في الوقت الذي أعلنت فيه شركة أمون للأدوية عن تحقيق نمو في المبيعات خلال آخر خمس سنوات بنسبة 18%، انعكس على ما حققته في عام 2025 ليبلغ 9.8 مليار جنيه، كان هناك نمو من نوع آخر يدفع أكثر من 2000 عامل للإضراب عن العمل ووقف خطوط الإنتاج منذ الخميس الماضي وحتى الآن، احتجاجًا على ضعف الرواتب وتأخر صرف الأرباح السنوية.
"أمون للأدوية" شركة مساهمة مصرية أُنشئت عام 1998 ويقع مصنعها بمدينة العبور، حيث تنتج أكثر من 230 مستحضرًا دوائيًا. وقد استحوذت عليها شركة أبو ظبي القابضة (ADQ) في عام 2021 في صفقة بلغت قيمتها 740 مليون دولار، قبل أن تطلق الشركة الإماراتية كيانًا جديدًا باسم "أرسيرا" ليجمع تحت مظلته الأصول التي تملكها في مجال تصنيع الدواء، ومن بينها شركة أمون.
النمو والأرباح والمبيعات المنشورة بالصحف وعلى موقع الشركة الرسمي، هي ذاتها التي طالب بها مئات العاملين الذين تجمعوا داخل المصنع مرددين هتافات غاضبة، بينما لم يبد إضرابهم مجرد تعبير عن غضب لحظي، وإنما بدا وكأنه انفجار مؤجل بسبب ضغوط اقتصادية متراكمة وأوضاع غير عادلة داخل أروقة العمل، إلى جانب فجوة واضحة بين مكاسب الشركة ومرتبات العاملين التي وصل بعضها إلى 3200 جنيه، وهو رقم يقل عن نصف الحد الأدنى للأجور الذي حددته الحكومة، إذ رفعت الدولة هذا الحد في أبريل الحالي من 7 آلاف إلى 8 آلاف جنيه ليُطبق في يوليو المقبل.
ويروي أحد العاملين لـ"فكر تاني"، طالبًا عدم ذكر اسمه، تفاصيل المعاناة، قائلًا "بقالنا سنين بنطالب بزيادة في المرتبات وكل مرة يتقال لنا اصبروا. بس لحد إمتي؟ إحنا مش بنطلب رفاهية إحنا عايزين نعيش". مضيفًا أن الأزمة لا تتعلق فقط بضعف الرواتب، وإنما تمتد إلى شعور عميق بانعدام الأمان الوظيفي، معبرًا عن ذلك بقوله "بقينا مهددين نسيب شغلنا من غير أي حقوق"، واصفًا هذا الشعور بأنه بات مشتركًا بين قطاعات واسعة داخل الشركة ولا يقتصر على حالات فردية معزولة.
وبحسب إفادات العمال، فإن 70% منهم لا يتجاوز أجرهم 7 آلاف جنيه، ويصل بعد خصم المستقطعات التأمينية والضريبية إلى 6 آلاف جنيه تقريبًا، بينما لا يتجاوز دخل النسبة المتبقية البالغة 30% حاجز 3200 جنيه، مشيرين كذلك إلى تجميد الترقيات منذ أكثر من 6 سنوات، فضلًا عن غياب الزيادات الدورية التي تتماشى مع معدلات التضخم المتسارعة.
ويقول عامل آخر، تحفظ على ذكر اسمه أيضًا، إن آخر علاوة لغلاء المعيشة حصل عليها تعود إلى عام 2018، ورغم صدور عدة قرارات حكومية بزيادة الحد الأدنى للأجور خلال السنوات الماضية، لم تشهد أجورهم أي ارتفاع يذكر. ويصف العامل هذا الوضع بغير المفهوم في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل غير مسبوق، حيث لم تعد الرواتب الحالية قادرة على تغطية الاحتياجات الأساسية من سكن وغذاء ومواصلات، مما يدفع بعضهم للعمل لساعات إضافية داخل المصنع أو البحث عن مصادر دخل بديلة، في حين يلجأ آخرون إلى تقليص نفقاتهم الأساسية، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة حياتهم.

ومما يزيد من حالة الاحتقان، وعود قيادات الشركة الأم "أرسيرا" في عام 2022 بإعادة النظر في الرواتب ومراجعة هيكل الأجور داخل شركاتها التابعة، وهي وعود لم تُنفذ حتى اللحظة مع استمرار التفاوت الملحوظ بين رواتب العاملين في "أمون" ونظرائهم في الكيانات المماثلة التابعة لنفس الإدارة. ويعبر أحد العمال عن هذا التفاوت قائلًا "في شركات تانية بيعملوا نفس الشغل وبيقبضوا ضعف مرتبنا"، مما يعزز الشعور بالتمييز وغياب المساواة.
ولا يتوقف الأمر عند ضعف المردود المادي، وإنما يشمل ممارسات التضييق والتهديد لكل من يطالب بحقوقه، حيث غادر أكثر من 35 موظفًا مواقعهم بعد تعرضهم لتهديدات بالعقاب أو دفعهم لتقديم استقالاتهم في إجراء يشبه الإقالة الإجبارية. ويتزامن ذلك مع قيام الشركة بتحديث أسطول سيارات الإدارة ليضم طرازات فارهة من مرسيدس وبي إم دبليو وتويوتا لاند كروزر، في وقت يفتقر فيه العمال لأي زيادات حقيقية منذ سنوات.
وأمام هذا المشهد، قدم العمال لمجلس الإدارة سبعة مطالب رئيسية لإنهاء الإضراب، حصلت "فكر تاني" على نسخة منها، وتتضمن تعديل الرواتب الأساسية بزيادتها بنسبة 30% وإقرار زيادة سنوية لا تقل عن 20%، إلى جانب إعادة هيكلة إدارة الشركة، وصرف الأرباح المتأخرة واحتسابها على أساس آخر راتب أساسي وليس على أساس عام 2016.
كما شملت المطالب إعادة النظر في بدل الوردية البالغ 35 جنيهًا، وترشيد نفقات الرفاهية الخاصة بمجلس الإدارة، وتوجيه جزء من موارد الشركة لدعم حقوق العاملين.
وقد حاولت "فكر تاني" التواصل مع الدكتور محمد حشمت، رئيس مجلس الإدارة ورئيس "أرسيرا مصر"، لكنه لم يتجاوب مع الأسئلة المطروحة عن الإضراب، كما التزمت إدارة العلاقات العامة بالصمت المماثل.
ليست حالات استثنائية
وفي مفارقة لافتة، استقبل الدكتور محمد حشمت، في مارس الماضي كلًا من المهندس خالد هاشم وزير الصناعة، والدكتور حسام عبد الفتاح، محافظ القليوبية، في جولة تفقدية لمصنع أمون للأدوية، وخلالها استعرض مسيرة التطور باستثمارات بلغت 9 مليارات جنيه وطاقة إنتاجية تلامس 333 مليون عبوة سنويًا، إلى جانب صادرات وصلت إلى 850 مليون جنيه خلال عام 2025 وتوفير 2700 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة. غير أنه من المؤكد لم يُطلع الوزير والمحافظ على امتناع الشركة عن تطبيق الحد الأدنى للأجور، وهو السبب الجوهري الذي دفع آلاف العمال للاحتجاج والإضراب لاحقًا.
وتعليقًا على هذا الوضع، توضح رحمة رفعت، المحامية العمالية ومنسقة البرامج بدار الخدمات النقابية والعمالية، أن عدم تطبيق الحد الأدنى للأجور يُعد خروجًا صريحًا على نص المادة 104 من قانون العمل رقم 14 لسنة 2025.
وتضيف، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أنه كان لزامًا على وزارة العمل، وفقًا للمادة 105 من التشريع ذاته، التدخل وتحرير محضر مخالفة للشركة وإحالته لمحكمة الجنح، قبل أن يضطر العمال لاستخدام حقهم في الإضراب المكفول قانونًا للمطالبة بحقوقهم. مشددة على أن تأخير صرف الأجور يمثل تجاوزًا إضافيًا في سجل الانتهاكات، مشددة على أن دور مديرية العمل يتمثل في التفتيش الدوري والتدخل الفوري لإلزام الإدارة بتطبيق أحكام القانون دون انتظار تقديم شكاوى رسمية.
وترى رفعت أن الأزمة متشعبة، فغياب الزيادات لثلاث سنوات يحرم العمال من العلاوات الدورية المقررة، مما يضعف دخلهم الحقيقي أمام التضخم، في حين تمتنع العديد من الشركات عن التفاوض الجماعي الحقيقي وتلجأ للإجراءات التعسفية، وهو ما يتطلب تدخلًا حاسمًا من الجهة الإدارية لحث الأطراف على التفاوض وحل المشكلات قبل تفاقمها.
ويشير الباحث العمالي وائل توفيق، إلى أن تأثير الإضراب لا يمكن فصله عن السياق السياسي والاقتصادي الأوسع، فالإضراب يمثل اللحظة التي يدرك فيها العامل قوته الحقيقية كفاعل أساسي في دائرة الإنتاج، إذ تفقد المعدات والاستثمارات قيمتها دون الجهد البشري.
ويوضح، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن تعطل خطوط الإنتاج في كيان بحجم "آمون" سيؤدي إلى تأخير عمليات التوريد وربما خسارة عقود تجارية كبيرة، وتلك الخسارة تشكل وسيلة الضغط المشروعة الأساسية المتاحة للعمال لفرض تفاوض جاد حول حقوقهم، وهو حق تؤكده المواقف الدولية والدساتير. متوقعًا مسارات محتملة في حال استمرار الأزمة، فإما أن تضطر الإدارة تحت وطأة الخسائر لتقديم تنازلات ووعود جزئية لاحتواء الموقف وإعادة التشغيل، أو أن تصعد من جانبها عبر التهديد المباشر بالفصل الجماعي وتغيير العمالة واستدعاء التدخل الإداري لكسر الإضراب، مما قد يؤدي لصدام طويل الأمد يستنزف الطرفين ويكون قاسيًا عليهما. ويؤكد أن ما يجري ليس مجرد سوء إدارة عابر، وإنما هو مزيج من تدهور إداري واضح ومحاولة منظمة لتحميل العمال تكلفة الأزمات الاقتصادية، معتبرًا أن إحلال المكافآت المؤقتة محل الزيادات الحقيقية والمستدامة يعكس استراتيجية منهجية لحماية مرونة الاستثمارات على حساب استقرار الدخل العمالي.
وتتفق رحمة رفعت مع هذا الطرح في نهاية حديثها، محذرة من التعاطي مع القضية كحالة استثنائية أو فردية، قائلة إن أحداث "آمون" تجسد نمطًا أوسع تتسع فيه الفجوة باستمرار بين الأجور الحقيقية وتكاليف المعيشة المتصاعدة. ويرافق ذلك استخدام أدوات إدارية وقانونية غير مرنة لتفتيت الحقوق، والاعتماد على أشكال غير مستقرة من التعويض عوضًا عن الأجر الثابت، فضلًا عن الضعف المنهجي في آليات التفاوض الجماعي المستقل، مما يخلق أرضًا خصبة لهذه الأزمات تحت وطأة ضغط اقتصادي صعب وتضخم يلتهم الدخول.
ويختتم الباحث الاقتصادي والحقوقي مجدي عبد الفتاح قراءته للمشهد، لافتًا إلى ضرورة وضع أزمة الإضراب في إطارها الصحيح المرتبط بالتحديات الهيكلية لقطاع الدواء المصري، والذي يعتمد بنسبة 90% على استيراد المواد الخام من الصين والهند، مما يعرضه مباشرة لتقلبات أسعار الصرف وتكاليف الشحن. ومع كل هذه التحديات، يرى عبد الفتاح، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إن أزمة إضراب "آمون" تظل عابرة وقابلة للحل، مؤكدًا أن الفجوة الشاسعة بين استثمارات الشركة التي تصل إلى 9 مليارات جنيه ومستحقات العمال المتجمدة منذ سنوات، يمكن سدها وتجاوزها ببساطة عبر جلسة تفاوض واحدة.
ابنتنا العزيزة الصحفية المنحرفة للطبقة العاملة... نبارك عودتك الحميدة
تحقيق صادق وصريح... تمنياتنا بالانتصار دوما للعمال
شكرا يا استاذنا ربنا ما يحرمني من حضرتك ودعمك يارب