" أنا مرتبي مبيكفيش أسبوع"، تقولها مروة، صيدلي إكلينيكي بإحدى المستشفيات التابعة لوزارة الصحة منذ عام 2013، والتي تتقاضى راتبًا يقدر بنحو 7 آلاف جنيه مصري، مقابل العمل لمدة 36 ساعة أسبوعيًا مقسمة على 6 أيام. في حين يتقاضى زوجها أحمد حوالي 10 آلاف جنيه نظير عمله مهندس بوزارة الزراعة، ورغم أن دخلهما الشهري يصل إلى نحو 17 ألف جنيه مصري وليس لديهما أطفال، فإنه لا يكفيهما بسبب الارتفاع السريع في الأسعار "الأكل والشرب وكل حاجة غليت، وبتتضاعف والمرتب زي ما هو".
لم تشعر السيدة الثلاثينية، بأي تحسن في مستوى المعيشة بعد كل زيادة في الحد الأدنى للأجور، بل تتفاجأ يومًا بعد يوم بزيادة الأسعار بشكل جنوني حسب وصفها، فضلًا عن ارتفاع أسعار البنزين، ما جعلها بدلًا من أن تملأ نصف خزان سيارتها بـ400 جنيه، أصبحت تدفع الضعف "المرتب دلوقتي مبيكفنيش بنزين، كان بيكفيني بنزين وفطار في 2020، لكن حاليًا لا بنزين ولا فطار لأن كل حاجة ارتفعت".
يوضح الرسم البياني التالي ارتفاع أسعار البنزين في مصر من 6.25 جنيه لتر (بنزين 80 عام 2020) إلى 24 جنيهًا (بنزين 95 عام 2026)، مسجلاً زيادة بنسبة 230%.
يرى الدكتور محمد البنا، أستاذ الاقتصاد بجامعة المنوفية، أن أي زيادة في الدخول إذا لم تكن مساوية لمعدل ارتفاع الأسعار فلا معنى لها، موضحًا: "لأننا نهتم بالدخل الحقيقي وليس الدخل النقدي، فقد يرتفع الدخل النقدي من 6000 إلى 8000 جنيه، لكن الدخل الحقيقي هي كمية السلع والخدمات التي استطيع شرائها بهذا الدخل النقدي، وبالتالي لو الأسعار ارتفعت بمعدلات أعلى من معدلات الارتفاع في مستوى الأجور، فالوضع الطبيعي هو تدهور مستوى المعيشة أو انخفاض الدخل الحقيقي"، مؤكدًا، أن الهدف ليس زيادة الدخل النقدي بقدر ما هو زيادة الدخل الحقيقي.
في الأول من أبريل الجاري، أعلن وزير المالية أحمد كجوك، زيادة أجور موظفي الدولة ابتداءًا من يوليو 2026 بتكلفة 100 مليار جنيه، لترفع الحد الأدنى إلى 8000 جنيه، مع علاوة 12% للمخاطبين بقانون الخدمة المدنية و15% لغيرهم، وزيادة حافز إضافي 750 جنيه للجميع (تكلفة 77.5 مليار). كما حصل مليون معلم على حافز تدريس 1000 جنيه.
35 سنة معلم مقابل 7 آلاف جنيه
في عام 1995، كان عادل وزوجته يتقاضيان 91 جنيهًا لكلٍ منهما مقابل عملهما كمعلمين بوزارة التربية والتعليم. آنذاك، كان سعر كيلو اللحم 16 جنيهًا، والدواجن 8 جنيهات، قبل أن يصل سعر كيلو اللحم الآن إلى أكثر من 400 جنيه بحسب حديثه لـ"فكر تاني". يشير إلى أنه كان يلجأ إلى عمل إضافي لزيادة دخله بنحو 200 جنيه، إلى أن وصل راتبه كمعلم أول قبل خمس سنوات إلى 4500 جنيه، وظل يرتفع تدريجيًا مع كل زيادة تُعلن في الأجور.
يقول: "كنا نعيش، فالموظف اعتاد دائمًا التنازل عن كثير من احتياجاته". في المقابل، اضطرت زوجته بوسي إلى تقليص قائمة متطلباتها لتقتصر على الأساسيات فقط، متخلية عن السفر الصيفي كما اعتادت الأسرة، أو شراء ملابس مع بداية كل فصل، بل وحتى عن الادخار.
تقول بوسي، إنه بمجرد الإعلان عن زيادة الأجور تسبقها قائمة بارتفاع الأسعار "لما بنيجي نقبض مبنحسش بأي زيادة بالعكس"، مشيرة إلى أنه في حالة زيادة الراتب ألف جنيه على سبيل المثال تصل في يد الموظف 650 جنيها "ساعتها مبيعملوش أي حاجة"، موضحة أنها معلمة لغة عربية على مدار 35 عامًا وراتبها لا يكفي إلا جزء بسيط جدًا من احتياجاتها خاصة بعد إنجابها ولد وبنت وأنفقوا على تعليمهم وزواجهم "لولا بنعمل جمعيات وبنشتري بالتقسيط مكناش هنقدر وطبعًا الأقساط بتأثر على دخلنا ومستوى معيشتنا فبنتنازل عن حاجات كتيرة " بحسب بوسي لـ"فكر تاني".
وتضيف، أن سعر الدجاجة التي تشتريها الآن يصل إلى 200 جنيه: "ولو هجيب معاها طماطم وخضار هتوصل 270، وده تمن غدوة واحدة لفردين، شوف بقى لو أسرة فيها أفراد كتيرة فالموضوع بقى صعب وكلنا ماشيين بالستر".
تقول إن راتبهما وصل إلى 8 آلاف و100 جنيه لكل منهما، في حين المعلمين الجدد راتبهم 6 آلاف جنيه "الفرق بيني وبين اللي لسه متعين ألفين جنيه بس وأنا بقالي 35 سنة بشتغل مدرسة وواقفة على رجلي أعلم في أجيال"، مشيرة إلى أنها كانت تنتظر زيادة تليق بخبرتهما كمعلمين لتحسين وضعهما المعيشي "نحس إن إحنا لينا قيمة حتى".
وشهدت مصر خلال الفترة من 2020 إلى 2026 زيادة في الحد الأدنى للأجور بنسبة 300% (من 2000 إلى 8000 جنيه)، بينما ارتفع سعر الدولار 246% (من 15.7 إلى 54.39 جنيه)، مما جعل القوة الشرائية للأجر تتحسن بنسبة 15% فقط (127 إلى 147 دولار شهريًا)، كما يوضح الرسم البياني التالي.
تشتكي مروة من زيادة الأسعار لاسيما الأسعار السلعة الأساسية التي تعتمد عليها بشكل يومي، مثل الخضار والفاكهة، مشيرة إلى أنها كانت تذهب إلى السوق وتشتري ما تحتاجه من سلع أساسية بقيمة ألف جنيه تقريبًا، الآن لا تستطيع أن تشتري بنفس المبلغ ربع احتياجاتها، بعد زيادة أسعار الخضروات بشكل كبير وعلى رأسهم الطماطم التي وصل سعر الكيلو إلى 50 جنيها، إضافة إلى ارتفاع أسعار الفاكهة التي لم تعد تشتري أكثر من نوع منها "وبنزل اشتري من كل نوع نص كيلو مبشتريش كميات لأننا فردين بس، فالوضع سيء جدًا وإحنا كده المفروض مستوانا كويس بس طلع على الورق بس"، مشيرة إلى أنها كارت الكهرباء التي كانت تشتريه بـ 500 جنيه وصل الآن إلى 2500 جنيه رغم أنها وزوجها يقضيان معظم وقتهما خارج البيت بحكم عملهما وزيارتهما العائلية.
يوضح الرسم البياني تطور أسعار السلع الأساسية الخمس (الأرز، السكر، الفول، الدقيق، الزيت) من 18-25 جنيه/كجم في 2022 إلى 34-92 جنيه/كجم في 2026، مسجلاً زيادة إجمالية بنسبة 166% تقريبًا، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
المرتب لا يكفي إلا أسبوع فقط
تنازلت مروة عن الكثير من احتياجاتها ووضعتها في خانة الرفاهيات مثل السفر للمصيف أو شراء الملابس في فصلي الصيف والشتاء "الواحد لو كان بيشتري في الـsale دلوقتي بطل يشتري خالص ولا حتى هنصيف"، لافتة إلى أن أسعار اللحوم والدواجن قفزت بشكل مرعب حسب وصفها، إذ تدفع ما لا يقل عن ألفين جنيه في الشهر لشراء الدجاج فقط "ده وإحنا فردين بس عشان نجيب صدور وفراخ للشهر"، إضافة إلى ارتفاع سعر أسطوانة الغاز التي تشتريها بـ 400 جنيه مرتان في الشهر "كل 15 يوم بغيرها غير إن عندي اتنين يعني 1600 غاز بس كل شهر". فضلًا عن سعر كيلو اللحمة التي كانت تشتريه في 2020 بـ 250 وحاليًا تخطى الـ400 جنيه.
يوضح الرسم البياني التالي الارتفاع الكبير في أسعار اللحوم والدواجن والأسماك على مدار سبع سنوات، إضافة إلى أسعار البيض والألبان، ما يظهر الفجوة بين الزيادة التي يحصل عليها المواطن مقابل زيادة أسعار السلع التي يعتمد عليها بشكل أساسي.
يشير البنا، أن مكافحة التضخم مسؤولية رئيسية ووظيفة مباشرة للبنك المركزي، الذي يبني السياسة النقدية بكامل أبعادها من سعر الفائدة، ونسبة الاحتياطي النقدي، ونسبة السيولة، والقيود على الائتمان وغيرها من أدوات السياسة النقدية التي يتم وضعها أو استخدامها لتحقيق هذا الغرض وهو كبح جماح التضخم، بالتعاون مع وزارة المالية.
التضخم يلتهم زيادات الأجور
ويقول أستاذ الاقتصاد لـ"فكر تاني"، إن الزيادة المصاحبة للأجور تلتهمها معدلات التضخم المرتفعة وبالتالي تتسبب في تدهور القوة الشرائية للنقود، مطالبًا الحكومة التصدي بشكل حاسم لارتفاع الأسعار، قائلُا: "يجب أن يكون هناك تنسيق دقيق ما بين السياسة المالية والسياسة النقدية. إذا كان البنك المركزي هو المسؤول الأول عن مكافحة التضخم فيجب أن تعمل وزارة المالية في نفس الاتجاه".
تكشف مروة عن الفجوة الكبيرة بين الزيادات التي تعلنها الحكومة لرواتب الموظفين وصافي الدخل الذي يستلمه الموظف في يده فعليًا، "الألف اللي الحكومة بتعلن عنها زيادة بتوصلني 650 والباقي ضرايب وتأمينات".
مروة: "الاسم دكتورة ومش عارفين ناكل ونشرب"
معبرة عن استيائها لكونها صيدلانية تتمتع بالخبرة والكفاءة ولا تحصل حتى الآن على راتب يكفيها، "هل قطاع الصحة ده مهم؟ مهم جدًا لأننا مسؤولين عن صحة البني آدمين ولو إنت عايز تنهض بحياة الناس أول حاجة تهتم بالصحة والتعليم وده مبيحصلش، مش معقول نكون مش عارفين ناكل ونشرب".
وتوافقها الرأي بوسي، المعلمة التي قضت أكثر من عمرها في تعليم أجيال، ولم تحصل حتى الآن على راتب يتناسب مع خبرتها وعطائها حسب وصفها.
لماذا لا يشعر المواطنين بالزيادات؟
ما بين مروة وبوسي، يوجد ملايين المواطنين الذين يعانون من غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، التي لا تتناسب مع زيادة الأجور، بل تسبقها بمراحل، بما يفوق الاحتياجات الأساسية للمواطنين بمختلف مستوياتهم وظروفهم المعيشية.
وبالتالي رغم الإعلان عن زيادة الأجور لا يشعر أغلب المواطنين بتحسن حقيقي في مستوى معيشتهم، إذ تتآكل هذه الزيادات بين الضرائب والتأمينات وارتفاع الأسعار المتسارع. وبين الأرقام الرسمية وما يصل فعليًا إلى جيوب الموظفين، فتتسع فجوة تعكس واقعًا اقتصاديًا يضغط على قطاعات واسعة، ويطرح تساؤلات حول جدوى هذه الزيادات وقدرتها على مواكبة تكاليف الحياة.