هل تتنازل الحكومة عن قرارات رفع الأسعار حال هدوء التوترات عالميًا؟ يطرح هذا السؤال نفسه بقوة في الشارع المصري حاليًا، حيث تؤكد سابقة التعامل مع المسؤولين أنهم ينظرون إلى التسعير كطريق ذي اتجاه واحد يمكن المضي فيه قدمًا دون قبول الرجوع.
في 10 مارس الماضي، وعد رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بمراجعة كافة الإجراءات والقرارات الاستثنائية المتخذة والمدى الزمني لتطبيقها بعد زوال الظرف الاستثنائي، الذي نمر به والمتمثل في الحرب على إيران، ليبقى التساؤل قائمًا حول مدى إمكانية تنفيذ هذا الوعد.
وترتبط الإجابة عن هذا التساؤل بكيفية التفكير الحكومي في مواجهة مشكلات عجز الموازنة الخاصة بكل هيئة في المقام الأول، وهي استراتيجية تركز في الأساس على متلقي الخدمة عوضًا عن الإصلاح الإداري للجهة المقدمة لها.
ويظهر هذا التوجه جليًا في خطاب وزارة النقل، التي قالت إنها لا تنوي خفض أسعار تذاكر المترو، حتى وإن انخفضت أسعار الوقود عالميًا، مبررة ذلك بوجود عجز لديها بقيمة 4 مليارات جنيه، حيث صرحت على لسان وزيرها قائلة "اللي بيطلع ممكن ينزل بس في حاجات ميكونش تعاني من عجز".
واعتبرت الوزارة تحريك أسعار تذاكر المترو والسكك الحديدية أمرًا طبيعيًا، في ظل زيادة أسعار الوقود، مقللة من شأن الزيادة الأخيرة التي بلغت جنيهين رغم أنها تمثل نسبة 25%، إلى جانب إشارتها لوجود عوامل أخرى تتحكم في تسعير التذاكر تشمل أجور العاملين وتكلفة الوقود الذي يمثل عنصرًا مؤثرًا بشكل كبير خصوصًا مع استيراد كميات ضخمة منه.
وبالمنطق ذاته، لن تتجه وزارة الكهرباء إلى خفض أسعارها حال تراجع أسعار الوقود عالميًا، إذ سجلت شركة الكهرباء عجزًا سنويًا يقارب 500 مليار جنيه أي حوالي 10 مليارات دولار، معللة ذلك ببيع الطاقة بأسعار تقل عن تكلفتها الفعلية، وهو ما يشير إلى أزمة مالية هيكلية في منظومة دعم الكهرباء.
ورفعت الوزارة مؤخرًا تعريفة الشريحة السابعة التي تزيد عن 1000 كيلووات بنسبة 16% لتنتقل من 2.33 جنيه إلى 2.58 جنيه -وهي الشريحة التي ينضم إليها عدد كبير من المصريين خلال فصل الصيف، مع تشغيل مكيفات الهواء- كما قررت توحيد جميع شرائح العدادات الكودية ورفع أسعارها بنسبة 28% لتصعد من 2.14 إلى 2.74 جنيه.
ولتخفيف أعباء استيراد الوقود وتكاليف التشغيل، خصصت الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026/2027 نحو 104.2 مليار جنيه لدعم الكهرباء بزيادة تقارب 39% عن العام السابق، حيث يركز هذا الدعم على ضمان استقرار إمدادات الطاقة مع قصر الزيادة على أسعار الشريحة الأعلى استهلاكًا وتثبيت باقي الشرائح.
معايير التسعير ومسار المنتجات البترولية
ويعكس تفكير وزارة النقل واقعًا يشير إلى أن أسعار الخدمات تتجاوز في ارتباطها أسعار الوقود المباشرة، لتشمل حسابات أخرى مثل رواتب العاملين والفوائد المتراكمة. ويتجلى ذلك بوضوح بالعودة إلى ديسمبر 2025 حين تراجعت أسعار النفط عالميًا إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2021 لتهبط دون مستوى 60 دولارًا للبرميل، ورغم ذلك ظلت أسعار الوقود في مصر من دون أي تغيير على الرغم من أن الحكومة حددت سعر برميل النفط عند 75 دولارًا في موازنة العام المالي الجاري 2025-2026، محققة بذلك وفرًا للموازنة العامة قدر حينها بنحو 48 مليار جنيه. وقد بررت وزارة البترول في ذلك الوقت عدم تطبيق أي تخفيض بصدور قرار حكومي يقضي بتثبيت أسعار الوقود لمدة عام كامل، وهو القرار الذي تزامن مع رفع أسعار الوقود بنسبة وصلت إلى 13% في أكتوبر 2025.
ومما يؤكد هذا الاتجاه، قيام اللجنة في مارس 2026 برفع أسعار البنزين بجميع فئاته، ليصل لتر بنزين 80 إلى 20.75 جنيه، وبنزين 92 إلى 22.25 جنيه، وبنزين 95 إلى 24 جنيهًا، بينما ارتفع سعر لتر السولار إلى 20.5 جنيه، بالتوازي مع رفع أسعار الكهرباء للشريحة التي تتجاوز ألف كيلووات وللعدادات الكودية بنسبة 28%.
وفي هذا السياق، أوضح مسؤول في قطاع البترول لموقع "فكر تاني" أن الدولة لا تزال تتحمل أعباء تصل إلى 30 مليار جنيه لدعم أسطوانات البوتاجاز، رغم الزيادة الأخيرة، مضيفًا أنه باحتساب التكلفة الفعلية للوقود وفقًا لسعر خام برنت الحالي وسعر صرف الدولار، مع إضافة تكاليف التشغيل والضرائب وهوامش الربح، فمن المفترض أن يباع لتر بنزين 95 بنحو 27 جنيهًا، ولتر بنزين 92 بنحو 26.2 جنيه، فيما تتراوح التكلفة العادلة للسولار بين 23 و24 جنيهًا للتر.
ويؤكد السجل التاريخي للجنة تسعير الوقود هذا المسار ذو الاتجاه الواحد، فمنذ تأسيسها عام 2016 عقدت اللجنة 15 اجتماعًا لم تقر خلالها تخفيض الأسعار سوى مرة يتيمة في أكتوبر 2019 وبقيمة ربع جنيه فقط، بينما اكتفت بتثبيت السعر مرة واحدة في يناير 2020 بالتزامن مع جائحة كورونا، لتمضي في رفع الأسعار خلال 13 اجتماعًا آخر حتى في تلك الأوقات التي شهدت تراجعًا لأسعار البنزين عالميًا.
وتعقيبًا على هذه الآلية، يرى مدحت يوسف، النائب الأسبق لرئيس هيئة البترول، أن تسعير الوقود في مصر يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأسعار العالمية، مرجعًا ذلك إلى قيام مصر بشراء حصص الشركاء الأجانب وتغطية تكاليف الاستثمار لحقول النفط بالدولار الأمريكي وفقًا للأسعار الدولية.
ويضيف يوسف، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن استيراد مصر للخامات العربية والمنتجات البترولية كالسولار والبنزين والبوتاجاز بالأسعار العالمية يجعل المنتجات المحلية عرضة للتأثر السلبي بأية متغيرات تطرأ على أسواق النفط والغاز الطبيعي، وذلك إلى جانب تحمل الدولة أعباء الدعم من خلال تقييم الخام المصري بأسعار مخفضة تخفيفًا عن كاهل المواطنين.
ومن هذا المنطلق، يقترح يوسف التركيز على استيراد النفط الخام وتقليص استيراد السولار والبنزين، مع التوجه نحو خلط الكيروسين بالسولار لتعظيم الإنتاج المحلي منه وتجنب الاستيراد، بغية الحد من الخلل الناتج عن الفروق الشاسعة بين أسعار النفط الخام ومنتجاته المكررة المرتفعة.
اقرأ أيضًا: وهم الحد الأدنى.. كيف يرتفع الأجر وتتدهور المعيشة؟ | تقرير مدفوع بالبيانات | فكر تانى

ما صنعه التضخم
لا تتوقف العناصر المتحكمة في تسعير الخدمات عند العوامل الداخلية، إذ تبرز مطالب صندوق النقد الدولي كعنصر حاسم في هذه المعادلة، وقد كشف الصندوق عن استئناف مصر لآلية الربط التلقائي لأسعار الوقود بنهاية الربع الثاني من عام 2026، لتعزيز ممارسات التسعير السليمة الرامية لتقليل دعم المحروقات، وسط توقعات بخفض الدعم بنحو 97 مليار جنيه بما يمثل 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنة المالية 2025/2026
وتتجلى تقلبات سياسة الدعم بالنظر إلى عامي 2019-2020 و2020-2021، حينما سجل بند دعم الكهرباء صفرًا لعدم توجيه الحكومة أي مخصصات له، غير أن الدعم عاد ليفرض نفسه مجددًا بطريقة غير مباشرة تحت وطأة قرارات تحريك سعر صرف الجنيه، التي ضاعفت قيمة المواد البترولية المستوردة.
وقد أكد وزير المالية في مؤتمر صحفي عقده السبت الماضي هذا التوجه، موضحًا أن كلفة دعم الطاقة في البلاد قد تقفز إلى 120 مليار جنيه، ما يعادل 2.26 مليار دولار، خلال السنة المالية 2026-2027، مقارنة بنحو 75 مليار جنيه في موازنة العام المالي الحالي، وذلك رغم استمرار تثبيت التقدير السعري لبرميل النفط عند 75 دولارًا.
وتشير الأبحاث الاقتصادية إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة عقب قرارات إلغاء الدعم قد ساهم بما يقرب من 40% من معدلات التضخم التي تلت اتفاق صندوق النقد الدولي عام 2016، مبينة أن 16.4% من السكان باتوا يعانون من مزيج قاسٍ يجمع بين الدخل المنخفض ونفقات الطاقة العالية، بينما يواجه 7.44% من السكان دخلًا منخفضًا مقترنًا بنفقات سكن متواضعة وتكاليف طاقة باهظة، ومما يبرز حجم هذه الأعباء أن الحكومة كانت قد رفعت أسعار الكهرباء بحلول يونيو 2023، بنسبة قياسية بلغت 1060% لأدنى شريحة استهلاك مقارنة بأسعار عام 2014.
انعكاسات التسعير على جيوب المواطنين
ويثير التوجه الحكومي المتزايد نحو رفع الأسعار لتغطية التكاليف المتنامية كأجور العاملين إشكاليات قانونية واقتصادية جوهرية، انطلاقًا من أن جوهر السياسات العامة الناجحة يكمن في إرساء توازن عادل بين تكلفة الخدمة المقدمة والقدرة الشرائية للمواطن لضمان عدم استنزاف دخله مع أي تحسن طفيف يطرأ عليه.
ويجسد محمد محمود، وهو موظف يعول ابنين في المرحلة الجامعية، هذا الواقع المرير بقوله إن زيادة تذكرة المترو بمقدار جنيهين فقط كبدت ميزانيته الشهرية 320 جنيهًا إضافية، وهو مبلغ قد يبدو زهيدًا في الحسابات الحكومية، غير أنه يمثل رقمًا شديد الأهمية من إجمالي راتبه البالغ ستة آلاف جنيه.
ويضيف محمود، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن أسطوانة البوتاجاز تصل إلى منزله بسعر 340 جنيهًا وهو يحتاج إلى اثنتين شهريًا على الأقل، وبإضافة تكاليف استهلاك الكهرباء، يجد نفسه مستنزفًا لغالبية دخله في محاولة لتغطية نفقات الخدمات والسلع المسعرة إداريًا من قبل الدولة أو تلك المرتبطة بها ارتباطًا مباشرًا.
ولتدارك هذا الوضع، يشير الخبراء إلى أن تسعير المرافق العامة يستوجب تبني منهجية علمية تقوم على دراسات تكلفة تتسم بالشفافية والواقعية، وتمنح الأولوية القصوى لرفع الكفاءة التشغيلية وترشيد الإنفاق المؤسسي، عوضًا عن الاستسهال واللجوء إلى الحلول القاصرة التي تتلخص في تحميل المواطنين أعباء مالية مباشرة تفوق قدراتهم.
وتتفق النائبة ضحى عاصي، عضو مجلس النواب مع هذا الطرح، موضحة أن سعي الدولة الحثيث للبحث عن موارد سريعة جعل من البنزين مصدرًا تمويليًا مضمونًا على حساب جيوب المواطنين. مقترحة اللجوء إلى بدائل أكثر عدالة كفرض ضرائب تصاعدية على الفئات الأعلى دخلًا والشركات الكبرى بدلًا من مساواة الجميع في تحمل العبء.
كما شددت النائبة، في تصريحات إلى "فكر تاني"، على حتمية خفض الإنفاق الحكومي في الجوانب غير الضرورية التي تمتد من المؤتمرات إلى الإنشاءات الفوقية، مبينة وجود بنود كثيرة قابلة للترشيد قبل التوجه بمطالبات جديدة للمواطنين، إلى جانب ضرورة مكافحة التهرب الضريبي والجمركي الذي يهدر مليارات الجنيهات سنويًا، وهي أموال متى استُردت ستغني الموازنة عن اتخاذ الكثير من إجراءات التقشف القاسية، حسب قولها.
وتختتم النائبة عن حزب التجمع رؤيتها بالتأكيد على أهمية إصلاح منظومة الدعم بدلًا من إلغائها لتكون موجهة بدقة للفئات المستحقة عبر استخدام البطاقات الذكية أو التحويلات النقدية المشروطة، مع ضرورة تنشيط حركة التصدير ودفع عجلة الإنتاج المحلي وتوجيه الجهود نحو دعم الصناعة الوطنية لتوفير العملة الصعبة، لتكون هذه الخطوات بديلًا عمليًا وفعالًا عن الاستمرار في نهج الاعتماد على الاستيراد والاقتراض ورفع الأسعار.
وبينما تترقب الأوساط الشعبية والاقتصادية مآلات هذه السياسات، يظل التحدي الأكبر أمام الحكومة متمثلًا في إيجاد معادلة تضمن استدامة المرافق دون المساس بالحد الأدنى لمعيشة المواطن، فالأيام القادمة ستحمل الإجابة حول ما إذا كانت الوعود الرسمية بمراجعة القرارات الاستثنائية ستجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي على أرض الواقع، أم أن قطار الأسعار سيواصل رحلته في مساره ذي الاتجاه الواحد، معتمدًا على جيوب المستهلكين لتجاوز المطبات الاقتصادية المتتالية.