نزحت إحسان عطا، وهي أم لثلاثة أطفال، إلى القاهرة قبل ثلاث سنوات بعد أن اشتدت المعارك بين قوات الجيش السوداني والدعم السريع في ولاية الخرطوم، حيث كانت تأمل في النجاة بأسرتها من شظايا الحرب، غير أنها تجد نفسها اليوم في مفترق طرق صعب يضعها بين خيار الاستمرار في أوضاع معيشية تتضاءل فيها فرص تأمين الاحتياجات الأساسية، أو العودة إلى وطن مكلوم لا تزال نيران المعارك تأبى التوقف فيه.
عقب وصولها إلى العاصمة المصرية، سلكت إحسان مسار آلاف السودانيين الهارين من جحيم الصراع، عبر التسجيل في المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، رغبة منها في تخفيف أعباء المعيشة وتوثيق وضعها القانوني، ومع ذلك فإن الحال اليوم لم يعد كسابقه في ظل أجواء محتقنة ودعم أممي مهدد بالانهيار، مما جعل الترحيل واحدًا من أسوأ الكوابيس التي تطارد الكثيرين.
وتعبر إحسان عطا عن قلقها البالغ من مستقبلها الغامض في القاهرة، قائلة لـ"فكر تاني"، إن "الوضع يسوء يومًا بعد الآخر، ونحن نتلقى دعمًا محدودًا من المفوضية وبرنامج الغذاء العالمي، لا يتجاوز 50 دولارًا شهريًا، وقد سمعنا أنه قد يتوقف تمامًا، علمًا بأنه لا يكفي إلا لجزء بسيط من إيجار المسكن في منطقة حدائق المعادي الشعبية، ومع نفاد مدخراتنا لا نعلم ماذا يحمل لنا الغد".
وتأتي هذه المخاوف في وقت دقت فيه المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ناقوس الخطر بشأن احتمال توقف برنامج المساعدات النقدية في مصر، نتيجة فجوة تمويلية عالمية قد تطال نحو 20 ألف أسرة لاجئة، تعيل النساء معظمها وتعتمد على هذا الدعم بشكل أساسي، كما تشير البيانات إلى أن أكثر من نصف هذه الأسر فقد الدعم بالفعل بين شهري يناير ومارس من عام 2026، بينما ستواجه الأسر المتبقية المصير ذاته إذا لم تُسد تلك الفجوة التمويلية.
أزمة التمويل وتراجع الحماية الدولية
انخفض متوسط نصيب الفرد المتاح من التمويل، وفقًا لبيانات المفوضية، من 11 دولارًا شهريًا في عام 2022 إلى 4 دولارات فقط في عام 2025، وهو مبلغ لا يغطي سوى جزء محدود من الاحتياجات الضرورية، مما يضطر الأسر إلى تقليص عدد الوجبات أو تخطيها تمامًا، فضلًا عن سحب الأطفال من المدارس وتأجيل العلاج الطبي، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى تفاقم الحالات الصحية وارتفاع كلفة علاجها لاحقًا.
ويأتي السودانيون في مقدمة المتأثرين بهذا التراجع، فمن أصل مليون ومائة ألف لاجئ وطالب لجوء مسجلين لدى المفوضية، يستحوذ السودانيون على نصيب الأسد بنسبة تصل إلى 77٪ يليهم السوريون بنسبة 10٪، وقد ارتفع عدد اللاجئين السودانيين المسجلين بمقدار 14 ضعفًا ليصل إلى أكثر من 846 ألف شخص، مما جعل مصر أكبر دولة مستضيفة للنازحين من السودان، وأكبر دولة تتلقى طلبات لجوء جديدة على مستوى العالم.
وفي سياق هذه المعاناة، خسرت السودانية نرجس كمال، وهي أم لثمانية أبناء، الدعم النقدي والعيني الذي كانت تحصل عليه على مدار 8 سنوات رغم ضآلته، وذلك بعد إبلاغها في فبراير الماضي بوقف منظمة كاريتاس، الشريك التنفيذي للمفوضية، خدماتها في مصر بشكل نهائي.
تقيم نرجس، في حي أرض اللواء الشعبي بمحافظة الجيزة، وتدفع 4500 جنيه مصري شهريًا مقابل السكن، وكان الدعم الأممي يغطي نصف هذا المبلغ على الأقل، مما اضطرها في العام الأخير إلى سحب أربعة من أطفالها من المدارس السودانية وإرسالهم لتلقي حصص تعليمية في إحدى الأكاديميات التي تتكفل برعاية أبناء الجالية بالمجان.
وتستعرض نرجس فصول قصتها المأساوية، في حديثها لـ"فكر تاني"، موضحة أنها هاجرت إلى مصر في عام 2018 بسبب خلافات أسرية، وقد امتلكت حضانة تعليمية لفترة قبل أن تضطر لإغلاقها العام الماضي إثر تضييقات أمنية استهدفت تقنين الأوضاع القانونية للوافدين، في حين يعاني زوجها العامل في مجال المعمار من أزمة مشابهة، بسبب وضعه على قوائم تجديد الإقامات، وتضيف نرجس بأسى إن "مصادر الدخل بدأت تتلاشى تدريجيًا، فالدعم الأممي كان لا يكفي إلا جزءًا بسيطًا وعملي الخاص توقف، وأبنائي اليافعون يعملون بدوام جزئي ويخشون من الترحيل المفاجئ، ولا يبقى لنا إلا أموال ترسل من وقت لآخر من ابني في بريطانيا وأمي في السودان".
تصاعد الخطاب الإعلامي والمخاوف الأمنية
تتابع إحسان عطا بقلق، ما ينشر على السوشيال ميديا من دعوات لطرد اللاجئين بدعوى زيادة الكلفة الاقتصادية، وتخشى أن تطالها حملات الترحيل، التي تشير منظمات حقوقية إلى أنها استهدفت مجتمعات اللاجئين السودانيين والسوريين، قائلة إن "وضعي قانوني كوني مسجلة بمفوضية اللاجئين وأحمل الكارت الأصفر، لكن هذا لا يمنع ترحيلي في أي وقت مثلما حدث مع آخرين أوقفوا وأجبروا على العودة، فالأجواء اليوم ملبدة وتسمح بحدوث أي شيء". وعلى نقيض ذلك، لا تبدي نرجس كمال انزعاجًا من الأصوات الإعلامية المطالبة بالترحيل، حيث ترى أن المسؤولية تقع على عاتق الحكومة لتوضيح صورة اللاجئين للرأي العام، وإطلاق حملات توعية تنبذ خطاب الكراهية، وهي تدير ظهرها لهذه الحملات مؤمنة بأن المعاملة الجيدة والسلوك المستقيم يمثلان حصانة لأي مقيم، مع ضرورة تفهم المصريين أن السوداني لا يقاسمهم رزقهم.
وفي خضم هذه التطورات، يرى إبراهيم عز الدين، منسق الجالية السودانية بحي العاشر من رمضان، أن توقف المساعدات وتشديد الحملات الأمنية سيدفع الكثيرين لمغادرة البلاد قريبًا خشية الترحيل وتدهور المعيشة، وهو ينصح اللاجئين الذين دخلوا بطريقة غير شرعية بالعودة إلى الولايات السودانية التي لم تتأثر بالحرب، مبينًا أن الحياة في مصر باتت بالغة الصعوبة خاصة للنساء المعيلات والطلاب. ورغم زيادة رحلات العودة الطوعية المنسقة بين الخرطوم والقاهرة، إلا أن عز الدين يشير، في تصريحاته إلى "فكر تاني"، إلى وجود حالات لم تستطع تحمل الحياة في السودان وعادت إلى مصر مجددًا بطريقة غير شرعية بسبب غياب الخدمات ودمار البنية التحتية، وهو يثمن دور الحكومة المصرية في استيعاب الآلاف لكنه يطالب بمراعاة أوضاع الأسر التي فشلت في تقنين أوضاعها بسبب تراكم الطلبات، ملقيًا اللوم الأساسي على المنظمات الدولية لفشلها في توفير مظلة حماية كافية.
أبعاد اقتصادية وسياسات دولية
تزامن هذا السجال مع انتقادات إعلامية وجهت لمبادرة "حياة كريمة"، بعد إعلان شراكتها مع مفوضية اللاجئين لدمجهم في برامج التمكين الاقتصادي، حيث اعتبر البعض أن المصريين أولى بهذه الخدمات، لكن المؤسسة قالت إن هذه البرامج ممولة بالكامل من منح دولية، ولا تمس تبرعات المصريين، وأن هدفها تخفيف العبء عن الدولة المصرية بشكل مؤقت.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن وجود 10 ملايين وافد بتكلفة سنوية تتجاوز 10 مليارات دولار، يرى حقوقيون أن هذا الخطاب يهدف للضغط على المجتمع الدولي لزيادة المخصصات المالية، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي اتفق مع مصر في مارس 2024 على حزمة مساعدات بقيمة 7.4 مليار يورو، تشمل قروضًا ومبالغ مخصصة لإنفاذ قوانين الهجرة، بالإضافة إلى 20 مليون يورو أخرى لاستقبال النازحين من حرب السودان.
ويشير المحامي أشرف ميلاد، إلى أن المبادرات المصرية لدعم اللاجئين تعكس استفادة مباشرة من المنح الأوروبية، مطالبًا بتوفير بيئة آمنة للمسجلين ومنح المقيمين غير الشرعيين فترة انتقالية لتوفيق أوضاعهم، ويقول في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن "المساعدة في انتشار خطاب الكراهية والضغط الأمني يتعارضان مع دمج اللاجئين في حياة كريمة".
كما يوضح ميلاد أن أزمة تمويل المفوضية ستنقل عبء إدارة الملف إلى الدولة المصرية، مما يتطلب ضمان تدفق المنح مع الالتزام بحماية اللاجئين من الإعادة القسرية.
من جانبه، يرى أيمن الزهيري، عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، أن الدولة تسعى لفرض سيطرتها الأمنية وفي الوقت ذاته تفي بالتزاماتها الدولية، معتبرًا أن القاهرة تعاملت بكرم زائد، لكنها تطالب الآن بتفعيل مبدأ تقاسم الأعباء مع المجتمع الدولي، مشيرًا إلى نفي وزير الخارجية وجود استفادة مالية حقيقية لمصر مقارنة بما تقدمه من خدمات، قائلًا لـ"فكر تان"، إن "مصر لم تغلق أبوابها إدراكًا لدورها المحوري، لكن العبء بات كبيرًا والتمويل الدولي لا يغطي الإنفاق الفعلي".
ويختتم الزهيري حديثه بالتعليق على تقارير الترحيل موضحًا أن السلطات منحت فرصًا كثيرة لتوفيق الأوضاع لم يتم الاستجابة لها، وهو يتوقع تحسنًا مع انتقال الملف بالكامل من المفوضية السامية إلى اللجنة الوطنية لشؤون اللاجئين، بموجب القانون الجديد الذي سيحد من الأزمات السابقة.
وأمام كل هذه التحولات القانونية والسياسية، تظل نرجس كمال لا تكترث بهوية المظلة التي تحميها، فكل ما يهمها هو حيازة أوراق تضمن لها البقاء بعيدًا عن أتون الحرب وصراعاتها الأسرية، ليبقى ذلك طوق النجاة الوحيد لها وللكثيرين ممن يعيشون اليوم تحت وطأة التهديد المستمر.