الرقابة الغائبة.. حين تتحول المصانع والطرق إلى مقابر عمالية

خرجت "مريم" من بيتها مُبكرًا، تحمل آمالًا بسيطة وخططًا صغيرة، تظن أنها كفيلة بأن تغيّر شيئًا من واقعها. فتاة في الثانوية العامة، اقتربت امتحاناتها، مصروفات الدروس والمراجعات النهائية تُرهق أسرتها، فقررت أن تتحمل جزءًا من المسؤولية، لتخفيف العبء عن والدها، فاختارت أن تعمل في مصنع أحذية برفقة صديقاتها، على أمل أن تعود في نهاية يومها الأول بما يساعدها على استكمال طريقها، لكنها عادت جثة هامدة، بعدما التهمتها النيران داخل مصنع غير مرخص بمنطقة الزاوية الحمراء، لتكون واحدة من بين سبع فتيات في عمر الزهور فارقن الحياة فجأة.

لم تكن مريم جمعة الأولى، ولن تكون الأخيرة. فهي حلقة في سلسلة ممتدة من الحوادث التي تلاحق العمال يومًا بعد يوم، إذ يخرجون بحثًا عن لقمة العيش، ويعود بعضهم جثثًا إلى ذويهم. يدفعون وحدهم ثمن الإهمال، دون تعويض حقيقي، خاصة حين يكون الضحية هو العائل الوحيد لأسرته.

بين حوادث طرق وحرائق وغيرها، تتكرر المأساة، وتتشابه تفاصيلها، بينما تغيب الحلول الجذرية، وتظل الخطط القادرة على حماية هؤلاء البسطاء حبرًا على ورق، واقع لا يملك فيه الضحايا سوى خيار واحد وهو "الخروج كل يوم بحثًا عن الرزق، مهما كان الثمن".

يوضح الرسم البياني التالي أعداد ضحايا حوادث العمل خلال عام 2025، حيث سجلت ذروة الوفيات في شهري (مايو ويوليو) بنحو 48 وفاة، في حوادث الطرق ونشاط قطاعي الزراعة والتشييد. بينما شهد شهر أغسطس أعلى معدل للإصابات بواقع 165 إصابة. 

وتبرز "كارثة مصنع المحلة" في سبتمبر كإحدى أكثر الوقائع مأساوية بـ 17 وفاة، مما يعكس بوضوح العلاقة الطردية بين غياب الرقابة المهنية وارتفاع تكلفة الخسائر البشرية في القطاعات الصناعية والزراعية على حد سواء.

يرى شعبان خليفة، رئيس نقابة العاملين بالقطاع الخاص، أن حوادث الطرق، وحريق المخزن الذي أدى لاستشهاد 7 فتيات، كلها ناتجة عن إهمال وتراجع رقابي حكومي ممنهج، قائلًا: "قانوناً، العامل منذ خروجه من بيته حتى وصوله لعمله، أي حادث يقع له يعتبر إصابة عمل، لكن أصحاب الأعمال يتحايلون ولا يبلغون لتضييع حقوق العمال".

ويضيف: "الدولة صرفت مليارات وكبدتنا ديوناً داخلية وخارجية بمليارات الدولارات على الطرق، ومع ذلك الحوادث مستمرة بسبب الإهمال في الإنشاءات وتأمين بيئة العمل"، لافتًا إلى أنه من المفترض أن يوفر أي مصنع وسيلة نقل مؤمنة، لكن هذا لا يحدث لغياب تفتيش وزارتي العمل والداخلية. بحسب حديثه لـ"فكر تاني".

قوانين مع إيقاف التنفيذ 

تنص المادة (256) من قانون العمل على أن تلتزم الجهة الإدارية المختصة (وزارة العمل) بتشكيل جهاز متخصص يسمى (جهاز تفتيش السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل)، للتفتيش على المنشآت ومراقبة تنفيذ أحكام السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل على أن يكون التفتيش على فترات دورية مناسبة.

وتنص المادة (257) على: "على الجهة الإدارية المختصة (وزارة العمل) بناءً على تقرير جهاز تفتيش السلامة والصحة المهنية وتأمين بيئة العمل الأمر بإغلاق المنشأة كلياً أو جزئياً، أو إيقاف آلة، أو أكثر، وذلك في حالة وجود خطر يهدد سلامة المنشأة، أو صحة العمال والمترددين، أو سلامة بيئة العمل حتى زوال أسباب الخطر، مع عدم الإخلال بحق العاملين في تقاضي أجورهم".

وأوضح "خليفة": أن الكارثة الكبرى هي فساد المحليات، مستشهدًا بالحادثة الأخيرة لحريق مصنع الأحذية، قائلًا: "صاحب العمل يقول إنه مخزن للتهرب من الضرائب والصحة والتأمينات، وقفل الباب على البنات بـ "جنزير وقفل" حتى لا يراه أحد، ومن المتعارف أن المخزن يوجد به عامل أو اثنين وليس سبع فتيات يعملن على ماكينات، وبالتالي هذا مصنع وليس مخزن، كيف دخل له تيار كهربائي ومياه وغاز وهو غير مرخص؟ الحي والبلدية ومفتشو وزارة العمل والدفاع المدني كلهم مسؤولون".

الاستغاثة الأخيرة

"الحقيني يا ماما بنموت.. المصنع بيولع" كانت هذه آخر صرخة خرجت من "مريم" حين اتصلت بوالدتها تستغيث بصوت يرتجف بالبكاء، بعد أن اشتعلت النيران في كل مكان، هرولت الأسرة إلى مكان الحادث على أمل انقاذ ابنتهم ، لكنها تحولت لجثة في ثوانِ معدودة تعرفت عليها الأم في مستشفى المطرية قبل نقل الجثامين إلى مشرحة مستشفى الزيتون التخصصي، بحسب حسام ابن خالة الضحية لـ"فكر تاني".

شن "شعبان" هجومًا على الأجهزة الرقابية عقب هذا الحادث، قائلًا: "المنظومة كلها فاسدة، والضحية هو المواطن البسيط اللي عاوز ياكل عيش"، مشيرًا إلى أن الاكتفاء بصرف تعويضات مالية هو استغلال لحاجة الناس وتستر على الجريمة الحقيقية، مؤكدًا أن تكرار الكوارث من حادثة معدية المنوفية إلى حرائق مصانع فيصل والزاوية الحمراء وغيرها، يستوجب وقفة حازمة مع "سرطان الفساد" الذي استشرى في جسد المحليات، مطالبًا بتشريعات صارمة ورقابة لا تعرف المحسوبية لحماية أرواح المواطنين البسطاء الذين يدفعون حياتهم ثمناً للقمة العيش.

يكشف الرسم البياني التالي عن زيادة مخيفة في عدد الانتهاكات التي تعرّض لها العمال خلال السنوات الخمس الأخيرة. حيث قفزت بشكل مفاجئ وكبير في عام 2024، واستمرت في الارتفاع حتى وصلت لأكثر من 67 ألف انتهاك في عام 2025.

ينص قانون العمل في مواده (246 إلى 249) بتوفير وسائل السلامة والصحة المهنية، وتأمين بيئة العمل في أماكن العمل، بما يكفل الوقاية من المخاطر الفيزيائية، والهندسية، والبيولوجية، والكيميائية.. وفي المادة (251) ينص القانون على الأخص على أن تلتزم المنشأة، وفروعها باتخاذ الاحتياطات والاشتراطات اللازمة للوقاية من مخاطر الحريق، طبقاً لما تحدده الجهة المختصة بوزارة الداخلية (كود الحرائق).

وفي المادة (253) ينص القانون على أن تلتزم المنشأة وفروعها بإبلاغ الجهة الإدارية المختصة (وزارة العمل) بخطط الطوارئ، وبأي تعديلات تطرأ عليها، وكذلك في حالة تخزين مواد خطرة أو استخدامها. 

كما تنص المادة (271)، على أن يلتزم من يستخدم عمالاً في أماكن لا تصل إليها وسائل المواصلات العادية أن يوفر لهم وسائل الانتقال المناسبة على نفقته الخاصة.

"وبطبيعة الحال العربات "النصف نقل"، والربع نقل، والميكروباصات المُحملة بأكثر من عشرين عاملاً أو عاملة ليست وسيلة انتقال مناسبة أو آمنة" بحسب المحامية رحمة رفعت، مؤكدة أنها وسائل يلجأ لها العمال لاستخدامها للتنقل إلى أماكن عملهم على نفقتهم الخاصة لعدم توفر وسائل مواصلات آمنة لهم.

وتشير لـ"فكر تاني"، أن حوادث الطرق غالبًا ما تحدث للعمالة غير المنتظمة، والكثير من هؤلاء نساء، وفتيات، وأطفال أي أنها عمالة هشة اجتماعيًا ولا تتمتع بأي حماية أو حقوق، وقد أشارت بعض الأبحاث والدراسات إلى أن الأطفال الذين يعملون في القطاع الزراعي هم أكثر ضحايا الطرق غير الممهدة وغير الآمنة".

ولفتت "رحمة" إلى أن ملف السلامة والصحة المهنية في مصر يواجه أزمة حادة تتمثل في "غياب التفتيش الدوري" وشبه التوقف في تطبيق القانون، مما حوّل العديد من المنشآت الصناعية إلى فخاخ قاتلة، وهو ما جسدته فاجعتا شهر أبريل الماضي، حيث لقي 9 عمال مصرعهم في حريق مصنع ملابس بـ "سرايا القبة" تبيّن أنه مخالف وبدون مخارج للطوارئ، تلاه حريق "الزاوية الحمراء" الذي أودى بحياة 7 فتيات في بيئة عمل تفتقر لأدنى اشتراطات الوقاية. 

يوافقها الرأي، مجدي البدوي، نائب رئيس اتحاد عمال مصر،  مؤكدًا أن غياب إجراءات السلامة والصحة المهنية في المنشآت الصناعية غير المرخصة، والمعروفة بـ "مصانع بير السلم"، يمثل القنبلة الموقوتة التي تهدد حياة العمال، مشددًا على ضرورة وجود تحرك تنسيقي أوسع يضم كافة أجهزة الدولة لمواجهة هذه الظاهرة.

من المسؤول؟

وأوضح مجدي، أن مسؤولية تأمين بيئة العمل لا تقع على عاتق وزارة العمل بمفردها، بل تمتد لتشمل المحافظات والوزارات والمحليات. وفيما يخص العمالة غير المنتظمة، أشار مجدي إلى أن الدولة أقرت "قوانين الستر الاجتماعي" من خلال التأمين الصحي والاجتماعي الشامل، حيث تتحمل الدولة الأعباء المالية عن العمال غير القادرين. إلا أنه لفت إلى وجود "أزمة ثقة" ومخاوف لدى العمال من التسجيل الرسمي، خوفًا من الضرائب أو الملاحقات الإدارية، فضلاً عن ضعف الوعي بهذه الحقوق.

ماذا يقدم الاتحاد للعمال؟

وعن دور اتحاد عمال مصر، أكد أن دوره "دفاعي" بالأساس، حيث يختص بحماية حقوق العمال المادية والإدارية، بينما تظل سلطة (التفتيش) الضبطية من اختصاص وزارة العمل وحدها بنص القانون. مضيفًا،، أن الاتحاد يتلقى شكاوى يومية بخصوص النزاعات العمالية، ويقوم بالتنسيق مع الجهات المعنية لتشديد الرقابة في حال وجود مخاطر تهدد السلامة المهنية.

بينما أوضح، حسين المصري، ناشط عمالي ومنسق برنامج التدريب بدار الخدمات النقابية والعمالية، أن حوادث العمال المتكررة، سواء في الطرقات أو داخل الورش والمصانع، ليست مجرد "قضاء وقدر"، بل هي نتيجة لتقاعس رقابي حكومي ممنهج واستغلال من أصحاب الأعمال.

كيف تؤدي وسائل النقل إلى الموت؟

وأشار لـ"فكر تاني"، إلى أن آلاف العمال يُساقون يوميًا عبر وسائل نقل غير آدمية، حيث تُستخدم "التروسيكلات والجرارات الزراعية وسيارات النصف نقل" لنقل العمالة تحت سمع وبصر لجان المرور ونقاط التفتيش على الطرق السريعة دون تحرك، ما يؤدي إلى كوارث مرورية متكررة تسفر عن وفيات وإصابات بالجملة.

وأكد  أن منشآت "بير السلم" تعمل في معزل تام عن رقابة وزارة العمل، لافتًا إلى أن تحويل المخازن المكدسة بالمواد سريعة الاشتعال إلى ورش تصنيع يمثل جريمة قانونية، مشيراً إلى أن غياب أدوات الإطفاء وتجاهل مفتشي الوزارة لهذه الأماكن يحولها إلى "مصائد موت" للعمال، خاصة أن العقوبات المقررة حاليًا مضحكة ولا تتجاوز 50 جنيهًا للمخالفة.

ويشير "المصري"، إلى أن وزارة العمل تضع عراقيل إدارية أمام تأسيس نقابات مستقلة تدافع عن أرواح العمال، حيث تنتظر بعض اللجان النقابية الموافقة منذ سنوات، مشدداً على أن وجود نقابة حقيقية هو الضمانة الوحيدة لمراقبة بيئة العمل وإجبار أصحاب الأعمال على توفير مهمات الوقاية.

"مريم" لم تكمل عامها الثامن عشر، وكانت تحلم باليوم الذي تبدأ فيه دراستها الجامعية، للحصول على شهادة توفر لها فرصة عمل آمنة ومستقبل أفضل، لكن النيران التهمت أحلامها كما التهمت جسدها الصغير، بعد أن قامت المشرفة في المكان بغلق الباب من الداخل بجنزير، مما حول المكان إلى سجن قابل للاشتعال دون إغاثة، بحسب "ابن خالتها"، مشيرًا إلى أن العاملات القدامى سبق وحذرن من وجود ماس كهربائي، إلا أن الإدارة تجاهلت الأمر.

خلف كل حادث أو حريق يلتهم الأرواح، يقف العمال في مواجهة الموت وحدهم، وسط تقصير رقابي، وانتشار واسع لمصانع "بير السلم" أو غير مرخصة، لتبقى النتيجة النهائية أرواحاً تُزهق وثمنًا باهظًا يُدفع بسبب إهمال لا تعالجه محاضر التحقيق أو تعويضات زهيدة مصحوبة ببيانات وقرارات تخرج دائمًا بعد فوات الآوان وتظل حبر على ورق حتى تأتي الحادثة التالية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة