يشبه قانون حماية المنافسة المصري آلة معقدة تسير على طريق غير ممهد، وكلما ظهرت عقبة جديدة أمامها اضطررنا إلى تعديل محركها، فعلى مدار نحو عشرين عامًا كان الجدل رفيقًا دائمًا لهذا القانون، الذي دخل منذ ولادته في عام 2005 إلى ورشة التعديل أربع مرات، بعضها شمل تغييرًا جذريًا طال أكثر من نصف أجزائه.
ولعل المثير في نسخته الأحدث أنها لم تكتفِ بالتهديد المالي فحسب، وإنما لجأت إلى سلاح جديد يشرعن "الخيانة" بين عصابات السوق، ليمنح طوق النجاة والمكافأة لمن يسبق رفاقه في فضح التحالفات الاحتكارية السرية.
كان الهدف في كل مرة تحسين قدرة هذه الآلة على مراقبة الأسواق وضبط عمليات اندماج الشركات ومواكبة مطبات الاقتصاد وملف الاستثمار، وذلك بداية من عام 2008، أي بعد ثلاث سنوات فقط من إصداره. ثم جاء عام 2014 لينسف 60% من مواده القديمة، وصولًا إلى عام 2022 بتعديل استهدف تقوية أدوات الرقابة وضبط الاندماجات، وأخيرًا النسخة الحالية لتعديلات عام 2026 التي تضغط بقوة على تشديد العقوبات.
ورغم كل هذه التعديلات التي أُدخلت عليه لإعطائه صلاحيات أوسع، ظلت حركته بطيئة كمن يصل لإطفاء الحريق بعد أن تلتهم النيران كل شيء، فالرقابة على صفقات اندماج الشركات كانت تأتي كخطوة لاحقة وليست سابقة، ويضاف إلى ذلك بطء شديد في إجراءات قضايا الاحتكار التي تظل حبيسة أدراج المحاكم لفترات طويلة، فضلًا عن تداخل الاختصاصات مع أجهزة أخرى مثل جهاز تنظيم الاتصالات وحماية المستهلك مما خلق حالة من الزحام والارتباك في تطبيق القانون.
وقد كان أول اختبار حقيقي لهذا القانون مع مصانع الأسمنت في عام 2006 بعد عام واحد من إقراره، لكن دراسة القضية استغرقت أربع سنوات كاملة قبل إحالة تقرير الجهاز إلى مكتب النائب العام لتبدأ التحقيقات، وهذا التأخير الشديد استدعى إدخال تعديلات جديدة لتسريع عجلة العمل وهو ما سعت إليه تعديلات عام 2014، التي جاءت بمفتاح سحري جديد أعطى مجلس إدارة الجهاز سلطة تحويل القضايا التي يثبت فيها التجاوز إلى النيابة العامة مباشرة دون وسطاء. وكان التطبيق الأبرز لهذا المفتاح على شركة النساجون الشرقيون التي أُحيلت للنيابة بتهمة الممارسات الاحتكارية بعد أن أثبتت الأوراق وجود اتفاق حصري يربطها بعدد من موزعي السجاد الميكانيكي لضمان عدم توزيعهم أي منتجات لشركات منافسة. كذلك أثمرت هذه التعديلات عن إحالة خمس شركات أدوية بسبب توحيد سياستها في البيع والتسويق في قضية شملت 13 متهمًا من كبار مسؤولي توزيع الأدوية في مصر.
ورغم ذلك، وقف القانون مكتوف الأيدي أمام اتفاقيات ما يُعرف باسم "الكارتيل"، وهو ممارسة احتكارية يتفق فيها المنافسون سرًا على تسعير السلعة أو رفع ثمنها مما يقتل فكرة المنافسة تمامًا ويحرم المشتري العادي من فرصة الحصول على ميزة سعرية. وتكمن صعوبة اصطياد هذا الشبح في غياب أي اتفاق كتابي أو تأسيس روابط على منصات السوشيال ميديا أو أي وسائل ملموسة لإثبات التهمة.
وبعد محطة تعديلات 2022، زادت القضايا الساخنة التي ظهر فيها سيف القانون بوضوح، فمع موجات تغير سعر الصرف طفت على السطح مشكلات تخزين البضائع والتلاعب بأسعارها، لنجد إحالة 21 من كبار منتجي البيض إلى النيابة العامة، إلى جانب قضايا احتكار للسكر والزيوت. ومع تدفق رؤوس الأموال الأجنبية في مصر وزيادة الصفقات الاستثمارية، أصبحت فكرة الرقابة المتأخرة تشبه إغلاق باب الحظيرة بعد هروب الغنم، ولم تعد تواكب تطور ملف الاستثمار، فظهرت حاجة ملحة لتعزيز المنافسة الحرة وتشديد العقوبات ومراقبة الأسواق مسبقًا عند حدوث اندماج أو استحواذ.
اقرأ أيضًا:وهم الحد الأدنى.. كيف يرتفع الأجر وتتدهور المعيشة؟ | تقرير مدفوع بالبيانات | فكر تانى

صراع الغرامات وميزان السوق
في مشروع الحكومة للقانون الجديد لعام 2026، وُضعت تسعيرة قاسية للعقوبات لتفرض غرامة تبدأ من مليون جنيه وتصل إلى 200 مليون جنيه على كل شخص طبيعي شارك عمدًا في اتفاق أو ممارسة ممنوعة، وهناك غرامة أخرى تبدأ من 500 ألف جنيه وتصل إلى 100 مليون جنيه لأفعال مشابهة، وقد مرر مجلس الشيوخ هذه المادة كما هي، لكن اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب رأت أن العقوبة يجب أن تُقاس بحجم القطعة التي اقتطعها المخالف من كعكة السوق، فجعلت الغرامة نسبة تتراوح بين 0.5% و15% من إجمالي إيرادات المنتج المخالف. وفي حال صعوبة حساب هذه النسبة، تتراوح الغرامة بين 10 ملايين و700 مليون جنيه لكل شخص تعمد رفع أو تثبيت الأسعار أو اقتسام الأسواق أو التنسيق في العطاءات أو تقييد عمليات التصنيع والتوزيع، مع مضاعفة العقوبة لمن يكرر فعلته.
كما فرض القانون غرامة تتراوح بين 1% و10% من حجم الأعمال السنوي أو الأصول أو قيمة العملية لأي طرف يقدم معلومات وهمية لتمرير صفقة اندماج. وعاقب كل من يدير ظهره لقرارات الجهاز بغرامة تبدأ من مليون وتصل إلى 100 مليون جنيه.
ورغم هذه الأرقام المخيفة فتح القانون بابًا للتصالح ودفع دية المخالفة، وتتغير التسعيرة هنا حسب توقيت الدفع، فقبل تحريك الدعوى الجنائية يدفع المخالف مبلغًا لا يتجاوز الحد الأدنى للغرامة، أما بعد رفع الدعوى وإلى ما قبل صدور حكم نهائي يرتفع مبلغ التصالح ليصبح ثلاثة أضعاف الحد الأدنى ولا يتجاوز نصف الحد الأقصى.
أثارت هذه الأرقام قلق مجتمع الأعمال، فممثلو الاتحادات والغرف السياحية رأوا فيها سكينًا حادًا قد يقطع خيوط الاستثمار ويخيف الشركات مما يضر بتنافسية السوق، مطالبين بتخفيف الأعباء المالية والإجرائية المرتبطة بإخطار الجهاز لتسهيل حركة البيع والشراء خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة. كما اشتكوا من طول فترة فحص صفقات الاندماج التي تصل إلى 5 أشهر مطالبين بتقليصها لشهر واحد فقط، خوفًا من هروب المستثمر الأجنبي الذي يشبه طائرًا يبحث عن أهدأ غصن ليستقر عليه. واعترضوا كذلك على تحول الجهاز إلى خصم وحكم يفرض الرقابة والغرامة في الوقت نفسه، وهو أمر يفضلون تركه للقضاء لتجنب قضايا التحكيم الدولي.
كذلك تخوف مجتمع الأعمال من منح موظفي الجهاز سلطة الضبطية القضائية، مطالبين بضمانات تمنع التعسف في استخدامها. وقد حصّن القانون موظفيه بغرامة تتراوح بين 200 ألف و20 مليون جنيه لمن يمنعهم من أداء عملهم أو يمتنع عن تقديم الأوراق، وتصبح العقوبة نسبة من إجمالي حجم الأعمال السنوي تتراوح بين نصف و1% لمن يقدم مستندات غير صحيحة.
من جانبهم، أصر نواب اللجنة الاقتصادية على موقفهم الرافض لتخفيف الغرامات، مبررين ذلك بأن العقوبة الهزيلة ستشجع الكيانات الكبرى على ابتلاع السوق واعتبار الغرامة مجرد مصروفات نثرية يمكن تحملها مقابل أرباح ضخمة من الاحتكار، فكلما هبطت العقوبة وزاد المكسب كبرت إغراءات التلاعب خاصة مع وجود ثغرات للتصالح.
وفي زاوية أخرى تبرز مشكلة الاستثناءات التي تشبه الثقوب في شبكة الصيد، حيث تتسرب منها الكيانات الكبيرة ويعرقل هذا التوسع في التفسير تطبيق القانون العادل. وفي هذا الصدد يؤكد النائب أحمد ناصر، عضو لجنة الصناعة، ضرورة عدم إعفاء أي كيانات من القانون بما في ذلك الأنشطة الخاضعة لرقابات أخرى كالرقابة المالية، محذرًا من أن هذه الاستثناءات تخلق ثغرات يستغلها المتهربون.
ورغم أن المواطن البسيط قد لا يشعر بوجود جهاز حماية المنافسة في شارعه كجهاز حماية المستهلك، فإن تأثيره يلمس جيبه مباشرة، كما حدث في أزمة أسعار الدواجن في فبراير 2026، حينما أحال الجهاز 162 شركة واتحادًا لمنتجي الدواجن إلى النيابة العامة بعد ثبوت اتفاقهم على تحديد أسعار الكتاكيت والدواجن، مما أشعل الأسعار بلا مبرر.
ويضيف النائب ناصر، في تصريحات إلى "فكر تاني"، قائلًا إن "القانون يجب أن يكون شاملًا ورادعًا، يطبق على الجميع دون تمييز، وأن يوفر أدوات فعالة لمواجهة من يفسدون المنافسة أو يلتفون على قواعد السوق، بما يضمن بيئة اقتصادية عادلة تدعم الاستثمار وتحفز الابتكار وتحمي حقوق المواطنين، خاصة أن دعم الابتكار لا يتحقق إلا في بيئة تنافسية حقيقية، خالية من أي أشكال التنسيق الضار".
اقرأ أيضًا: "ستارت أب بيزنس" من سلة المهملات.. كيف تدير ربات البيوت اقتصاد الخردة لهزيمة التضخم؟ | فكر تانى

هل يحقق الجهاز الغاية منه فعلًا؟
تشير سحر نصر، وكيل اللجنة المالية والاقتصادية بمجلس الشيوخ، ووزيرة الاستثمار السابقة، إلى أن الوصول لاقتصاد تنافسي حر ليس كأسًا ذهبية نتباهى بها، وإنما وسيلة أساسية لتحقيق استقرار الاقتصاد القومي وتحسين مستوى معيشة المواطنين في إطار قانوني ودستوري.
والمفارقة هنا أن تدخل الجهاز قد يخدم المستثمر أحيانًا ويضر المواطن، والمثال الحي على ذلك أزمة الأسمنت، ففي يوليو 2021 وافق الجهاز على خفض إنتاج 23 شركة أسمنت ومد القرار عدة مرات للسيطرة على المعروض، فكانت النتيجة أن قفزت الأسعار من 800 جنيه إلى 1000 جنيه في ديسمبر من العام نفسه بزيادة 25%، ومنذ ذلك الحين ومع استمرار القرار لسنوات تضخمت أسعار الأسمنت بنسبة 400%. ورغم ذلك، ترى نصر، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن "تعديلات مشروع قانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية تمثل خطوة مهمة لتعزيز مناخ الاستثمار، وتأتي استجابة مباشرة للالتزامات الدستورية التي تكفل حرية المنافسة داخل الأسواق المحلية، بما يعزز كفاءة الاقتصاد ويضمن بيئة تنافسية عادلة، وتتماشى مع أحدث المعايير الدولية، وبما يضمن توفير بيئة عمل شفافة ومنضبطة لجميع المستثمرين، تدعم الثقة في السوق المصري".
كشف المستور
تطفو على السطح تساؤلات ملحة عن مدى صمود هذه التعديلات أمام تسونامي التكنولوجيا والتحولات الرقمية التي تعد من أكبر التحديات حاليًا، فهناك عالم افتراضي مليء بالابتكارات والتجارة الإلكترونية والبيانات الضخمة التي تغير شكل المنافسة تمامًا. وقد تساءل المهندس إيهاب منصور، عضو مجلس النواب، ووكيل لجنة القوى العاملة، عن مدى كفاية هذا المشروع لتحقيق الأهداف النظرية وحماية المنافسة طبقًا لقانون 159 لسنة 2023 الذي ألغى الإعفاءات الضريبية لجهات الدولة لضمان دخول القطاع الخاص في منافسة حقيقية، مطالبًا بإرسال بيان مفصل بالقضايا المراجعة.
واستكمل منصور حديثه إلى "فكر تاني"، متطرقًا لغول الاحتكار الرقمي وآليات ترويض المنصات الكبيرة، متسائلًا عن قدرة الهيكل الإداري للجهاز على تغطية كل هذه الجبهات المتشعبة وتحديد سقف الغرامات المذكورة. فالأبحاث تؤكد حاجة القوانين لحماية العلامات التجارية وحقوق النشر على الإنترنت من المنتجات المزيفة التي تنتشر كالنار في الهشيم على المنصات مما يضرب ثقة العملاء في الشركات الأصلية، وهذا يتطلب تزويد موظفي الجهاز بأحدث نظارات الرؤية التكنولوجية وتدريبهم على برامج الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات لرصد المخالفات المعقدة.
وتتفق أميرة صابر، عضو مجلس الشورى مع هذا الطرح، موضحة أن القانون أغفل تمامًا وحش الاحتكار الرقمي والمنصات الكبيرة التي ابتلعت التجارة الإلكترونية والإعلام الرقمي بأسلحة تختلف كليًا عن الاحتكار القديم، مشيرة إلى أن كيانات كبرى كالاتحاد الأوروبي خصصت قانونًا للأسواق الرقمية عام 2022 لإدراكهم عجز القوانين التقليدية، وكان هدفهم مواكبة اقتصاد البيانات وحماية الابتكار واستقلالية المستهلك.
وتعتبر أمير صابر، في تصريحاتها إلى "فكر تاني"، أن الصين مثالًا آخر حيث أطلقت تعديلًا ثالثًا لقانون مكافحة المنافسة غير العادلة سيبدأ تطبيقه في 15 أكتوبر 2025 ليركز على الملكية الفكرية والإنترنت وتطبيقات الهواتف والتلاعب بكلمات البحث، مما يثبت أن الرقمنة أصبحت القلب النابض لقوانين المنافسة عالميًا.
وفي المقابل أشادت صابر بفكرة طوق النجاة أو ما يُعرف ببرنامج الرأفة، الذي يكافئ أول من يفشي أسرار زملائه في جريمة الكارتيل بإعفائه من العقوبة، ويمنح الثاني تخفيضًا بين 20% و40% مما يزرع الشك بين المتآمرين ويجعل القانون يحرس نفسه بنفسه، علمًا بأن الكارتيل هو تحالف بين شركات أو دول تعمل في نفس المجال لتقييد المنافسة وتثبيت الأسعار لزيادة أرباحها مع احتفاظ كل طرف باستقلاليته. وشددت على أهمية منح الجهاز استقلالًا دستوريًا وفصل ميزانيته عن أموال الغرامات لمنع تضارب المصالح، محذرة من أن إعفاء الكيانات الحكومية يترك مساحات استراتيجية ضخمة بلا حراسة، وهو ما حاول الجهاز مقاومته عبر حملات لا للتواطؤ في التعاقدات الحكومية لتسليط الضوء على خطورة الاتفاقات السرية التي تدمر جودة الخدمات وتهدر المال العام رغم صمت القانون عن ذكرها نصًا. وتُظهر نصوص القانون الجديد في الختام أنها تشبه ثوبًا سيحتاج لترقيع مستمر، فمع سرعة نمو الشركات التكنولوجية وغياب التنظيم الرقمي في هذه التعديلات سنجد أنفسنا قريبًا أمام حتمية فتح ورشة الإصلاح والتعديل مرة أخرى.