في الأيام الأخيرة، تداول كثيرون مقاطع من كلمات السيد عمرو موسى، الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، عن الصراع المشتعل في الشرق الأوسط. وحملت كثير من التعليقات نبرة فخر بهذا الرجل وبكلامه الذي وصفه أصحابه بـ"الموزون"، سواء في الشأن الإقليمي أو في تعليقاته على الداخل المصري.
وكان الحدث الأبرز في تلك الأيام هو ردّه الاستنكاري على تصريح الأكاديمي الإماراتي الدكتور عبد الخالق عبد الله، الذي ذهب إلى أن دول الخليج هي الحارس الأمين للأمن القومي العربي من الخليج إلى المغرب، فرد عليه عمرو موسى بسؤال يشبه الصفعة: ما الدور الخليجي في حماية الأمن العربي سوى شراء الأسلحة؟ وأن الأمن الخليجي أمنٌ عربي في جوهره، لا يجب أن يكون أمريكيًا أو أوروبيًا.
تلت ذلك موجة من الإشادة بجرأة الرجل وصراحته، وفي المقابل لم تغب سخرية بعض الأصوات الإعلامية المصرية المحسوبة على دول الخليج، وهي سخرية كاشفة بدورها.
لكن ما لفت نظري حقًا لم يكن النقاش الجاري حول تصريحاته، بل كان ما أثاره من تغريدات لبعض الأصدقاء، يستعيدون فيها ذكرى عمرو موسى مرشحًا للرئاسة في انتخابات 2012، ويتساءلون بنبرة فيها شيء من الحسرة: ماذا لو فاز؟ هل كان من الممكن أن يكون حلقة وصل بين النظام القديم ومطالب الثورة؟ فهو رجل من داخل دولاب الدولة، يعرف مفاتيحها وأروقتها، ولا يُفزع مؤسساتها، ولا يستدعي ذلك العداء الشرس والمقاومة الضارية اللذين واجهتهما مساعي التغيير لاحقًا.
أتذكر كيف كنا نعادي المرشح عمرو موسى بشكل متطرف، ونعتبره امتدادًا لنظام مبارك لا يستحق أن يكون بديلًا. كانت العاطفة هي السائدة في تلك المرحلة، وكانت الآمال محلقة نحو السماء دون سقف. التغيير الآن وفورًا.
لم يكن في قاموسنا وقتها مكان للحلول الوسط، أو للمراحل الانتقالية، أو منطق "الخطوة خطوة". كنا نريد كل شيء، وكنا نريده الآن.
وأتذكر في هذا السياق حوارًا جرى في "طرة" منذ نحو 12 عامًا، مع صديق معروف بمواقفه الراديكالية، فاجأني ذلك اليوم بآراء هادئة - وهو الذي يظن الكثيرون أنه ذو آراء حادة - وهو يقول إن عمرو موسى ربما كان فرصة ضائعة.
وقال إن فوزه بالرئاسة ربما كان يوفر على البلاد ذلك التجييش والاستنفار اللذين واجها ثورة يناير، وإن أجهزة الدولة كانت ستكون أكثر هدوءًا في التعامل مع رجل ينتمي إلى بيروقراطيتها، لكنه في الوقت نفسه يحمل رؤية إصلاحية لا تعادي الثورة ولا تنكر مطالبها.
ربما لم يكن عمرو موسى يمثل الحالة الثورية الصاخبة، لكنه ربما كان المرحلة الانتقالية التي تجنب البلاد ثمنًا باهظًا دفعناه لاحقًا.
أثرت تلك الكلمات بشكل كبير في طريقة تفكيري، خصوصًا مع مراجعة بعض المواقف التي كان فيها إصرار على المعارك الصفرية في غير وقتها. الفكرة تستحق التأمل، ولها وجاهة؛ ليس احتمالية فوز عمرو موسى، فلا أحد يعلم الغيب، ولكن فكرة الحلول الوسط وإعطاء المجال للسياسة بدلًا من المعارك الصفرية.
منذ عدة أيام كانت الذكرى الـ18 لإضراب السادس من أبريل، وتعاد في ذهني تلك المحطات كلها؛ منذ دعوة عمال المحلة للإضراب في أبريل 2008 لنيل جزء من حقوقهم، إلى التضامن معهم على الإنترنت وتحويل الفكرة إلى إضراب واحتجاج عام وما تبع ذلك من أحداث مزلزلة، خصوصًا بعد حبس الصديقة إسراء عبد الفتاح على أثر الدعوة وإنشاء جروب الفيسبوك الداعم للإضراب، مما أثبت أن فكرة التحرك الجماعي لم تمت، وأن هناك شبابًا مستعدين للمجازفة. تلا ذلك تأسيس حركة 6 أبريل، عن طريق مجموعة من الشباب الذين ساهموا في الدعوة للإضراب دعمًا لعمال المحلة.
وقتها واجهت الحركة الوليدة مقاومة شرسة ليس من الأجهزة الأمنية فقط، بل من بعض السياسيين ورؤساء الأحزاب الرسمية الذين وصف بعضهم الحركة بأنها "شوية عيال لاسعة"، ولكن وقتها لم نكتفِ بالعالم الافتراضي، بل نزلنا إلى الجامعات والشوارع والأحياء. وكلما زاد القمع الأمني، كانت الحركة تزداد قوة.
توالت المحطات: من صدمة مقتل خالد سعيد في 2010 التي هزت الوجدان العام، إلى عودة الدكتور محمد البرادعي وتأسيس الجمعية الوطنية للتغيير وحملات التوقيع على مطالب تعديل الدستور وإجراء انتخابات حرة ونزيهة. كانت تلك الأحداث كلها روافد تصب في نهر واحد، حتى انفجر المشهد في 25 يناير 2011. كانت الحركة طوال تلك السنوات تعمل كالدينامو، تساهم في كسر حاجز الخوف لدى قطاعات واسعة من المجتمع، وتُذكّر الناس بأن التغيير ممكن وأن الثمن يستحق.
وفي 2011 وما بعدها، رفضنا فكرة الحزب السياسي عندما سنحت الفرصة، رغم أعداد العضوية التي فاقت عضوية العديد من الأحزاب وقتها، واعتبرنا أن الظرف غير مناسب لأدوات الحزب السياسي، وأن السياسة يجب أن تكون مباشرة من خلال حشد الشارع وحملات المناصرة والضغط الشعبي. وفي محطات كثيرة لم تكن الواقعية السياسية مقبولة، ولكن حتى عندما كنا نميل إلى التهدئة والتدرج في بعض المراحل، كان الصوت الثوري وقتها يعتبر أن التفاوض والتدرج نوعًا من التواطؤ.
واليوم ننظر ونتأمل التجربة، ورغم كل الإخفاقات كانت التجربة ثرية بكل إنجازاتها وإخفاقاتها. الأحلام كانت كبيرة، والإخفاقات نفسها لم تكن عبثًا، يمكن أن يُتعلم منها الكثير لمن يريد أن يتعلم، وأبناء تلك التجربة لا يزالون موجودين في أماكن كثيرة، يعملون ويفكرون رغم كل ما فُرض من قيود على تجمعهم مرة أخرى. والدرس الذي أتذكره هذا العام أن الأحلام الكبرى، حينما يصاحبها التعصب أو التصلب، قد تحمل في طياتها بذور إخفاقها.
هذه ليست دعوة إلى اليأس، أو تراجعًا عن قيم يناير وما نادت به. هي فقط محاولة لقراءة الماضي بعيون أكثر هدوءًا. وفي هذه الذكرى، لا يمكن أن يغيب عن البال أولئك الذين لا يزالون خلف الجدران، يدفعون ثمنًا لم يكن يجب أن يدفعه أحد. نتمنى أن يأتي اليوم القريب الذي يعودون فيه إلى ذويهم وإلى الحياة التي يستحقونها، وأن تُفتح تلك الأبواب الموصدة من أجل مزيد من السلام المجتمعي وسط الأخطار الإقليمية المحيطة.
والتحية موصولة لكل من كان جزءًا من هذه التجربة؛ لمن صمدوا في أحلك اللحظات، ولمن ساندوا من بعيد أو من قريب دون أن تحملهم قوائم العضوية. التحية لمن بقوا في مصر يواصلون بصمت، ولمن اضطرتهم الظروف إلى مواصلة المسير من خارجها، وكل شركاء تجربة كان لها أثرٌ كبيرٌ.