تشهد الساحة الحقوقية في مصر نقاشًا ساخنًا، بعد خروج مشروعات قوانين الأحوال الشخصية إلى العلن، ولم يكن مشروع قانون الحكومة وحده مصدر الجدل كما كان متوقعًا، إذ امتد السجال إلى دائرة المعارضة، بعد طرح حزب العدل مشروعه، ولا سيما عقب التصريحات الأخيرة التي أطلقتها نائبته فاطمة عادل، التي اتهمت فيها من وصفتهم بالنسويات بالدعوة إلى صياغة مشروع قانون ينحاز للمرأة على حساب مصلحة الأسرة.
وقد أثار مشروع قانون حزب العدل، الذي يراه الحزب يقدم حلولًا عملية لعدد من الإشكاليات المزمنة التي خلّفها قانون الأحوال الشخصية القائم منذ عقود طويلة، جدلًا واسعًا منذ الإعلان عن بنوده، إذ وصفته منظمات نسوية وشخصيات حقوقية بأنه محاولة ترميمية لمنظومة متهالكة، وإعادة إنتاج لأدوات الماضي، ونيل من المكتسبات التي حققتها المرأة المصرية. وزاد هذا الجدل حديث مقدمة المشروع النائبة فاطمة عادل، التي اتهمت النسويات بالرغبة في صدور قانون غير عادل وأكثر انحيازًا للمرأة، داعية إلى الخروج من "قمقم حقوق المرأة".
ولم يكن حديث عادل الأول من نوعه، إذ سبقه في الاتجاه نفسه حوار رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، النائب محمد فؤاد، الذي دافع عن زميلته مطالبًا بالخروج مما وصفه بالتفكير خارج القطيع وعدم فرض الوصاية على أحد.
وفي المقابل، انتقدت منظمات نسوية استخدام ما اعتبرته لغة منحازة ووصمية تجاه المدافعات والمدافعين عن حقوق الإنسان والنسويات، وهي الحقوق التي تُعد حقوق النساء جزءًا أصيلًا منها، كما رفضت تصوير الدفاع عن قضايا النساء باعتباره "سبوبة".
ورأت عدد من المنظمات والشخصيات الموقعة على بيان مشترك، أن هذه الآراء تسهم في شيطنة أي مقترحات تسعى إلى حماية حقوق النساء داخل الأسرة، وتمنح غطاءً اجتماعيًا وسياسيًا للخطابات التي تشجع على العنف وتناهض المساواة وتفرغ مطالب العدالة من مضمونها، في ظل سياق أوسع يشهد محاولات متكررة لفرض صوت واحد على النقاش العام حول قانون الأحوال الشخصية.
"مجرد سوء فهم"!
من جهتها، أوضحت النائبة فاطمة عادل أن تصريحاتها التلفزيونية الأخيرة عبر فضائية "إم بي سي مصر"، أسيء تفسيرها على أنها هجوم على الحركة النسوية المصرية، رغم أنها كانت تتحدث عن قوانين الأسرة والأحوال الشخصية تحديدًا. وأشارت إلى أنها تعمدت استخدام لفظ "بعض النسويات"، لأنها ترى أن هناك من يسعى إلى صياغة القانون على نحو ينحاز للمرأة، بدلًا من الخروج بقانون يحقق مصلحة الجميع من دون تمييز جندري.
ويتضمن مشروع قانون حزب العدل عددًا من البنود الجدلية، من بينها خفض سن الحضانة إلى التاسعة، مع منح القاضي سلطة تقديرية للاستماع إلى الطرفين وتحديد الأنسب للطفل، بدلًا من العمل بنظام التخيير عند بلوغ الأطفال سن الخامسة عشرة. كما أبقى المشروع على المادة الخاصة بطلب الزوجة في بيت الطاعة، وقدم كذلك نظام "الاصطحاب"، الذي يمنح الطرف غير الحاضن الحق في استضافة الطفل ليوم أو يومين أسبوعيًا عوضًا عن نظام الرؤية، مع منح الأب حق الولاية التعليمية على صغاره.
ليبرالي يحرص على الطاعة
وتدافع عادل في حديثها لـ"فكر تاني" عن خفض سن الحضانة إلى تسع سنوات، باعتباره سنًا مناسبًا يستطيع الأطفال فيه تحديد مصيرهم واقتسام سنوات الطفولة بين الأب والأم، مع ترك السلطة التقديرية للقضاة لتحديد الأنسب. وأشارت إلى أن هذه المادة أثارت الجدل رغم حرص الحزب على تحقيق التوازن وعدم الإضرار بحقوق الرجال، في وقت ينص فيه القانون المقدم من الحكومة على إسقاط الحضانة في سن السابعة في حالة الزواج من غير محرم.
كما استحدث مشروع العدل ما وصفته بشرطة الأسرة، وحددت أدوارها في تنفيذ أحكام الاستضافة وتسليم الأطفال وتسلمهم في المواعيد المحددة. ونص هذا البند على عقاب الأب بالحبس لمدة تصل إلى ستة أشهر، وتوقيع غرامة لا تتجاوز 20 ألف جنيه إذا خالف مواعيد تسليم أطفاله، وهو ما أرجعته عادل إلى تكرار وقائع اختطاف الأطفال من الآباء في ظل نظام الرؤية الحالي، مع دمج اقتراح بحرمان الأب من حق الرؤية والاستضافة إذا امتنع عن سداد النفقة.
وكلها اقتراحات تواجه انتقادات من منظمات حقوقية، إذ تتعجب انتصار السعيد، رئيسة مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، من مشروع قانون للأحوال الشخصية تراه "يحافظ على مواد الطاعة والنشوز" يرعاه حزب ليبرالي يضم بين صفوفه قطاعًا من السيدات اللواتي يعانين من أزمات متراكمة تسبب فيها القانون الحالي، قائلة في تصريحات لـ"فكر تاني"، إن الحل ليس في تأنيث القضية، وإنما في الخروج بقانون عادل ومنصف للأسرة بعيدًا عن الانحيازات، في تأكيد منها على أن قانون الأحوال الشخصية ثمرة نضال نسوي.
"لولا دور المنظمات النسوية في طرح ملف الأحوال الشخصية ومناقشة حقوق المرأة الاقتصادية في النفقة والاجتماعية في الولاية، لما وصلنا إلى مرحلة تغيير القانون القائم منذ 1920 حتى الآن"، تقول السعيد، التي تؤكد أن قانون الأحوال الشخصية ثمرة نضال نسوي.
ومع ذلك، تدافع فاطمة عن مشروعها ومشروع العدل، إذ تقول إن "الحزب أبقى على المادة الخاصة بالطاعة في مشروعه مع إلغاء البند الخاص بإنذار الطاعة والإجبار على العيش في مسكن معين، لعدم الاصطدام بمؤسسة الأزهر". وتعتقد فاطمة أن الأزهر قد يعرقل أي مشروع قانون يلغي بند الطاعة بشكل كامل، مشيرة إلى أن الحزب لا يعارض إلغاء هذه المادة بشكل كامل حال حدوث توافق عليها.
وترفض فاطمة عادل تصنيف مشروع قانون حزبها بأنه "رجعي" ينال من مكتسبات المرأة وينصف الرجال على حساب النساء، مؤكدة أن الحزب حاول صياغة مشروع قانون منصف وضع الطفل واستقرار الأسرة في مقدمة أولوياته، ومنح المرأة كثيرًا من الحقوق الاقتصادية بالحصول على النفقة فور وقوع الطلاق، بدلًا من إهدار الوقت في التقاضي، وذلك من خلال تفعيل دور صندوق تأمين الأسرة لضمان صرف النفقات حال تعذر تحصيلها من الزوج، وتخصيص ملف تقاضٍ واحد للنزاعات.
الخلاف الأكبر مع مشروع الحكومة
في المقابل، ترى عزة سليمان، رئيس مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة، التي تتبنى مشروعًا شاملًا لقانون الأحوال الشخصية تعتبره يحقق التوازن بين حقوق النساء والرجال، ويضع المصلحة الفضلى للطفل في صدارة أولوياته، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن اتهام النسويات في هذا التوقيت بمحاولة اختطاف قانون الأحوال الشخصية يعكس عدم المعرفة بالجهد النسوي الذي بُذل على مدار السنوات الماضية لتحريك قوانين الأسرة، في وقت انتقدت فيه إصرار حزب العدل على خفض سن حضانة الأطفال عند التاسعة لما له من أثر سلبي على حياة الأطفال حال زواج الأب أو تولي أسرته رعايتهم.
ولا ترى سليمان في اندلاع هذا السجال مؤشرًا على وجود خلافات عميقة بين المعسكر النسوي والحزبي، وتوضح أن النائبة فاطمة عادل لا تتعمد التقليل من دور الحركة النسوية، لافتة إلى أنها من النائبات اللاتي انخرطن في نقاشات وورش عمل المنظمات النسوية، لكنها تتبنى موقفًا محددًا فيما يخص فترة الحضانة وتفعيل نظام الاصطحاب على وجه الخصوص.
"هذا السجال لا يجب أن يجعلنا نمرر مقترح الحكومة لأنه أكثر محافظة ورجعية، ويعمق الخلافات الأسرية بدلًا من حلها. الدولة تعود بنا إلى الوراء بإسقاط الحضانة في سن السابعة حال زواج الأم أو الأب من غير محرم أو من ديانة مختلفة، إلا في حالة الإعاقة المستعصية رعايتها على غير الأم، وهي نظرة قاصرة للأم"، تضيف سليمان.
ونصت المادة 115 في مشروع القانون المقدم من الحكومة على أن الحضانة للأم ثم للأب ثم للمحارم من النساء، واشترط المشروع في مستحقي الحضانة العقل والبلوغ والأمانة والقدرة على تربية الصغير والسلامة من الأمراض المعدية. وأبقى مشروع القانون الجديد على السن المحددة في القانون القديم، وهي 15 عامًا، يختار بعدها الطفل بين أحد الأبوين، لكنه أسقط الحضانة عن أحد الوالدين في حالة الزواج من غير محرم، وفي حالة الأم إذا كان عمر الطفل أقل من سبع سنوات، أو إذا كان به علة أو إعاقة تجعل حضانته مستعصية على غير الأم.
في المقابل، ركز مشروع القانون الذي طرحته مؤسسة قضايا المرأة على أن يكون الأب في المرتبة الثانية في ترتيب الحضانة بعد الأم مباشرة، وعلى عدم إسقاط حضانة الأم عند زواجها، مع إقرار ولاية مشتركة بعد الطلاق. كما سعى المشروع إلى إقرار تعويض عادل للزوجة وفق مدة الزواج، والمساهمة داخل الأسرة، والضرر الناتج، مع ربط تقدير النفقة بمستوى يضمن الحد الأدنى للمعيشة الكريمة وفقًا للمعايير الاقتصادية الرسمية، ومنها الحد الأدنى للأجور بوصفه مؤشرًا استرشاديًا.
وليس بعيدًا عن هذا السياق، تشير الباحثة النسوية ندى نشأت إلى أن السجال الدائر بين حزب العدل والمنظمات النسوية يخدم في المقام الأول مشروع قانون الحكومة بوصفه أقل رجعية من مقترح الحزب الليبرالي، مضيفة "الحزب جرنا إلى معركة بإيعاز من الحكومة للقبول بقانونها بنظرية نصف العمى أحسن من العمى كله".
وتنتقد نشأت فلسفة مشروع قانون حزب العدل، الذي ترى أنه يكرس وجهة نظر دينية محافظة ويفتقر إلى المساواة القانونية، وتقول "أين هي فلسفة القانون في مادة بيت الطاعة وخفض سن الحضانة، وكيف سيكون الطفل قادرًا على التمييز بين استكمال حياته مع الأب أو الأم في سن التاسعة، وهو سن يحتاج إلى رعاية كاملة تعليمية وصحية ونفسية؟".
وتمضي نشأت إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ تعتبر تصدر حزب العدل المشهد في قانون الأحوال الشخصية أمرًا غير منفصل عن محاولات الحكومة لإفساح المجال لهذا الحزب لقيادة أحزاب المعارضة بتمثيل برلماني متوازن وحضور أكثر فاعلية في الساحة النيابية والسياسية بعد خفوت نجم الحزب المصري الديمقراطي، باعتباره أكبر الأحزاب المحسوبة على تيار المعارضة. وفي المقابل، ترى نائبة العدل فاطمة عادل أن حزبها يتعرض لحملة تربص واضحة ترافق نشاط نوابه وبرامجه الانتخابية وخطابه السياسي.