حازت عبارة "معنديش مشكلة أتعدم راجل"، التي أطلقها قاضٍ سابق اتُهم بقتل طليقته، على تعاطف جماهيري واسع، يمكن رصده بوضوح عند مراقبة تعليقات المتابعين لتلك الجريمة التي وقعت في الممشى السياحي في مدينة السادس من أكتوبر.
تجسد هذا التعاطف في مئات وربما آلاف التعليقات التي تشجع وتؤيد القاتل، وتصل إلى حد إدانة القانون الذي ساقه إلى قفص الاتهام عوضًا عن إدانة فعلته، مثل تعليقات، نحو "انت راجل وعملت الصح وعايزين نشوف القوانين إلي عمالة تتعمل ضد الراجل في محكمة الأسرة هتوصلنا لإيه.. ربنا هيجبلك حقك.. هذا نتاج للخلل التشريعي الكبير في قوانين الأحوال الشخصية التي صاغتها منظمات نسوية مشبوهة ممولة لتدمير المجتمع من الداخل!.. كيدهن عظيم للأسف بس كان رماها في أقرب مقلب زباله ومكنش ضيع نفسه!".
وتتزامن حدة هذا الخطاب المتطرف مع شيطنة أي حديث يتناول حقوق النساء، واعتبار السعي نحو تحقيق المساواة بين الجنسين عملًا يستدعي الإدانة والاستنكار، وينضم إلى ذلك تقديم تبريرات واهية لقتل النساء بزعم سوء سلوك الضحية، أو ما يُعْرَف مجتمعيًا بالقتل على الشرف، وهو المبرر الذي يتخذه الدفاع وسيلة لتخفيف الأحكام عن بعض الجناة. ورغم أن المادة 230 من قانون العقوبات قد حددت عقوبة الإعدام لكل من قتل نفسًا عمدًا مع سبق الإصرار أو الترصد، فإن الثقافة السائدة في بعض المناطق الريفية أو الشعبية تُبيح قتل الأنثى أو حتى الذكر بدافع الشرف دون انتظار لحكم القضاء، مما يتسبب في وقوع جرائم بشعة يحاول مقترفوها التذرع بالعُرف أو بالضغوط الاجتماعية لتبرير مسلكهم.
ثغرات التخفيف في قتل النساء
في محاولة للإجابة عن تساؤل عن مدى إعفاء قانون العقوبات للقاتل بدافع الشرف من العقوبة، يوضح المحامي أحمد أبو المجد أن ما يُشاع خطًا تحت مسمى الدفاع عن الشرف أو حماية الأخلاق في جرائم قتل النساء، يمثل واحدة من أخطر الإشكاليات المرتبطة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي، وذلك لأنه لا يتوقف عند حد محاولة تبرير الجريمة من الناحية القانونية، وإنما يساهم في الوقت ذاته في خلق مناخ اجتماعي متسامح مع العنف ضد النساء.
ويشرح أبو المجد، في حديثه لـ"فكر تاني"، أن التشريع المصري لا يحتوي على أي نص صريح يمنح إعفاءً تحت مسمى جرائم الشرف، غير أن بعض هيئات الدفاع تحاول بشتى الطرق استغلال مفاهيم فضفاضة مثل الاستفزاز أو الغضب المفاجئ، أو الادعاء بحماية الشرف، بغية الحصول على استعمال الرأفة أو تخفيف العقوبة.
وفي هذا السياق، تبرز إشكالية المادة 17من قانون العقوبات، وهي المادة التي تمنح المحكمة سلطة تقديرية لاستعمال الرأفة والنزول بالعقوبة درجة أو درجتين، إذا رأت في ظروف الدعوى ما يدعو إلى ذلك.
ويتابع المحامي حديثه مستطردًا بأنه على الرغم من كون هذه السلطة تقديرية في أصلها، فإن اللجوء إليها في بعض قضايا قتل النساء المرتبطة بادعاءات الشرف، أو الشك في السلوك يثير مخاوف حقيقية، من تكريس تصورات مجتمعية تبرر العنف ضد النساء بصورة غير مباشرة. كما يكشف أبو المجد عن إثارة المادة 60 من قانون العقوبات أحيانًا، وهي المادة الخاصة بالأفعال المرتكبة بحسن نية استعمالًا لحق مقرر بمقتضى الشريعة، حيث تُستغل في إطار مرافعات دفاعية تحاول إضفاء غطاء أخلاقي أو اجتماعي على العنف، رغم أن الحق في الحياة والسلامة الجسدية لا يجوز المساس به تحت أي مبرر كان، إذ تنص هذه المادة على أن «لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتكب بنية سليمة عملًا بحق مقرر بمقتضى الشريعة". ويرى أبو المجد أنه "هنا تكمن الخطورة، لأن توظيف هذه السرديات القانونية والأخلاقية يعيد إنتاج فكرة أن حياة النساء وحقوقهن يمكن أن تخضع لتقييم أخلاقي مجتمعي، وأن الشك في السلوك قد يتحول في نظر البعض إلى مبرر ضمني للعنف".
تطبيع الجريمة
على صعيد آخر، تلعب التغطية الإعلامية دورًا رئيسيًا لا يعفيها من اللوم والمسؤولية عند تناول جرائم قتل النساء، إذ تضفي المنصات الإعلامية أحيانًا طابعًا رومانسيًا على جرائم القتل عبر تصدير عناوين من قبيل ومن الحب ما قتل، أو تنشر عناوين أخرى تنقل تصريحات على لسان القاتل تدفع بالجمهور نحو التعاطف معه.
ترى المحامية جواهر الطاهر، مديرة برنامج الوصول للعدالة بمؤسسة قضايا المرأة المصرية، أن التغطية الإعلامية في جرائم قتل النساء لا تقتصر على نقل الوقائع المجردة، وإنما تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل الرأي العام وتوجيه ردود الفعل المجتمعية تجاه القضية، لاسيما في الجرائم المرتبطة بالعنف ضد النساء والفتيات.
وتوضح الطاهر، في حديثها لـ"فكر تاني"، أن طريقة صياغة الخبر وتقديم تفاصيله تؤثران بشكل مباشر في كيفية فهم الجمهور للجريمة، وتحديد ما إذا كان سيُنظر إليها بوصفها جريمة مكتملة الأركان أو واقعة قابلة للتبرير الاجتماعي.
وتشير المديرة الحقوقية إلى أن بعض المعالجات الإعلامية تميل بوضوح إلى التركيز على دوافع الجاني وظروفه الشخصية، الأمر الذي يفتح المجال واسعًا أمام خطاب يتعاطف معه أو يبرر الجريمة باعتبارها مرتبطة بالدفاع عن الشرف، أو كونها رد فعل "رجولي"، وهو ما ينعكس جليًا في تعليقات الجمهور وردود أفعالهم على السوشيال ميديا.
وتضيف أن هذا النمط من التغطية قد برز بوضوح في قضايا سابقة، ومنها قضية نيرة أشرف، التي جرى خلالها تداول روايات ركزت على الجاني ودوافعه بصورة ساهمت في خلق حالة من التعاطف أو التبرير لدى بعض المتابعين، عوضًا عن التركيز على كون الواقعة جريمة قتل ارتكبت ضد امرأة.
وترى جواهر الطاهر أن الحديث عن القتل دفاعًا عن الشرف يظل أمرًا إشكاليًا للغاية في مثل هذه الوقائع، وبخاصة عندما تكون الضحية طليقة الجاني وليست زوجته، مشيرة إلى أن قانون العقوبات لا يتضمن نصًا مستقلًا يُعرّف القتل بدافع الشرف، وإنما تظل سلطة تقدير العقوبة خاضعة لرؤية المحكمة وعقيدتها. موضحةً أن المادة 17 من قانون العقوبات تمنح القاضي سلطة تقديرية تسمح بالنزول بالعقوبة درجة أو أكثر في بعض الجرائم، لافتة إلى أن هذه المادة تُستخدم في أحيان كثيرة في قضايا قتل النساء، وهو ما يفجر مطالبات قانونية وحقوقية متكررة بضرورة الحد من التوسع في تطبيقها داخل هذا النوع من القضايا.
ويتفق المحامي أحمد أبو المجد مع هذا الطرح المنادي بضرورة الانتباه لما تنشره وسائل الإعلام، قائلًا إن تسليط الضوء أو تناول بعض وسائل الإعلام أو السوشيال ميديا لهذه القضايا يلعب دورًا بالغ التأثير في تشكيل توجهات الرأي العام، فحينما يتم التركيز على رواية الجاني، أو تقديمه للجمهور باعتباره ضحية للغيرة أو مدافعًا عن الشرف، فإن ذلك يخلق تلقائيًا تعاطفًا مجتمعيًا مع القاتل على حساب الضحية.
ويرى أبو المجد أن هذا النوع من التناول لا يبرر الجريمة بشكل مباشر فحسب، وإنما يبعث برسالة خطيرة مفادها أن العنف ضد النساء يمكن تفهمه أو التماس العذر لمرتكبيه في ظروف معينة، ويضيف معبرًا عن واقع هذه القضايا "من خلال متابعة العديد من قضايا قتل النساء، يمكن القول إن الخطاب الإعلامي والمجتمعي المتسامح مع العنف القائم على الشك أو الشرف، يساهم بالفعل في تطبيع الجريمة، ويشجع على خلق بيئة يشعر فيها بعض الجناة أن هناك تعاطفًا أو قبولًا اجتماعيًا محتملًا لأفعالهم".
وبناءً على ذلك، يتابع أبو المجد مؤكدًا أن هذه الوقائع المتكررة تكشف عن فجوة تشريعية أوسع، وتتمثل تلك الفجوة في غياب قانون متكامل وموحد لمناهضة العنف ضد النساء والعنف الأسري بكافة أشكاله، بحيث يضع تعريفات واضحة ومحددة للعنف القائم على النوع الاجتماعي، ويوفر آليات حماية فعالة للضحايا، ويمنع بشكل قاطع استخدام المفاهيم الأخلاقية أو الاجتماعية كمدخل لتخفيف العقوبات في الجرائم المرتكبة ضد النساء.
مسؤولية الثقافة المجتمعية
يظهر رصد سابق أجرته مؤسسة قضايا المرأة المصرية لعدد من جرائم الشرف في مصر، أن السبب الأساسي لارتكابها يعود إلى الشك في السلوك، إذ بلغت نسبته من جملة الأسباب 79%، وجاء في المركز الثاني اكتشاف الخيانة، أو اعتراف الضحية بها بنسبة 9%، تليها الرغبة في منع إظهار العلاقة مع العشيقة سواء كانت عشيقة الجاني أو عشيقة أحد أقاربه بنسبة 6%، حيث ارتكبت جرائم ضد عشيقة الأب أو الأخ أو ابن العم، وبالنسبة ذاتها التي تبلغ 6% جاءت أسباب أخرى متنوعة مثل زواج الأم عرفيًا، أو رغبة الأم في الزواج، أو اعتداء الأخ على أخته جنسيًا، أو اعتداء الأب على ابنته جنسيًا وظهور علامات الحمل عليها.
ووفقًا لنتائج هذا الرصد، احتلت جرائم قتل الزوجة نتيجة الشك في السلوك النسبة الأعلى لتصل إلى 41% من إجمالي جرائم القتل التي جرى رصدها في 125 مادة صحفية، وجاء في المرتبة الثانية قتل الابنة بنسبة 34%، ثم قتل الأخت بنسبة 18%، وأخيرًا قتل أحد الأقارب للشك في السلوك بنسبة 7%. وقد استخلصت مؤسسة قضايا المرأة من خلال رصدها أن ثقافة المجتمع تؤثر بشكل ممتد وكبير على جرائم القتل الخاصة بالشك في السلوك، إذ يُعد الزوج هو الطرف المطالب من المجتمع بدفع ما يزعم أنه عار، يليه في ذلك الأب ثم الأخ، في حين لا تقل نسبة الأقارب الآخرين كثيرًا، مع الأخذ في الاعتبار دائمًا بأن الجريمة تظل جريمة مهما تغيرت الظروف المجتمعية المحيطة بها.
وفي محاولة لاستقصاء ما إذا كان المجتمع يشرعن التعاطف مع الجناة، لا ترى النائبة البرلمانية الدكتورة ثريا البدوي إمكانية إلقاء اللائمة بكاملها على عاتق الإعلام والقانون وحدهما، دون الإشارة الواضحة إلى الثقافة المجتمعية، التي تعتبر شريكة أساسية في خلق حالة من التعاطف وإيجاد مبررات لقتل النساء تارة باسم الشرف وتارة أخرى باسم الحفاظ على النخوة والعادات والقيم الموروثة.
وتوضح البدوي في حديثها لـ"فكر تاني"، أن التعاطف المجتمعي مع جرائم قتل النساء يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمنظومة من التقاليد والأفكار الموروثة والصور النمطية المتعلقة بدور المرأة، وبخاصة بعد وقوع الطلاق، إذ تشير إلى أن بعض التصورات الاجتماعية تعتبر المرأة التي تستكمل حياتها بعد الانفصال خارجة عن الصورة التقليدية المتوقعة منها، والتي تختزل دورها الكامل في تربية الأبناء مع تجاهل تام لاحتياجاتها النفسية والعاطفية.
وتضيف النائبة البرلمانية أن هذه الأفكار تضع احتياجات المرأة دائمًا في مرتبة أدنى مقارنة باحتياجات الرجل، وهو ما ينعكس بوضوح في حجم التعاطف الكبير الذي يحظى به بعض الجناة من خلال صياغة تبريرات تتعلق بعدم تقبل الرجل لزواج طليقته أو اعتبار الغيرة دافعًا غريزيًا مفهومًا للجريمة.
وبينما لا تلوم الدكتورة ثريا البدوي وسائل الإعلام على مجرد نقل الأخبار، فإنها لا تنفي عنها في الوقت نفسه المسؤولية مهنية وأخلاقية التي تتطلب التعامل بحذر شديد مع هذا النوع الحساس من القضايا، لا سيما الجرائم التي تثير جدلًا واسعًا وتصنع انقسامًا في الرأي العام، حيث تقترح أنه من الأفضل بكثير انتظار الصدور الرسمي للأحكام القضائية وشرح حيثياتها القانونية، بدلًا من التوسع غير المبرر في نشر تفاصيل دقيقة قد تؤدي إلى إشعال حالة من الانقسام المجتمعي وتغذية التوتر المستمر بين الرجال والنساء.
وبينما يشير أحمد أبو المجد إلى أبعاد القانون، وتتحدث جواهر الطاهر عن تأثير الإعلام، وتوضح ثريا البدوي دور المسؤولية الإعلامية في نقل الوقائع، يلتقي الجميع عند نقطة اتفاق واحدة تؤكد أهمية تفعيل مدونات سلوك إعلامية واضحة وصارمة في تغطية جرائم قتل النساء، بحيث تقوم تلك المدونات على الاحترام الكامل للضحايا والناجيات، والامتناع التام عن إعادة إنتاج الصور النمطية المشوهة أو تبرير العنف تحت أي مسمى أخلاقي أو اجتماعي.