رغم أن اليوم بدأ بأجواء احتفالية واحتفاء يمين ووسط ويسار المنصة بحضور رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح الجلسة العامة، لكنه شهد تمرير مشروع تعديل قانون النقابات العمالية الذي يمد مجالس النقابات الحالية ستة أشهر أخرى، وسط تحذيرات حقوقية ورفض وتحفظ من جانب نواب المعارضة، ولم يخل اليوم من تدخل الحكومة لحذف بعض العبارات التي أغضبتها من المضبطة.
رئيس مجلس النواب الليبي على المنصة
لا يعد رئيس مجلس النواب الليبي غريبًا على البرلمان المصري، إذ سبق وشارك في عدة زيارات لمجلس النواب المصري، كما أن مشاركته في الجلسة العامة وجلوسه على المنصة بجوار رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي ليست المرة الأولى.
عقيلة الذي كان ضيفًا على منصة الجلسة العامة في العاصمة الإدارية أمس، سبق وكان شريكًا في جلسة عامة تاريخية عام 2020 خلال الفصل التشريعي الأول، وجلس على المنصة بجوار رئيس المجلس حينها الدكتور علي عبد العال.
لكن شتان بين زيارة الأمس والزيارة التي جرت قبل ست سنوات في أجواء متوترة بعدما أعلنت مصر خطوطًا حمراء لطرفي القتال، إذ قال الرئيس عبد الفتاح السيسي في يونيو 2020 إن "لنتوقف عند الخط الذي وصل إليه طرفي المنطقة الغربية والشرقية ونبدأ وقف إطلاق النار، خط سرت والجفرة، وهذا خط أحمر بالنسبة لمصر وأمنها القومي".
وفي يوليو 2020 حضر رئيس البرلمان الليبي لمجلس النواب المصري، الذي عقد جلسة سرية انقطعت خلالها شاشات البث عن غرفة الصحافة التي يتابع الصحفيون البرلمانيون الجلسة العامة من خلالها، وانتهت الجلسة بالموافقة على تفويض الرئيس في اتخاذ ما يلزم لحماية الأمن القومي المصري، والموافقة على إرسال عناصر من القوات المسلحة في مهام قتالية خارج البلاد.
أما بالأمس شهدت الجلسة العلنية أجواء احتفالية، وارتدى عدد من النواب الأوشحة التي تحمل العلم الليبي والمصري، مستقبلين صالح في زيارته الأولى لمقر مجلس النواب الجديد في العاصمة الإدارية بالتصفيق الحار، وإلقاء الكلمات التي تؤكد على الروابط الوثيقة بين الشعبين المصري والليبي ووحدة المصير والأمن القومي المشترك.
النقابات العمالية في مرمى التدخل الحكومي
انتهت الجلسة الصباحية التي شهدت كلمات مطولة من رئيس مجلس النواب المصري، ونظيره الليبي، ورؤساء الهيئات البرلمانية للأحزاب الممثلة في مجلس النواب، ثم بدأت في الظهيرة جلسة أخرى انتهت بتمرير مشروع القانون المقدم من الحكومة بشأن مد عمل مجالس النقابات العمالية ستة أشهر أخرى، بعدما كان من المقرر انتهاء مددها خلال أسابيع قليلة في يونيو المقبل.
يأتي هذا التمرير وسط اعتراض منظمات حقوقية وتحفظ المعارضة داخل البرلمان وخارجه، إذ اعتبرت دار الخدمات النقابية والعمالية مد فترة المجالس النقابية تدخلًا سافًرا بقرارات استثنائية في الشأن النقابي، بدلًا من احترام انتظام العملية الانتخابية وضمان حق العمال في اختيار ممثليهم بحرية وفي المواعيد المحددة قانونًا.
بينما استعرض النائب محمد سعفان، رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، تقرير اللجنة المشتركة من لجنة القوى العاملة، ومكتب لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، هدف مشروع القانون في تحقيق الانضباط في العملية الانتخابية النقابية دون الإخلال بالالتزامات الدولية، من خلال إتاحة فترة زمنية محدودة لمد الدورة الحالية لمدة ستة أشهر، بما يمنع تعارض إجراءات الانتخابات مع انعقاد مؤتمر العمل العربي ومؤتمر العمل الدولي، ويكفل في الوقت ذاته استمرار التمثيل النقابي دون فراغ، مع ضمان الإعداد الجيد لإجراء انتخابات نزيهة تعبر عن الإرادة الحقيقية للعمال.
غير أن دار الخدمات النقابية ترى أن التبريرات المقدمة لا تمثل مبررًا كافيًا لتعطيل الاستحقاق الانتخابي، خاصًة وأن انتظام الانتخابات واحترام دورية انعقادها يمثلان أحد الضمانات الأساسية لاستقلال التنظيمات النقابية وترسيخ الممارسة الديمقراطية داخلها.
مشكلات مزمنة وحريات مؤجلة
رفض بعض نواب المعارضة مشروع قانون الحكومة، وطالب آخرون بتعديلات جوهرية في قانون المنظمات النقابية العمالية مثل النائبة نشوى الشريف عضو مجلس النواب عن حزب الوفد التي اتفقت على مد الفترة بتقديمها مشروع قانون مشابه، لكنها أكدت ضرورة إجراء تعديلات جوهرية، فيما تحفظ نواب العدل ولم يعلنوا الرفض أو التأييد بينما لم يتحدث نواب حزب التجمع عن مشروع القانون خلال الجلسة العامة أمس.
بينما اعتبر النائب عن حزب الجبهة الوطنية، عمرو فهمي أن التعديل "يعكس حرص الدولة المصرية بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي على دعم استقرار الحركة العمالية وتعزيز مسار الحوار الاجتماعي، باعتباره أحد الركائز الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة وبناء الجمهورية الجديدة".
يرى فهمي أن مد أجل الدورة النقابية الحالية لمدة ستة أشهر لا يعد مجرد إجراء تنظيمي، وإنما يمثل ضرورة عملية لضمان حسن سير العملية الانتخابية النقابية، خاصًة في ظل تزامنها مع عدد من الاستحقاقات والفعاليات العمالية الإقليمية والدولية المهمة، وفي مقدمتها مؤتمر العمل العربي ومؤتمر العمل الدولي، بما يضمن مشاركة مصر بصورة قوية ومشرفة تعكس مكانتها ودورها الريادي في دعم قضايا العمال.
في المقابل، أكد وكيل لجنة القوى العاملة، النائب إيهاب منصور عضو المجلس عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي "كان مفروض الانتخابات تكون شغالة من شهر 5، ودلوقتي بنتكلم في تأجيلها"، مشددًا على ضرورة الرجوع إلى القواعد العمالية والمنظمات النقابية صاحبة الشأن، وإجراء حوار مجتمعي حقيقي يشارك فيه العمال أنفسهم قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بمصير التنظيمات النقابية.
وقال "نرفض هذا التأجيل لأن الجمعيات النقابية المفروض هي اللي تقرر مصيرها”، وأشار منصور إلى أن الدستور المصري كفل حقوق العمال، موضحًا أن المادة 13 من الدستور نصت على حماية حقوق العمال ورعاية مصالحهم، كما نصت المادة 15 على أن الإضراب السلمي حق تكفله الدولة وينظمه القانون، وقال إن رغم النصوص الدستورية الواضحة، فإنه لا يرى على أرض الواقع ممارسة منظمة وفعالة لهذه الحقوق.
"العمال كل يوم بيصوتوا لنا وبيطالبونا بالتدخل لحل أزماتهم"، قال منصور مشددًا على أن البرلمان يجب أن يكون معبرًا عن مطالب العمال الحقيقية ومدافعًا عن حقوقهم، وليس مجرد جهة توافق على قرارات يتم فرضها دون مشاركة مجتمعية واسعة.
من جانبه، رفض النائب إسلام قرطام، عضو مجلس النواب عن حزب المحافظين مشروع القانون، محذرًا من عدم إجراء الانتخابات في موعدها مما يثير التساؤلات بشأن وجود تدخلات في الانتخابات النقابية.
أما دار الخدمات النقابية والعمالية، أكدت أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بضيق الوقت أو تزامن الاستحقاقات الانتخابية مع مؤتمرات عمالية دولية، وإنما باستمرار المشكلات الجوهرية التي يتضمنها قانون المنظمات النقابية العمالية رقم 213 لسنة 2017، التي تحد من حرية التنظيم النقابي.
وشددت الدار على أن المواد المنظمة لشروط وإجراءات الترشح والانتخاب ما تزال تنتقص من صلاحيات الجمعيات العمومية، وتفرض قيودًا على حق النقابات في وضع لوائحها وتنظيم شؤونها الداخلية بحرية، بما يتعارض مع مبادئ الحرية والاستقلال النقابي.
كما رفضت الدار استمرار فرض إجراء الانتخابات النقابية في توقيت واحد لكافة المنظمات النقابية، رغم اختلاف أوضاعها وظروف تأسيسها، بما يعيد إنتاج نمط إداري مركزي لا يتوافق مع التعددية النقابية التي أقرها القانون نفسه، وجددت الدار تأكيدها على ضرورة إنهاء أي وصاية إدارية أو إشراف مباشر من جانب وزارة العمل على العملية الانتخابية، بما يضمن نزاهة الانتخابات واستقلال التنظيمات النقابية عن السلطة التنفيذية.
مافيا توريد العمالة تثير غضب الحكومة
للمرة الثانية منذ بدء الفصل التشريعي الثاني طالت قرارات الحذف من المضبطة كلمة النائب محمد عبد العليم داوود رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد بمجلس النواب، الذي انتقد خلال كلمته في الجلسة العامة الوكالات العمالية التي تعمل على توريد العمالة للحكومة، موضحًا غياب دور النقابات العمالية في حماية حقوق العمال.
وقال داود في كلمته إن "هناك أحكام قضائية لا يستطيع أحد التحدث عنها أو الاقتراب منها، وهناك وكالات تشغيل أصبحت سيف مسلط على رقاب العباد، لأن مقاول التشغيل يتعاقد مع الحكومة ويأخذ خمسة أضعاف ما يتقاضاه العامل، يعني يأخذ من موازنة الحكومة على حساب العامل والأمان الوظيفي ".
وتابع داود "تحولت وكالات التشغيل إلى مافيا ومراكز قوى في هذا الوطن"، وتساءل "أين التنظيم النقابي من عدم تنفيذ الأحكام؟ أين حقوق عمال التشجير والسركي والعاملين على حساب الصناديق الخاصة في المحافظات"، مضيفًا "تحولت مصر إلى مافيا بسبب الوكالات، وحقوق العمال ضائعة و الحكومة أصبحت صاحبة اليد العليا والسيف المسلط على رقاب التنظيمات النقابية، كما أن الحكومة ارتكبت جريمة بالتأخير في تقديم هذا القانون".
من جانبه، طالب وزير الشؤون النيابية، المستشار هاني عازر بحذف عبارة "مصر تحولت إلى مافيا" من مضبطة الجلسة، محذرًا من تأثيرها السلبي على مصر أمام المنظمات الدولية، فوافق المجلس على حذفها، ليكون بذلك الحذف الثاني من المضبطة منذ انعقاد الفصل التشريعي الحالي في يناير الماضي.
رغم الحذف، ورغم تمرير مشروع القانون، اتفق عدد كبير من النواب بمن فيهم بعض الموافقين على التعديلات على ضرورة إجراء تغييرات واسعة في قانون تنظيم عمل المنظمات النقابية بما يتيح قدر أكبر من الحرية للعمال، وستكشف الأسابيع المقبلة عن مدى وجود إرادة للاستجابة للتوصية الواردة في تقرير اللجنة البرلمانية التي نظرت مشروع القانون بشأن تنظيم حوار مجتمعي للعمل على إجراء هذه التغييرات.