بعد سنوات من الابتعاد عن منصات التتويج وتفادي شبح الهبوط أكثر من مرة، عزف النادي الإسماعيلي لحنه الأخير في بطولة الدوري المصري الممتاز، وكتب بأيدي أبنائه، وبمساعدة غير مباشرة من الدولة، فصل النهاية في رحلة الأضواء التي استمرت 62 عامًا كاملًا، ليصبح، بدءًا من الموسم المقبل، ضيفًا غريبًا على دوري القسم الثاني المعروف بدوري المحترفين.
صحيح أن النادي الإسماعيلي، الذي تأسس عام 1942 تحت اسم نادي النهضة الرياضي، لم يعتد منصات التتويج كثيرًا، غير أن لحظاته القليلة كانت شديدة التأثير في ذاكرة مشجعيه، فقد حقق الفريق الذي تحول اسمه سريعًا إلى الإسماعيلي نسبة إلى المحافظة التي شهدت ميلاده الرياضي، الدوري العام ثلاث مرات كان آخرها عام 2001، كما توج بكأس مصر مرتين فقط، إلى جانب كونه أول نادٍ مصري وعربي يحقق بطولة دوري أبطال إفريقيا عام 1969، ومع مرور السنوات، أطلق مشجعوه على فريقهم ألقابًا عديدة، من بينها "الدراويش" و"برازيل مصر"، تقديرًا للمواهب التي قدمها النادي إلى الكرة المصرية، ولما ارتبط به من متعة الأداء الجماعي خلال سنوات الوهج الرياضي، وقد خرج من صفوفه عدد من الأسماء البارزة، منها عائلة أبو جريشة التي توارثت ارتداء قميص الفريق، فيما شهدت أوائل الألفية الجيل الذهبي للدراويش بظهور أسماء مثل محمد بركات وعماد النحاس وإسلام الشاطر، الذين قادوا الفريق إلى آخر لقب للدوري والتأهل إلى نهائي كأس إفريقيا.
ضلع أساس يتهاوى
غير أن المشهد اليوم في الإسماعيلية لم يعد كما كان، فالمحافظة التي اشتهرت بعزف السمسمية تقطعت أوتارها على مذبح الهزيمة الرياضية، وفرض الحزن نفسه داخل البيوت التي اعتادت الضجيج والاحتفال. أما الحقيقة التي حاول المشجعون الهروب منها طوال السنوات الماضية، مع تراجع مستوى الفريق وفقدانه هيبته الرياضية، فقد أصبحت واقعًا لا يمكن إنكاره، بعدما تأكد أن بطلهم المنهك لن يعود إلى ملاعب الممتاز، ولو مؤقتًا.
ومع هبوط الإسماعيلي إلى الدرجة الثانية، خسرت الكرة المصرية ضلعًا كلاسيكيًا من مثلث المنافسة التاريخية مع الأهلي والزمالك، كما تقلص عدد الأندية الشعبية المشاركة في الدوري الممتاز إلى خمسة أندية فقط، هي الأهلي والزمالك والمصري والاتحاد وغزل المحلة، في مقابل 15 ناديًا تابعًا للمؤسسات والشركات والاستثمار، بنسبة بلغت 75% من عدد الأندية المتنافسة، وهي نسبة مرشحة للارتفاع حال هبوط أندية أخرى مثل الاتحاد وغزل المحلة.
ليس في الدوري مكان للجماهير
وتعيد دراما خروج نادٍ جماهيري بحجم الإسماعيلي، المعروف بتقديم المواهب الرياضية، فتح جراح تفريغ البطولة المصرية من أنديتها الجماهيرية على مدار العقود الماضية لصالح أندية حديثة العهد تمتلك ميزانيات ضخمة، ما جعل مهمة عودة الأندية الشعبية إلى مواقعها القديمة أكثر صعوبة.
وتشير الإحصاءات إلى أن السنوات العشر الماضية شهدت صعود 16 فريقًا من أندية الشركات والمؤسسات إلى الدوري الممتاز، مقابل سبعة أندية شعبية فقط، من بينها أندية تكرر صعودها مثل غزل المحلة وأسوان، في حين عجزت أندية تاريخية عن استعادة مكانها، ومنها المنصورة والأولمبي والترسانة، بما يعكس أن سباق الصعود إلى الممتاز بات تحسمه القدرة المالية أكثر من الجماهيرية.
وفي خضم ذلك، عانى الإسماعيلي، كغيره من الأندية الحكومية المملوكة للدولة، من تراكم الديون وغياب الموارد المالية اللازمة لتغطية مصروفات فرق كرة القدم، إلى جانب التوقف عن سداد مستحقات اللاعبين وأعضاء الأجهزة الفنية، وهو ما انعكس بوضوح على الأداء الرياضي خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبح النادي يعتمد بصورة أساسية على لاعبين مغمورين وقائمة من الناشئين لم تسعفهم مواهبهم في إنقاذ الفريق من الهبوط.
ويرى صبري المنياوي، مدير الكرة السابق بالإسماعيلي وأحد لاعبي الدراويش في الثمانينيات والتسعينيات، أن الفريق دفع ثمن أخطاء مجالس الإدارات المتعاقبة، إلى جانب قلة الموارد المالية التي تسببت في رحيل عدد كبير من نجومه وعدم التعاقد مع لاعبين قادرين على حمل قميص النادي.
وأوضح المنياوي، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن العهد الذهبي للنادي ارتبط بفترة وجود العثمانيين (مؤسسو شركة المقاولون العرب)، على رأس الإدارة، وكان آخرهم إبراهيم عثمان الذي حاول إنقاذ النادي من أزماته، مشيرًا إلى أن النادي في عهدهم لم يكن يشعر بالأزمات المالية لقدرتهم على الإنفاق وتوفير الموارد من أموالهم الخاصة.
كما اتهم مدير الكرة السابق بالدراويش المجالس الإدارية التي تعاقبت على النادي بعد انسحاب العثمانيين بالبحث عن مصالحها الشخصية، إلى جانب افتقارها للخبرة في إدارة ملف كرة القدم، لافتًا إلى أن وزارة الشباب ومحافظة الإسماعيلية حاولتا المساهمة في توفير موارد مالية، غير أنه اعتبر تلك المحاولات غير كافية في ظل الارتفاع المستمر لمصروفات قطاع الكرة.
تحت أعين الدولة
ورغم تحميل اللاعبين القدامى مجالس الإدارات مسؤولية الإخفاق، فإن الحارس السابق للدراويش محمد صبحي لم يعفِ وزارة الشباب والرياضة من مسؤولية انهيار الفريق، مشيرًا إلى أن الوزارة لم تتدخل في أوقات سابقة لوقف نزيف النادي، خاصة خلال فترة رئيس مجلس الإدارة الأسبق يحيى الكومي، الذي غادر منصبه دون تسوية أوضاع النادي.
وشهدت السنوات الماضية تدخلًا من وزارة الشباب والرياضة مع تصاعد الشكاوى والبلاغات التي اتهمت الإدارات بالفساد، وكان آخرها العام الماضي، حين جرى استبعاد مجلس نصر أبو الحسن والمدير التنفيذي والمدير المالي ومدير النشاط الرياضي بالنادي، وإحالتهم إلى النيابة العامة للتحقيق في المخالفات التي كشفتها أعمال الفحص والتفتيش المالي والإداري.
وقال صبحي، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إن وزارة الشباب والرياضة، رغم تسلمها ملف النادي وتكليف لجان مؤقتة بإدارة شؤونه، لم تتمكن من توفير موارد مالية أو جذب مستثمرين ورعاة قادرين على الإنفاق وعلاج الأزمات المتراكمة الناتجة عن بيع نجوم الصف الأول وعدم سداد رواتب اللاعبين الأجانب، وهو ما تسبب في حرمان الفريق من التعاقد مع لاعبين جدد خلال العامين الماضيين.
ولم يكن الإسماعيلي استثناءً من هذه الأزمة، إذ إن استقرار الأوضاع في الاتحاد السكندري والمصري البورسعيدي، باعتبارهما ناديين ساحليين، يرتبط باستمرار رجال الأعمال القادرين على الإنفاق في مواقع الإدارة، لذلك يساور القلق جماهير المصري من احتمالات رحيل رجل الأعمال كامل أبو علي، فيما تعرض الاتحاد السكندري لهزة كروية عقب إعلان محمد مصيلحي استقالته من رئاسة مجلس الإدارة.
ومن جانبه، يقول الناقد الرياضي محمد البرمي إن الأزمة ليست وليدة اليوم، وإنما بدأت منذ سنوات طويلة مع صعود أندية الشركات وتنامي نفوذها، بعدما فضلت تلك الجهات تأسيس أندية جديدة أو شراء أندية قائمة بدلًا من الاستثمار في الأندية الشعبية، لأسباب عدة من بينها ضغط الجماهير وعدم وضوح آليات الاستثمار داخل هذه الأندية.
وفي المقابل، لم تقدم الدولة الدعم الكافي للأندية الشعبية، إذ لم تتركها تعتمد على نفسها بصورة كاملة، ولم ترفع يدها عنها في الوقت نفسه، لتقف عاجزة أمام فشل مجالس الإدارات في بناء مشروعات حقيقية، حتى وصلت الأمور إلى هذا الوضع.
وقبل الإسماعيلي، اختفت أندية شعبية كبيرة عن المشهد مثل المنصورة وأسوان والترسانة، وسط توقعات بأن تلحق بها أندية أخرى، في ظل غياب الاستثمار الرياضي والإدارة الاحترافية والمشروعات الطموحة داخل الأندية الشعبية المصرية.
وتشير دراسة أعدها باحثون بجامعة بنها إلى أن انضمام أندية الشركات أدى إلى تغيير ملامح البيئة التنظيمية للدوري، بما انعكس سلبًا على استقرار الأندية الشعبية وتوازنها إداريًا وماليًا وتنافسيًا، وعزز الفجوة بينها وبين الأندية المؤسسية، على نحو يهدد مستقبل المنافسة العادلة، خاصة أن الأندية الشعبية تعتمد غالبًا على مصادر تمويل ذاتية ودعم حكومي يجعلها أكثر عرضة للأزمات.
وخلصت الدراسة إلى ضرورة إعادة تعريف دور وزارة الرياضة بحيث تتحول من ممول إلى منظم وداعم استراتيجي، مع تقديم دعم مشروط يركز على الإصلاح المؤسسي داخل الأندية الشعبية وتعزيز كفاءتها الإدارية والتسويقية، إلى جانب تفعيل الشراكات مع القطاع الخاص لتشجيع الاستثمار، ومنح حوافز للشركات الراعية، وفتح المجال القانوني لتحويل الأندية الشعبية إلى شركات مساهمة لكرة القدم مع إمكانية طرح جزء من أسهمها في البورصة، بشرط الحفاظ على طابعها الاجتماعي والجماهيري.
ويتقاطع ذلك مع تقرير صادر عن البنك الدولي نهاية عام 2022، أكد أن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحتاج إلى تحويل أندية كرة القدم إلى شركات رياضية جيدة الإدارة وقادرة على جذب الاستثمارات والأرباح، بما يسهم في تحويل صناعة كرة القدم إلى صناعة احترافية تنافسية، ويوفر فرصًا أكبر للشباب للمشاركة في تنمية بلدانهم.
واقترح التقرير استراتيجية من ثلاث خطوات، تبدأ بتوفير مزيد من التمويل للأندية عبر التسجيل في البورصة بما يعزز الشفافية ويشرك القطاع الخاص والمشجعين، أو من خلال فتح باب المساهمة في أسهم رأس المال أمام الشركاء باستخدام الآليات المؤسسية المخصصة عادة للاستثمار الأجنبي المباشر في المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
كما دعا التقرير إلى زيادة إيرادات الأندية عبر رفع عوائد التذاكر وحقوق البث التلفزيوني وتقاسمها، إلى جانب تحسين حوكمة الدوري والاتحادات والروابط بما يعزز المنافسة ويدعم تطوير قطاع كرة القدم، مع وضع قواعد للشفافية المالية والاستدامة وتحديد آليات لمراقبة الإنفاق.
ولا تختلف هذه التوصيات عن توصيات سابقة صادرة عن لجنة الرياضة بالبرلمان المصري، طالبت بتخصيص جزء من عوائد البث الفضائي لدعم الأندية الشعبية التي تحصل على نسب ضئيلة لا تكفي لتدعيم فرقها، إلى جانب إعفاء الأندية الشعبية والجماهيرية من ضريبة القيمة المضافة، وتفعيل ما نص عليه قانون الرياضة رقم 71 لسنة 2017 من إعفاء بنسبة 75% من مقابل استهلاك الكهرباء والمياه والغاز.
كما أوصت اللجنة بزيادة الدعم الموجه للأندية الشعبية في المناطق النائية والمحافظات الحدودية وأندية ذوي الاحتياجات الخاصة، مع مطالبة مجالس الإدارات بالعمل على زيادة الموارد عبر إنشاء شركات استثمارية وطرحها في البورصة والبحث عن شركات راعية تمنح مزايا وإعفاءات مقابل الرعاية.
ضجيج..ضجيج.. ولا طحين
ورغم ذلك، تذهب هذه المقترحات أدراج الرياح، في وقت تستحوذ فيه الأندية الكبرى، وفي مقدمتها الأهلي والزمالك، على النصيب الأكبر من عوائد البث الفضائي بحكم شعبيتهما الواسعة، كما أن عددًا قليلًا من الأندية اتجه إلى تأسيس شركات كرة قدم وفق ما أتاحه قانون الرياضة الجديد من إمكانية تحويل الهياكل القانونية للأندية أو إنشاء شركات مساهمة تابعة لها، مع السماح بطرح الأسهم في البورصة لجذب رؤوس الأموال وتوفير تمويل مستدام.
وعلى أرض الواقع، لم يشرع في تأسيس شركات كرة القدم وطرحها في البورصة سوى الأهلي وغزل المحلة، وكان الأخير أول شركة رياضية متخصصة في كرة القدم تسعى للقيد في البورصة المصرية وعلى مستوى الشرق الأوسط وإفريقيا، غير أن التجربة لم تكتمل بعد فشل تغطية الاكتتاب العام، إذ بلغت نسبة التغطية 18% فقط، بعدما بيع 17.6 مليون سهم من أصل 98 مليون سهم مطروح، قبل رد الأموال إلى المكتتبين بالكامل.
وفي المقابل، تسعى وزارة الرياضة ورابطة الأندية المحترفة إلى تسويق فكرة دمج أندية الشركات مع الأندية الشعبية بهدف تحسين بيئة الاستثمار، غير أن هذا الطرح لم يحظ بقبول جماهير الإسماعيلي خوفًا من طمس هوية النادي، كما يواجه معضلة قانونية تتمثل في غياب سند قانوني يسمح بدمج نادٍ جماهيري مع نادٍ تابع لشركة في كيان واحد، لأن كل نادٍ يمتلك رخصة مستقلة مسجلة لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم، وفق ما يوضحه خبير اللوائح عامر العمايرة.
وقال العمايرة، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إن الدمج بين النادي الشعبي والاستثماري غير قانوني طالما أن الناديين يحملان رخصتين مستقلتين من الفيفا، كما لا يجوز لمستثمر شراء الحصة المالكة، أي 51%، دون موافقة الجمعية العمومية، مشيرًا إلى أن الشراكة بين المستثمرين ومجالس الإدارات تبقى من بين الحلول المطروحة، إلى جانب إنشاء شركات كرة قدم تُسجل في البورصة بهدف زيادة العوائد.
ولفت العمايرة إلى عزوف المستثمرين عن تبني الأندية الشعبية بسبب رغبة مجالس الإدارات في الاستئثار بالقرار الإداري وعدم منح المستثمرين حرية اتخاذ القرارات المتعلقة بفريق الكرة، معتبرًا أن الحل يجب أن يبدأ من اتحاد الكرة عبر تقليل عدد أندية الشركات في دوري المظاليم والدرجات الأدنى، من خلال عدم منح رخص المشاركة الاحترافية إلا برعاية نادٍ شعبي يمتلك رخصة سارية بالفعل.
وفي النهاية، لم يعد دق أجراس الخطر بشأن انهيار الأندية الرياضية الشعبية في مصر كافيًا مع استمرار تآكلها تدريجيًا. فقد دفع الإسماعيلي الثمن، وقد تلحق به أندية أخرى قريبًا، ليظل السؤال مفتوحًا حول شكل مسابقة عريقة كالدوري المصري، تُقام خلف أبواب مغلقة وفي ملاعب تفقد نبضها يومًا بعد يوم.