قراءة في مشروع قانون الأسرة الجديد.. كيف نحمى الطفل ونحقق العدالة؟

يمثل مشروع قانون الأسرة الجديد واحدًا من أهم التشريعات الاجتماعية المطروحة في مصر خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب ارتباطه المباشر بحياة ملايين الأسر المصرية، وإنما لأنه يتناول أيضًا ملفًا ظل لعقود طويلة محل جدل مجتمعي وقانوني وقضائي واسع، نتيجة تراكم المشكلات العملية الناتجة عن تعدد النصوص التشريعية، وتغير طبيعة العلاقات الأسرية، وظهور أنماط جديدة من النزاعات لم تعد النصوص القديمة قادرة على استيعابها، أو تقديم حلول عادلة ومتوازنة لها.

ومن ثم، فإن قراءة مشروع القانون يجب ألا تكون قراءة جزئية أو مرتبطة ببعض المواد المثيرة للجدل فقط، وإنما ينبغي النظر إليه كمحاولة لإعادة صياغة فلسفة العدالة الأسرية في مصر، وإعادة التوازن بين الحقوق والواجبات داخل الأسرة، مع الحفاظ على فكرة الاستقرار المجتمعي، باعتبار الأسرة الوحدة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع وفقًا للدستور.

ومن حيث الفلسفة التشريعية، يمكن القول إن المشروع يقوم على عدة مرتكزات رئيسية، أولها الانتقال من فكرة "الفصل القضائي التقليدي" إلى "إدارة النزاع الأسري"، أي أن المشرع لم يعد ينظر إلى قضايا الأسرة كخصومة قانونية مجردة، بل أزمة اجتماعية وإنسانية تحتاج إلى حلول مرنة ومتدرجة قبل الوصول إلى مرحلة الحكم القضائي.

ولهذا اتجه المشروع إلى تعزيز وسائل التسوية الودية ومحاولات الصلح، وتقليل التصادم المباشر بين أطراف النزاع، وهو اتجاه يتفق مع طبيعة العلاقات الأسرية التي لا تحتمل دائمًا الحلول الحادة أو الأحكام الجامدة.

وثانيها، محاولة تحقيق توازن نسبي بين حقوق المرأة وحقوق الرجل وحقوق الطفل، وهي معادلة شديدة التعقيد، لأن أي اختلال في هذا التوازن يؤدي إما إلى شعور أحد الأطراف بالظلم، أو إلى تفكك الأسرة بصورة أكبر.

أما ثالثها، فمنح الطفل مركزًا رئيسيًا داخل فلسفة القانون، بحيث تصبح "المصلحة الفضلى للطفل"، هي المعيار الحاكم في كثير من المسائل المتعلقة بالحضانة والرؤية والاستضافة والولاية التعليمية وغيرها، وهو اتجاه يتماشى مع الاتفاقيات الدولية ومع المبادئ الدستورية الحديثة.

ورغم أن المشروع يتضمن بالفعل العديد من المعالجات المهمة، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل القانون جيد أم سيئ؟ وإنما: هل يستطيع وحده إنهاء الأزمة المتراكمة في ملف الأسرة المصري؟

والإجابة من وجهة نظري أن القانون وحده لا يكفي، لأن أزمة الأسرة في مصر لم تعد أزمة نصوص فقط، بل أصبحت أزمة ثقافة مجتمعية، وأزمة بطء إجراءات، وأزمة تنفيذ أحكام، وأحيانًا أزمة استخدام للقانون ذاته كوسيلة للضغط أو الانتقام المتبادل بين أطراف النزاع.

ولهذا فإن نجاح المشروع مرهون بعدة عوامل موازية، أهمها:

  • وجود قضاء أسري متخصص ومدرب بصورة كافية.

  • تطوير آليات تنفيذ الأحكام.

  • تقليل مدد التقاضي.

  • إنشاء قواعد بيانات رقمية متكاملة للأحكام والنفقات والتنفيذ.

  • تفعيل دور مكاتب التسوية بصورة حقيقية لا شكلية.

  • توفير دعم نفسي واجتماعي للأطفال المتضررين من النزاعات الأسرية.

 

أما عن مدى كفاية النصوص الحالية، فأرى أن المشروع رغم أهميته لا يزال بحاجة إلى بعض الإضافات الجوهرية، وعلى رأسها:

أولًا: ضرورة وجود باب مستقل ومتكامل للأحكام الانتقالية.

وهذه من أخطر النقاط التي قد تُحدث أزمات قضائية واسعة إذا لم تُنظم بدقة، لأن القانون الجديد سيتعامل مع ملايين القضايا والمراكز القانونية القائمة بالفعل.

فمن غير المقبول تشريعيًا أن يصدر قانون بهذا الحجم دون وضع تصور واضح لكيفية التعامل مع:

  1. الأحكام النهائية السابقة.

  2. الأحكام غير النهائية.

  3. الدعاوى المتداولة.

  4. إجراءات التنفيذ القائمة.

  5. الاتفاقات الأسرية السابقة.

  6. أوامر الوقتية والنفقات المؤقتة.

ثانيًا: ضرورة وضع ضوابط أكثر تحديدًا لمسألة الاستضافة والرؤية.

لأن هذه المسألة تمثل أحد أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع، وأي خلل في تنظيمها قد يؤدي إلى صدامات اجتماعية أو إساءة استخدام من بعض الأطراف.

ومن ثم، فإن النصوص يجب أن تكون دقيقة وواضحة فيما يتعلق:

  • بمدة الاستضافة.

  • أماكن التنفيذ.

  • ضمانات إعادة الطفل.

  • حالات المنع أو الإيقاف.

  • الجزاءات عند الامتناع عن التنفيذ.

  • سلطة القاضي في تقدير المصلحة الفضلى للطفل.

ثالثًا: إعادة النظر في بعض الإجراءات المتعلقة بالنفقة.

إذ لا تزال هناك حاجة إلى آليات أسرع وأكثر فاعلية في تنفيذ أحكام النفقة، مع تحقيق توازن يمنع في الوقت ذاته التعسف أو المبالغة أو استغلال النصوص بصورة تؤدي إلى إنهاك أحد الأطراف.

رابعًا: ضرورة النص بصورة أوضح على حماية الحق في الاستقرار النفسي للطفل.

لأن كثيرًا من النزاعات الأسرية الحالية تتحول فيها الحضانة أو الرؤية إلى ساحة صراع نفسي، وهو ما ينعكس بصورة خطيرة على الأطفال، وبالتالي يجب أن تكون هناك فلسفة قانونية واضحة تمنع توظيف الطفل داخل الخصومة الأسرية.

أما عن مدى توافق المشروع مع الدستور، فمن حيث الاتجاه العام، فإن المشروع يتسق مع المواد الدستورية التي تنص على حماية الأسرة والطفولة والأمومة، وضمان التوازن بين الحقوق والواجبات، وكفالة حق التقاضي.

لكن تبقى مسألة في غاية الأهمية، وهي أن التشريعات الأسرية بطبيعتها شديدة الحساسية دستوريًا، لأنها تمس الحقوق الشخصية والمراكز القانونية الخاصة، ولذلك فإن أي غموض في الصياغة قد يفتح الباب مستقبلًا أمام طعون بعدم الدستورية، خاصة في المسائل المتعلقة بالمساواة أو تنفيذ الأحكام أو القيود الإجرائية.

وفيما يتعلق بالأثر الزمني للقانون، فإن القاعدة الدستورية المستقرة تقضي بأن القوانين تسري بأثر مباشر وفوري على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا تسري بأثر رجعي إلا بنص صريح وفي الحدود التي يسمح بها الدستور.

ومن ثم، فإن الأصل أن مشروع قانون الأسرة -حال صدوره- لن يُطبق على الوقائع والمراكز القانونية التي استقرت نهائيًا قبل نفاذه، احترامًا لمبدأ الأمن القانوني واستقرار المراكز القانونية وحجية الأحكام القضائية.

وهنا يجب التفرقة بين عدة حالات:

أولًا: الأحكام النهائية.

الأحكام النهائية التي استنفدت طرق الطعن واكتسبت حجية الأمر المقضي تظل قائمة ومنتجة لآثارها، ولا يجوز إهدارها أو إعادة فتحها بسبب صدور قانون جديد، لأن ذلك يُعد مساسًا خطيرًا بمبدأ استقرار المعاملات وسيادة الأحكام القضائية.

فالحكم النهائي لا يمثل مجرد إجراء قضائي، بل يُنشئ مركزًا قانونيًا مكتملًا ومستقرًا لا يجوز المساس به بتشريع لاحق.

ثانيًا: الأحكام غير النهائية.

أما الأحكام الابتدائية أو الأحكام المطعون عليها، التي لم تكتسب الحجية النهائية بعد، فهنا يثور الجدل حول مدى خضوعها للنصوص الجديدة.

والأصل أن القواعد الإجرائية تسري فورًا على الدعاوى القائمة، بينما القواعد الموضوعية لا تسري إلا على الوقائع اللاحقة لنفاذ القانون، إلا إذا نص المشرع على خلاف ذلك بصورة صريحة ومحددة.

ثالثًا: القضايا المتداولة أمام المحاكم.

الدعاوى التي لا تزال منظورة ولم يُفصل فيها نهائيًا تُعد من أخطر المسائل التطبيقية، لأن غياب النصوص الانتقالية الواضحة قد يؤدي إلى اختلاف المحاكم في تفسير مدى انطباق القانون الجديد عليها.

ولهذا فإنني أرى ضرورة أن يتضمن القانون نصوصًا حاسمة تحدد:

  • ما إذا كانت الدعاوى القائمة ستستمر وفق القانون القديم أم الجديد.

  • كيفية التعامل مع طلبات الرؤية والاستضافة والنفقة القائمة.

  • موقف التنفيذات السابقة.

  • أثر القانون على الأحكام الوقتية.

  • مصير الإجراءات التي بدأت بالفعل قبل صدور القانون.

لأن ترك هذه المسائل للاجتهاد القضائي وحده قد يؤدي إلى تضارب الأحكام وإرباك المنظومة القضائية والأسرية معًا.

وفي تقديري، فإن أخطر ما قد يواجه أي قانون جديد للأسرة ليس النصوص ذاتها، وإنما مرحلة التطبيق العملي.

فالقوانين الأسرية تختلف عن غيرها من التشريعات، لأنها لا تتعامل مع معاملات مالية مجردة، بل مع علاقات إنسانية وعاطفية واجتماعية معقدة، وأي خلل في التطبيق قد يؤدي إلى تفكيك أسر أو تعميق النزاعات بدلًا من حلها.

ولهذا فإن نجاح المشروع يحتاج إلى:

  • قضاء أسري متخصص.

  • تدريب حقيقي للقائمين على التنفيذ.

  • رقمنة الإجراءات.

  • سرعة الفصل في الدعاوى.

  • دعم اجتماعي ونفسي للأطفال.

  • وآليات تنفيذ واقعية وقابلة للتطبيق.

وفي النهاية، أرى أن مشروع قانون الأسرة يمثل خطوة تشريعية مهمة وجادة نحو تطوير منظومة الأحوال الشخصية في مصر، لكنه لا يزال بحاجة إلى حوار مجتمعي وقانوني موسع، لأن استقرار الأسرة لا يتحقق فقط بالنصوص، وإنما يتحقق بقدرة القانون على تحقيق العدالة والتوازن والاستقرار النفسي والاجتماعي لجميع الأطراف، دون إفراط أو تفريط.

  • قاضي سابق، وحاصل على دكتوراه في القانون العام.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة