في زاوية ضيقة أسفل حوض المطبخ، لم تعد سلة المهملات وعاءً وحيدًا كما كان سابقًا، إذ تقف هدى محمد، وكأنها خبيرة فرز في مصنع دولي، فتصب بيدٍ ما تبقى من زيت القلي في زجاجة مياه غازية قديمة، وبالأخرى تطوي كرتونة البيض بعناية لتضعها فوق الكومة التي تضم الكرتون والورق.
صارت السيدة الثلاثينية لا تتعامل مع نداء بائع الخردة "روبابيكيا.. بيكيا" كإزعاج يومي، إنما تعتبره موعد عمل مرتقب تراجع فيه بذهنها آخر سعر وصل إليه كيلو الكانز والبلاستيك، وتستعد لمعركة فصال شرسة لانتزاع جنيهات قليلة تسد بها بندًا من متطلبات منزلها.
هكذا تخوض النساء يوميًا معركة ضد التضخم، حيث لم يعد الانخراط في سوق الخردة مجرد رغبة في التنظيم، وإنما تحول إلى ضرورة اقتصادية فرضت نفسها على ربات البيوت والعاملات. ويكشف هذا الانتقال من دور المستهلك إلى التاجر الصغير، الذي يفرز ويفاوض على سعر الكيلو، كيف تحولت سلة المهملات إلى أصول مالية، وكيف باتت مهارات التدبير خط الدفاع الأول لحماية ميزانية الأسرة من التآكل.
من مستهلك إلى منتج
بدأت هدى حديثها لـ"فكر تاني" عن نقطة التحول في إدارة مخلفات منزلها، واصفةً كيف كانت تتعامل مع الكراكيب في الماضي، قائلة "في الأول كنت برمي كل حاجة في الزبالة، أزايز، كنزات حتى اللعب بتاعة أولادي المتكسرة"، غير أن مشاهدتها لطريقة فرز النفايات في المراكز التجارية الكبرى، جعلتها تعيد التفكير، لتعبر عن ذلك بقولها "حسيت إني لو حطيت كل حاجة لوحدها هنقلل نبش الزبالة في الشارع، وبعدها جات لي فكرة إن أنا أستفيد بيهم وأبيعهم".
ولم يقتصر هذا التوجه على المواد الصلبة وحدها، وإنما امتد ليشمل زيت الطعام المستعمل، حين وجدت هدى طريقًا آمنًا يضمن لها نظافة البيت وتوفير الميزانية، وتضيف في هذا الصدد "شفت جروب كويس على فيسبوك لقيتهم بيبدلوه بمنظفات ومعاهم شهادة من وزارة البيئة، حرفيًا بتوفر لي منظفات ممكن تكفيني فترة وعلى الأقل كنت هشتريهم بأكثر من 300 جنيه، ده بند بس اللي هو الزيت".
تأتي تجربة هدى في سياق أرقام رسمية تُقدر كمية الزيت المستعمل، التي تولدها البيوت المصرية بنحو 500 ألف طن سنويًا. ومع قفزات التضخم التي رصدها جهاز التعبئة العامة والإحصاء، والتي جعلت مجموعة المنظفات والسلع الاستهلاكية ترتفع بنسب قياسية، أصبح الزيت عملة مقايضة قوية ترفع عن كاهل الأسرة عبء شراء المنظفات شهريًا.
دورة اقتصاد المنزل الشاملة
استغلت هدى نشاطها في بيع الطعام المنزلي عبر الإنترنت، لتحويل مخلفات التغليف إلى مورد مالي يغطي تكاليف مشروعها، لتقول "عندي جروب ببيع فيه أكل، بيبقى جاي المنتجات في كراتين.. لما بجمعهم وأبيعهم بيجيبوا مبلغ، ممكن أجيب بيه الحاجات اللي بغلف بيها زي الأطباق الفل والعلب البلاستيك، وفرت عليا مبلغ كنت هدفعه".
وقد أصبح هذا الاقتصاد الصغير مفروضًا عليها بسبب معدلات التضخم ووفاة زوجها بشكل مفاجئ "أنا أم معيلة ما عندهاش دخل ثابت غير شغل بيتي، جوزي اتوفى من سنتين ولحد لنهاردة معاشه متعطل، فبحاول أوفر عشان ما نحتاجش لحد، وفي نفس الوقت مش بهدر حاجة".
ويتماشى هذا التكيف المنزلي مع بيانات التضخم الصادرة عن البنك المركزي، التي تكشف أن معدل التضخم العام للحضر بلغ 15.2% في مارس 2026 مقابل 13.4% في فبراير 2026، حيث باتت الأسر المصرية تبتكر استراتيجيات لتقليل الهالك بغية مواجهة ضغوط المعيشة. فحين تجمع هدى بكر اللصق الفارغ والكرتون، فهي تستفيد من قطاع الخردة الورقية، الذي يمثل نحو 15% من حجم النفايات الصلبة في مصر، والذي زادت قيمته السوقية مع ارتفاع أسعار الورق المستورد.
وحتى فضلات الخبز لا تتركها هدى التي توضح "أكثر حاجة كنت بستحرم أبيعها وأرميها في الزبالة هي العيش.. لقيت حد من اللي بيبيعوا اللبن البلدي عرض علينا نجمع له العيش للمواشي اللي عنده، لأن العلف غالي وسعره بيرتفع كل يوم، فهو بيستفيد وبيدينا بدل العيش لبن وجبنة قريش".
تأمين احتياجات المنازل
مع تطور تجربتها انتقلت هدى من مرحلة التعامل مع الباعة الجائلين إلى جهات أكثر تنظيمًا عبر السوشيال ميديا، لتقول "في جروبات دلوقتي على فيسبوك بتقول للناس رنوا علينا وإحنا هنيجي لحد عندكم ناخد الحاجة بأسعارها المعروفة.. ده بصراحة مرضي جدًا، ببيع لشركة وحد معروف، وبيوفر عليا إن أنا أنادي على حد من بتوع الشارع اللي ممكن يكون غير أمين في الميزان".
لكن توفير ميزانية المنظفات لم تكت الغاية الرئيسة لآيات عطية، إنما كان الأمان الصحي البوصلة في الجهة التي تستقبل مخلفات مطبخها، حيث تستبدل بزيت الطعام المستعمل منتجات نظافة عبر شركة "جرين بان" التابعة لشركة تجدد.
وتعبر آيات عن ذلك بقولها "الشركة بتضمن لي إن الزيت مش هيتعاد تدويره في المطاعم، لأنهم واخدين تصريح من وزارتي الصحة والبيئة إنهم بيستخدموا الزيت في الوقود الحيوي للبواخر".
وقد كانت المخاوف من تسرب الزيت المستعمل إلى موائدنا مرة أخرى هي المحرك الأساسي، إذ يعيد السوق الموازي تدوير الزيت بطرق كارثية. وتضيف آيات "لما اتأكدت إن محدش هيستخدم الزيت المركون، أو إنه مش هايلف ويرجع لي في أي مأكولات مقلية جاهزة، ارتحت.. خصوصًا إننا سمعنا إن بيتحط عليه نشا والمطاعم بتستخدمه تاني وبيتقلي فيه".
ولا تتوقف منظومة الفرز عند آيات عند حدود الزيت، وإنما تمتد لكل تفاصيل المخلفات المنزلية، غير أن الهدف هنا يتخذ بُعدًا إنسانيًا لتقول "بفرز كل حاجة لوحدها، سواء ورق أو كرتون أو زجاجات لبن، ولما بكون كمية مش ببيعها لنفسي، بديهم لأطفال في نفس السكن عندي، ظروف عمل والدهم غير مستقرة، فهما اللي بيبيعوا الحاجة دي ويستفيدوا بتمنها".
ومن هذا المنطلق تتحول عملية الفرز من المنبع من مجرد إجراء بيئي أو اقتصادي، إلى أداة للتكافل الاجتماعي تضمن للأطفال دخلًا بسيطًا، وللمجتمع وقاية من زيوت يعاد تدويرها بطرق غير مشروعة.
وعلى جانب آخر كان الفرز في حد ذاته سلوكًا قديمًا لفوزية إبراهيم، وهي ربة منزل تبلغ من العمر 62 عامًا، وما طرأ على حياتها هو اللجوء للبيع بسبب الظروف الاقتصادية.
تقول فوزية "من زمان بخلي سلة لكل حاجة عشان بس محدش يتعب أو يتجرح من العمال، لكن من سنتين تحديدًا بدأت أبيع الكرتون والفوارغ بتاعة علب التونة أو الفول والصلصة بتكون صفيح".
وتتخذ هذه السيدة من شرفة منزلها بحي المنيل مقرًا لصفقات البيع مع الباعة الجائلين، حيث تُرسل ما لديها للبائع وتنتظر رده على الميزان والسعر، وفي حال لم يعجبها العرض تبلغه من البلكونة بعدم رضاها.
وتحكي لـ"فكر تاني" تفاصيل ذلك بقولها "حتى لو مش هابيع بسأل كذا حد عن سعر الكرتون والنحاس والبلاستيك وبشوف أعلى سعر وأحسن وزن لأن أغلبهم بيغالط في الميزان".
وتتابع السيدة الستينية الجدل الدائر أسفل منزلها حول سعر النحاس الأصفر والأحمر بين البائع والجيران بصفة يومية، لتقول ضاحكة "بحس إني بتابع البورصة، لكن عشان محدش يضحك عليا لازم أبقى فاهمة"، ومضيفة أنها تجد ما يضمن لها مبلغًا مرضيًا بعد تنظيف منزلها العميق المعتاد في فترات الأعياد.
وتختتم فوزية حديثها بموقف يجسد خبرتها الجديدة قائلة "مرة نزلت حنفية مكسورة والبياع قالي هاخدها بخمسة جنيه عشان خفيفة، لما قولت له يسيبها وإنها فيها نحاس والكيلو بـ 600 جنيه، حط لي 40 جنيه في السبت لكن لو واحدة متعرفش الأسعار كانت هتوافق".
الوسطاء الجدد
يتحدث تاجر الخردة محمود الريس عن التحول الكبير في هذا السوق، حيث لم تعد الروبابيكيا مجرد مهنة هامشية، وإنما تحولت إلى حلقة وصل أساسية في الصناعة المحلية.
ويقول الريس لـ"فكر تاني"، إن "الحاجة كانت رخيصة لكن حاليًا بقت أغلى، خلال الشهر بقت الست تجيب من تحويش وفرز الحاجة 400 جنيه، فبقت تحرص إنها تحوشهم".
ويوضح الريس أن القيمة المادية لهذه المخلفات قفزت بشكل غير مسبوق ليعلق قائلًا "قبل كدة الحاجة دي مكانتش تجيب 50 جنيه، لكن دلوقتي بقت مبلغ يسند". ويربط الريس بين غلاء سعر الخردة وبين الوضع الاقتصاد العام وقيود الاستيراد، موضحًا أن المصانع بدأت تبحث عن البديل في سلة مهملات البيوت، ويضيف "الخردة المحلية سعرها رفع بعد القيود على الاستيراد، والشركات بقت تلجأ للموجود في السوق ويشوفوا المواد اللي بيتعاد تدويرها".
وعن التفاوت في الأسعار الذي يثير ريبة ربات البيوت، يوضح الريس بقوله "الشركات بقت تجيب من هنا، فعشان كدة بيكون فيه فروق في السعر بين تاجر والتاني، فالناس بتفتكر إن الميزان غلط، لكن هو السعر كله بيكون قريب، فرق بسيط جنيه أو اتنين بين بياع والتاني".

وتعزز الأرقام ما ذهب إليه محمود الريس، فوفقًا لتقارير وزارة التجارة والصناعة وبعض الدراسات الاقتصادية حول الخردة، تراجع استيراد بعض المواد الخام بنسبة تتراوح بين 25% و30% بسبب أزمة العملة وقواعد الاستيراد، مما دفع المصانع وخاصة مصانع الورق والبلاستيك والمعادن لزيادة حصتها من الخردة المحلية لسد الفجوة الإنتاجية.
تأنيث الصمود في مواجهة التضخم
ويضع أحمد بدر رئيس وحدة البحوث في مركز "تدوين" هذه الممارسات في إطارها السوسيولوجي والاقتصادي الدقيق. ويرى بدر أن اقتحام النساء لمجالات جمع وبيع المخلفات، وهي مهن كانت تُصنف مجتمعيًا كمهن ذكورية، ليس بالضرورة مؤشرًا على رفاهية الوعي، إنما هو انعكاس لحدة الأزمة.
ويقول بدر لـ"فكر تاني" إن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء لاقتحام مجالات غير مألوفة للسيدات أو متعارف عليها مجتمعيًا أنها خاصة بالذكور، غير أن هذه التحولات تدخل تحت بند استراتيجيات التكيف مع الفقر والتضخم.
ويوضح أن لجوء السيدات لفرز المخلفات أو المقايضة هو نتيجة مباشرة لمحدودية الفرص في سوق العمل الرسمي أمام تزايد معدلات التضخم، مضيفًا "الست بتشوف أي موارد تدخل لها فلوس يوفر لها احتياجات بسيطة، ومقدرش أسمي ده تمكين اقتصادي ولا وعي بيئي مثلًا".
وبحسب رؤية بدر فإن ما تقوم به ربات البيوت هو محاولة لسد الثغرات بوسائل بدائية ومتاحة، حيث تضطر المرأة لتحويل مجهودها البدني ووقتها في الفرز والمقايضة إلى عملة لمواجهة أعباء المعيشة اليومية.
وفي المحصلة لا تبدو قصص الفرز من المنبع التي تقودها ربات البيوت مجرد حكايات عن إعادة التدوير أو التدبير المنزلي، إنما هي تجسيد حي لما يطلق عليه تأنيث الصمود في مواجهة التضخم، حيث تصبح المرأة حائط الصد الأخير أمام الفقر والمديرة غير الرسمية لأزمة اقتصادية تزداد تعقيدًا كل يوم.