السنتيمتر بـ 2647 جنيهًا.. المدن الجديدة لمن يملك الدولار

غيّرت الكثير من المشروعات العقارية المصرية دفتها حاليًا نحو الخارج، مستهدفة المغتربين المصريين والأجانب الباحثين عن أماكن بديلة للسكن تحت لافتة براقة تُدعى "تصدير العقار"، خصوصًا مع تراجع رغبة المشتري المحلي أو افتقاره للملاءة المالية اللازمة للشراء.

وتُعرّف هذه العملية بأنها جذب للمستثمرين الأجانب أو المصريين بالخارج، لشراء العقارات بالعملة الأجنبية لدعم العملة المحلية وتعزيز الاقتصاد، وهي استراتيجية منتشرة عالميًا في مدن ودول، مثل دبي وتركيا وأثينا، غير أن إشكالية تطبيقها في مصر تكمن في غياب منتج عقاري يخاطب الجمهور المحلي، ويلبي تطلعاته في الوقت ذاته.

وفي هذا السياق، أظهر أحدث تقارير البنك المركزي المصري، أن غير المقيمين من الأجانب والمصريين بالخارج اشتروا عقارات بمبلغ مليار دولار خلال النصف الأول من العام المالي الحالي، بين شهري يوليو وديسمبر من عام 2025، مقابل 732.1 مليون دولار في الفترة ذاتها من العام الماضي، محققين بذلك زيادة قدرها 36.6%.

وتجد فكرة البيع لهذه الفئات هوى كبيرًا لدى المطورين العقاريين، لا سيما وأن هذا الزبون يدفع بالدولار ويسهل مخاطبته في المعارض الدولية، تزامنًا مع ضعف الجنيه الذي يجعل الأصول المصرية ومنها العقار "رخيصة"، إذ يمكن شراء عقار فاخر في مصر بمبلغ يقل عن 200 ألف دولار.

مشروع  "The Spine" .. من يملك الكاش؟

يمثل مشروع The Spine الذي طرحته شركة طلعت مصطفى أخيرًا، مثالًا حيًا على نمط المشروعات التي تسيدت السوق العقارية منذ فترة، حيث يتضمن الطرح الذي أعلنت عنه الشركة بيع وحدة بمساحة 68 مترًا بسعر 264 ألف دولار، وهو ما يقارب 18 مليون جنيه، ليعادل سعر السنتيمتر الواحد 2647 جنيهًا من دون حساب وديعة الصيانة.

ويوضح نموذج التقسيط في هذه الوحدة أنها ليست موجهة لغالبية المصريين في الداخل، إذ يتطلب الأمر دفع 283.1 ألف جنيه كدفعة حجز، تليها بعد ثلاثة أشهر دفعة تعاقد بقيمة 283 ألف جنيه، إلى جانب دفعات شهرية تتراوح بين 28 ألفًا و68 ألف جنيه، فضلًا عن دفعة الصيانة والتأمين، ودفعة أخرى مقررة في عام 2031 بقيمة 577.5 ألف جنيه غير معروفة الماهية حتى الآن.

وتضع الشركة المصريين بالخارج وتحويلاتهم كعنصر محوري في حملتها الدعائية، انطلاقًا من رؤية هذا القطاع للعقار كـ"ملاذ آمن للقيمة" لا يتأثر بالتضخم، وتفضيلهم توجيه المدخرات نحو أصول حقيقية.

وقد اعتمدت الشركات العاملة في السوق المحلية على هذه الفئة والأجانب بشكل أساسي خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يوضحه المهندس أيمن عامر، المدير العام لشركة السادس من أكتوبر للتنمية والاستثمار "سوديك"، التابعة لشركة الدار العقارية الإماراتية وشريكها، الذي يشير إلى أن المصريين العاملين بالخارج والأجانب يستحوذون على نسبة تتراوح بين 30% و35% من إجمالي مبيعات الشركة.


اقرأ أيضًا:"ستارت أب بيزنس" من سلة المهملات.. كيف تدير ربات البيوت اقتصاد الخردة لهزيمة التضخم؟ | فكر تانى

تصميم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

وتوافقت هذه الرؤية مع تصريحات أحمد منصور، الرئيس التنفيذي لشركة كريد، الذي أشار إلى استحواذ مبيعات الخارج على 30% من مجمل المبيعات نتيجة تراجع العملة المحلية، في حين ارتفعت هذه النسبة في شركة أنكور للتنمية العقارية لتصل إلى حوالي 70% وكانت النسبة الأكبر فيها للسعوديين والإماراتيين.

وتكرر المشهد ذاته مع شركة رويال للتطوير العقاري، التي أعلنت أن 60% من مبيعات مشروعها مونارك ذهبت للمصريين العاملين بالخارج والأجانب، كما مثلت هذه الفئة 50% من مجمل مبيعات شركة تطوير مصر خلال تسعة أشهر، متوزعة بين 39% للمصريين المقيمين في الخارج و11% للجنسيات الأخرى.

ووفقًا لمكتب "جي إل إل للاستشارات العقارية"، فقد سجل عام 2025 نموًا في مبيعات الأجانب والمغتربين بنسبة تتراوح بين 20% و25% مقارنة بالعام السابق، وجاءت النسبة الأكبر من دول الخليج بفضل التقارب الثقافي ووحدة اللغة، وسط توقعات باستمرار هذا الزخم مع تدفق استثمارات أجنبية ضخمة إلى مناطق ساحلية مثل مشروع رأس الحكمة.

وأمام هذه الرغبة المتزايدة، دخلت الدولة نفسها حلبة الإسكان الفاخر عبر مشروع ظلال الذي طرحته الحكومة في يناير الماضي، متضمنًا وحدات يتراوح سعر المتر فيها بين 26,900 و34,900 جنيه، حسب المدينة والموقع داخل المشروع، مما يعني أن سعر الشقة بمساحة 100 متر يتراوح بين 2.6 و3.5 مليون جنيه.

الخرسانة تبتلع الاستثمارات

بالعودة إلى مشروع The Spine، أعلن البنك الأهلي أن حصته في المشروع تبلغ 24.5%، وتتضمن حصة نقدية من الإيرادات المستهدفة للمشروع الذي تصل استثماراته إلى 1.4 تريليون جنيه، مما يعني أن البنك بمفرده سيضخ قرابة 343 مليار جنيه، وهو مبلغ شديد الضخامة يفوق إجمالي محفظته المخصصة للمشروعات المتوسطة والصغيرة البالغة 217 مليار جنيه.

ويأتي هذا السلوك المالي استكمالًا لمسار عام 2025 الذي شكلت فيه العقارات النشاط الأفضل للبنك، حيث كشفت قوائمه المالية في العام نفسه عن استحواذ قطاع المقاولات والتطوير العقاري على الكتلة الأكبر من التمويلات، بقيمة ناهزت 30 مليار جنيه، تلاه قطاع النقل والمواصلات بـ 28 مليار جنيه.

ويرى الدكتور رمزي الجرم، الخبير المصرفي، أن استحواذ قطاع البناء والتشييد على أغلب الاستثمارات المحلية على حساب القطاعات الأخرى ذات الأهمية الحيوية كالتكنولوجيا والطاقة المتجددة والمنسوجات والملابس الجاهزة والبتروكيماويات والصناعة التحويلية والزراعة، هو أمر "غير مقبول"، مشيرًا إلى تجاوز هذا القطاع للمعدلات العالمية بأكثر من الضعف عند مستويات تعدت 20% من الناتج المحلي الإجمالي.

ويضيف الجرم، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن مبررات مشروع مثل The Spine المتمثلة في استقطاب عمالة بنحو 155 ألف فرصة عمل وتحقيق حصيلة ضريبية بنحو 800 مليون جنيه، هي ميزات متوفرة بشكل أكبر في قطاعات أخرى، فضلًا عن أهمية زيادة المنتجات التصديرية بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي منها. ويدعم الخبير الاقتصادي هاني توفيق هذه الفكرة بتأكيده أن نمو الطلب على العقارات انخفض من 125% في عام 2024 إلى 10% فقط في عام 2025، مضيفًا أن نسبة الاستثمار العقاري في مصر تمثل 20% من الناتج المحلي مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 10%، مما يدل على وجود "ركود مؤكد يحتم إعادة ترتيب أولويات استخدام مواردنا المحدودة، بدلاً من احتفال حكومة بالكامل بمجرد مشروع عقاري آخر".

طموح عالمي ومدن خفية

في المقابل، يدافع المطورون العقاريون وقطاع من المحللين عن فكرة تصدير العقار باعتباره وسيلة فعالة لجذب العملة الصعبة من الخارج وتعزيز الاحتياطي النقدي، خاصة وأن الدولة تضع نصب عينيها هدفًا بتحقيق حصيلة تصديرية تتجاوز 3 مليارات دولار سنويًا.

وقد أكد مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال اجتماع اللجنة الاستشارية للتنمية العمرانية وتصدير العقار، أن هذا الملف يمثل أولوية للحكومة كونه قاطرة حيوية لدعم الاقتصاد الوطني وجذب العملات الأجنبية. وسعيًا لتحقيق هذه المستهدفات، تقدم الدولة العديد من الضمانات للمستثمرين الأجانب عبر إدراج المدن الجديدة في المنصة الإلكترونية الرسمية لتصدير العقار، وتفعيل قانون الرقم القومي الموحد للعقارات لضمان أعلى مستويات الشفافية والموثوقية، إلى جانب الالتزام بتقديم التسهيلات والمحفزات لتعزيز تنافسية السوق العقارية المصرية على المستويين الإقليمي والعالمي.

ويوضح إيهاب سعيد، محلل أسواق المال، أن مشروع طلعت مصطفى الجديد ليس مشروعًا عقاريًا تقليديًا كباقي المجتمعات المغلقة، واصفًا إياه بأنه "مشروع دولة مختلف بأسلوب استثماري من القطاع الخاص لا يستهدف المصريين أساسًا، وإنما الأجانب والعرب والمصريين بالخارج ذوي الملاءة المرتفعة".

ويشرح سعيد، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن طريقة إنشاء المشروع تعتمد على أسلوب "المنصة" على غرار منطقة "لا دي فانس" في باريس، حيث تكون المنطقة ذات الأبراج الزجاجية الشاهقة خالية من السيارات ومخصصة للمشاة فقط، بينما تمر الطرق المؤدية للجراجات تحت المنصة لتتحرك السيارات في عالم خفي، يمتد لأكثر من طابق وصولًا إلى المنطقة المطلوبة، لتبدو وكأنها مدينة تحت الأرض.


اقرأ أيضًا: وهم الحد الأدنى.. كيف يرتفع الأجر وتتدهور المعيشة؟ | تقرير مدفوع بالبيانات | فكر تانى

تصميم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

ويتوقع محلل أسواق المال أن يشكل المشروع نقلة استثمارية كبيرة لمصر في الأجل الطويل بطابعه الإداري والاستثماري العالمي الذي يجذب الشركات الأجنبية ليصبح مركزًا إقليميًا ينافس دبي والرياض، مع الأخذ في الاعتبار أن نجاح "لا دي فانس" لم يقتصر على العمارات الزجاجية، وإنما اعتمد على توجه دولة لتأسيس مركز إقليمي مدعوم بتسهيلات حكومية تشريعية مستقرة وقوانين استثمار تضمن سهولة حركة رؤوس الأموال وبيئة تنافسية عادلة ومنظومة ضريبية مستقرة. وشدد على أن مجموعة طلعت مصطفى تنفذ البنية التحتية بينما ستتولى الحكومة وضع "نظام التشغيل"، محذرًا من أنه إذا لم يكن هذا النظام مرنًا ومتوافقًا مع المعايير العالمية، فإن المشروع سيتحول إلى مجرد "مدينة تكنولوجية" تفتقر للنجاح الاقتصادي العالمي الذي حققته مدن كبرى مثل هودسون ياردز في نيويورك ونظام المنصات المرتبطة في هونج كونج.

وعلى صعيد التسويق، أشار الدكتور محمد عبد الحميد، عضو مجلس النواب، إلى أن تصدير العقار المصري لا يزال فرصة مهدرة رغم الطفرة العمرانية الكبرى التي تشهدها الدولة، مشددًا على أن غياب استراتيجية تسويقية دولية واضحة وضعف الترويج الخارجي يحولان دون تحقيق عوائد دولارية ضخمة.

وتساءل عبد الحميد، في تصريحات لـ"فكر تاني"، عن خطة الحكومة لتسويق العقار عالميًا وسبب غياب منصة رقمية موحدة تستهدف المستثمرين الأجانب، داعيًا إلى تيسير إجراءات التملك وتنفيذ حملات ترويج احترافية في الأسواق الواعدة لاجتذاب المشترين.

وتقدر جمعية الضرائب المصرية أن تصدير العقار يمكن أن يدر على مصر 20 مليار دولار سنويًا، مطالبة بتقديم تيسيرات إجرائية وضريبية للمنافسة إقليميًا بعد أن فتحت السعودية والإمارات أسواق التملك للأجانب.

ويرى قطاع من المطورين أن اللاجئين في مصر يمثلون فرصة مهمة في سوق تصدير العقار، إذ تشير تقديراتهم إلى وجود 10 ملايين شخص يرغبون في الاستقرار والإقامة ويمتلكون مصادر دخل، كالسودانيين الذين استفادوا بشكل ملحوظ من القفزات الكبيرة في أسعار الذهب.

وتدعم الدولة هذا التوجه عبر منح الإقامة المؤقتة القابلة للتجديد للأجانب طالما ظل العقار بحوزتهم، حيث يحصل المشتري على إقامة لمدة عام عند تملك عقار لا تقل قيمته عن 100 ألف دولار، وترتفع المدة إلى ثلاث سنوات عند شراء عقار بقيمة 200 ألف دولار، لتصل إلى خمس سنوات لمن يشتري عقارًا لا تقل قيمته عن 400 ألف دولار، وصولًا إلى قرار منح الجنسية المصرية لكل شخص يقوم بشراء عقار مملوك للدولة أو لشخصية اعتبارية عامة بقيمة لا تقل عن 500 ألف دولار.

وأمام خريطة الحوافز تلك، يتجاوز مسار تصدير العقار مجرد اجتذاب العملة الصعبة ليصبح اختبارًا حقيقيًا لتوازن الاقتصاد المصري، فتحويل هذا القطاع لرافد مستدام يستوجب بيئة تشريعية وتسويقية تنافسية تتجاوز مجرد تشييد البنية التحتية، بالتزامن مع حتمية إعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية لضمان ألا يطغى الضخ المصرفي الكثيف في العقارات على القطاعات الإنتاجية والتكنولوجية الضامنة لنمو اقتصادي مرن.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة