاك، حيث اتجه الكثيرون إلى "نظام الأسهم" عبر المشاركة الجماعية في ذبيحة واحدة "4 أو 5 أشخاص يشتركون في أضحية واحدة"، أو الاكتفاء بشراء أضاحٍ ذات أوزان وأسعار أقل للوفاء بالنسك في ظل الضغوط الاقتصادية.
ويوضح الرسم تراجع أعداد الثروة الحيوانية خلال السنوات الأخيرة بين 2019 و2023، مع اختلاف مستويات الانخفاض من نوع إلى آخر. ورغم هذا التراجع، بقيت الأغنام والأبقار الأكثر عددًا مقارنة ببقية الأنواع.
ويقول نقيب الفلاحين لـ"فكر تاني"، إن هناك فجوة بين تكلفة التربية وسعر البيع؛ فرغم الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف، إلا أن زيادة المعروض مقابل تراجع الطلب أجبرت المربين على البيع بأسعار العام الماضي، وفي بعض الأحيان بالخسارة، تفاديًا لمزيد من الركود، فضلًا عن دور اللحوم الحكومية المجمدة في ضبط السوق.
ويضيف أن أسعار اللحوم المذبوحة تتراوح بين 380 و450 جنيهًا للبقري والجاموسي، بينما يبدأ سعر اللحوم المجمدة من 250 إلى 300 جنيه، مؤكدًا أن المواطنين بدأوا في ترشيد استهلاكهم وتقليل الكميات لتتماشى مع ميزانياتهم.
40% عجز في اللحوم الحمراء
ولحل هذه الأزمة، طالب النقيب بمزيد من الجهود لخفض التضخم والسيطرة على سعر الدولار وتنمية الإنتاج، كما حذّر من تراجع الفلاحين عن التربية المنزلية لأنها أصبحت غير مربحة بسبب غلاء الأعلاف، مما قد يؤثر مستقبلًا على الثروة الحيوانية ويؤدي إلى تدهورها على المدى البعيد، وقال "لدينا عجز 40% في اللحوم الحمراء، وبدأت تتحسن العام الماضي، ولكن بسبب الظروف العالمية وحرب إيران تراجعت مرة أخرى".
وتكشف البيانات الرسمية لعام 2024 عن تنوع الثروة الحيوانية في مصر، مع تصدر الأبقار والأغنام لأعداد الماشية والمذبوحات داخل وخارج المجازر الحكومية.
ويشير تامر إلى أن القدرة على تربية الأضحية في المنزل أو الاشتراك في جمعيات ادخار أصبحت بدائل يلجأ إليها البعض لتوفير تكلفة العيد، لافتًا إلى أن سعر الكيلو القائم من العجل يبلغ نحو 210 جنيهات، بينما قد يصل سعر الكيلو بعد الذبح والتجهيز إلى نحو 450 جنيهًا.
ويلفت إلى أن الإقبال على الشراء ضعيف جدًا مقارنة بالسنوات الماضية، إذ كان بعض المواطنين يشترون 10 أو 15 كيلوًا من اللحوم ويوزعونها على الجيران أو كصدقة ليلة العيد، وهي عادة بدأت تتراجع بشكل ملحوظ. وأوضح أن كثيرًا من الأسر البسيطة لم تعد قادرة على شراء اللحوم في العيد، فيما صار من كان يقصده عدد كبير من الناس يكتفي اليوم باثنين أو ثلاثة فقط.
وتلخص مروة المشهد بقولها إن هناك أسرًا كثيرة باتت تنتظر عيد الأضحى من عام إلى آخر فقط لتتمكن من تناول اللحوم ولو مرة واحدة، لكن الارتفاع المستمر في أسعار الأضاحي قد يجعل حتى هذه الفرصة الموسمية بعيدة المنال.