مبكرًا بدأت التحركات الخاصة بانتخابات نقابة الصحفيين، المقرر عقدها في مارس 2027، من خلال محاولات لجس النبض عبر اتصالات بقيادات الكتل الانتخابية، ونقاشات بين الطامحين في الترشح على مقعد نقيب الصحفيين.
وشهد حفل الإفطار السنوي للنقابة، في رمضان الماضي، تفاعلات سرعان ما خرجت إلى العلن عبر نقاشات مهمة تخللت الجلسات النقابية حول السباق المرتقب، ولا سيما على مقعد "النقيب"، كما ظهرت بالتوازي تحركات أخرى على المجموعات الخاصة بالصحفيين للطامحين في الترشح لعضوية المجلس.
وتُنظم انتخابات التجديد النصفي في نقابة الصحفيين بصورة دورية كل عامين، على أن ينعقد المجلس قبل الموعد المحدد للانتخابات للإعلان عن فتح باب الترشح وقبول أوراق المرشحين الجدد، وذلك قبل موعد إجراء الانتخابات بـ15 يومًا على الأقل.
ومن المقرر أن تُجرى الانتخابات المقبلة في مارس على مقعد "النقيب"، الذي يشغله حاليًا خالد البلشي، إلى جانب ستة من أعضاء المجلس، وهم جمال عبد الرحيم، وهشام يونس، وعبد الرؤوف خليفة، ومحمود كامل، ومحمد يحيى يوسف، ومحمد الجارحي. وهنا يبرز التساؤل عن أسباب تحرك الجمعية العمومية مبكرًا لمناقشة هوية من سيخلف مجلس البلشي.
أسباب النقاش المبكر
تأتي هذه التحركات والنقاشات على خلاف ما جرت عليه العادة في السباقات الانتخابية الماضية، حيث اعتاد جمهور الصحفيين الخوض في الشأن الانتخابي قبل موعده بأربعة أو خمسة أشهر فقط. غير أن هذه المرة شهدت توافر عدة عوامل أدت إلى خروج النقاشات للعلن مبكرًا، أولها تبقي أقل من عام في الولاية الثانية لخالد البلشي، مما يعني عدم قدرته على الترشح مجددًا للمنصب، خصوصًا أن نص القانون رقم 76 لسنة 1970 الخاص بإنشاء النقابة، يقيد بقاء النقيب في منصبه بدورتين متتاليتين.
وفاز خالد البلشي في 17 مارس 2023 للمرة الأولى بـمنصب النقيب، حاصدًا 2450 صوتًا مقابل 2211 صوتًا لمنافسه خالد ميري رئيس تحرير صحيفة الأخبار آنذاك، ثم عاد لـيفوز للمرة الثانية في 2 مايو 2025 بحصوله على 3346 صوتًا، مقابل 2562 صوتًا لأقرب منافسيه عبد المحسن سلامة، رئيس مجلس إدارة الأهرام السابق والنقيب الأسبق.
وتتعلق النقطة الثانية وراء هذا الحديث المبكر بالانتقادات والاتهامات بالتقصير التي وُجهت لمجلس البلشي، وتحديدًا في ملف الخدمات، فبعد مرور ما يقرب من عام على ولايته الثانية، بدا أن هذه الدورة أقل وهجًا من الولاية الأولى، التي كانت النقابة خلالها شعلة نشاط، واستطاع البلشي حينها تحقيق شعبية صاروخية ضمنت له فوزًا كاسحًا في الانتخابات الماضية.
وقد تصاعدت هذه الانتقادات عقب إعلان الحكومة عن زيادة الحد الأدنى لأجور العاملين بالقطاع العام بنحو ألف جنيه ليصل إلى 8 آلاف جنيه شهريًا، وهو القرار الذي تسبب في موجة مطالبات من قبل الصحفيين لزيادة بدل التدريب والتكنولوجيا ليصبح متناسبًا مع الارتفاع في الأسعار.
أما النقطة الثالثة التي فتحت الباب واسعًا أمام هذه النقاشات، فهي تعيين ضياء رشوان وزير دولة للإعلام، الذي كان اسمه من أبرز الأسماء المتداولة في بورصة الترشيحات لخوض السباق، غير أن توليه المنصب الوزاري أخرجه من دائرة المنافسة.
ويحفل السجل النقابي لضياء رشوان بفوزه بمنصب النقيب في ثلاث دورات، منها دورة منفصلة في مارس 2013، ثم فوزه في انتخابات مارس 2019، وأخيرًا في أبريل 2021، في حين أنه خسر انتخابات ديسمبر 2009 أمام النقيب الأسبق مكرم محمد أحمد، وكذلك خسر في مارس 2015 أمام النقيب الأسبق يحيى قلاش. وقد تضافرت كل هذه الأجواء لتحدث انتعاشة في الحديث عن الانتخابات المقبلة.
وفي هذا السياق، يرى أبو السعود محمد، عضو مجلس نقابة الصحفيين الأسبق، ومنسق لجنة الوعي النقابي، أن هناك أكثر من عامل وراء هذا التبكير، منها اللغط الذي حدث حول قصة زيادة البدل عقب الانتخابات الماضية وقيمتها الضئيلة، المقدرة بـ600 جنيه.
ويضيف في حديثه لـ"فكَّر تاني"، أن الموضوعات المثارة حاليًا في الوسط الصحفي، مثل لائحة القيد الجديدة وميثاق الشرف الصحفي، كانت سببًا في انتقال الحديث داخل الجمعية العمومية من هذه الملفات إلى انتخابات النقابة، إلى جانب الجدل الدائر حول هوية النقيب القادم الذي سيخلف البلشي في ظل تعدد الأسماء الطامحة للترشح.
ويختلف مصدر نقابي مخضرم مع وجهة نظر أبو السعود محمد، معتبرًا أن الوقت لا يزال مبكرًا للخوض في هذا الشأن، وموضحًا أنه يتبقى ما يقرب من عام على الانتخابات، وهي فترة كفيلة بلعب دور مهم في تغيير بعض الاتجاهات النقابية ووجهات النظر التي ستحكم وتحدد مصير السباق.
ويفسر المصدر، الذي شغل في السابق مناصب نقابية قيادية، حديثه باحتمالية حدوث متغيرات نقابية خلال هذا العام، قد تجعل المسار الانتخابي لمنصب النقيب امتدادًا للحالة التي أحدثها البلشي عبر ظهور نموذج نقابي مشابه، أو ربما يشهد هذا المسار تراجعًا يؤدي إلى وصول اسم قريب من السلطة إلى مقعد النقيب، وفق تصريحاته إلى "فكر تاني".
خريطة المنافسين
كان لافتًا للانتباه أن التغييرات الصحفية التي أعلنتها الهيئة الوطنية للصحافة في أبريل 2024 لم تضع على رأس أي مؤسسة قومية من المؤسسات الثلاث الأبرز، وهي الأهرام وأخبار اليوم ودار التحرير، اسمًا صحفيًا بارزًا يمتلك شعبية بين أعضاء الجمعية العمومية يمكن الدفع به للمنافسة على منصب النقيب.
وتأتي أغلب الأسماء التي تقود المؤسسات القومية وإصداراتها الآن بعيدة عن العمل النقابي، باستثناء رفعت رشاد، مدير عام مؤسسة أخبار اليوم، والمرشح السابق لمنصب النقيب، وحسين الزناتي وكيل النقابة، ورئيس تحرير مجلة علاء الدين، إحدى إصدارات مؤسسة الأهرام، وأيمن عبد المجيد، عضو مجلس النقابة، ورئيس تحرير صحيفة روزاليوسف الأسبوعية، مما يضع الحكومة في مأزق واضح.
ويبدو السيناريو الأقرب هو أن تدفع السلطة باسم بعيد عن القيادات الحالية للمؤسسات القومية، على غرار ما حدث في الانتخابات الماضية، حين دعمت عبد المحسن سلامة في مواجهة خالد البلشي. وهو توجه خلافًا لما استقرت عليه سباقات انتخابية كثيرة رسخت صيغة النقيب الحكومي، الذي يجمع بين منصبه ورئاسة مجلس الإدارة والتحرير، ومن أشهرهم الراحلان إبراهيم نافع ومكرم محمد أحمد. فقد تناوب الاثنان على منصب نقيب الصحفيين منذ عام 1985 وحتى 2003، ثم عاد مكرم محمد أحمد للمنصب مجددًا من 2007 حتى 2011، علمًا بأن نافع كان رئيسًا لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام، وأحمد كان رئيسًا لمجلس إدارة دار الهلال.
وبين الأسماء المعروفة بولائها الحكومي وتلك المحسوبة على تيار الاستقلال النقابي، تبدو الحيرة مسيطرة على الجميع للاستقرار على مرشحين محددين، ففي الدوائر الحكومية أو القريبة منها، تتحرك أسماء باستمرار لجس النبض واستمالة الجمعية العمومية، وأبرزهم عبد المحسن سلامة وعلاء ثابت وخالد ميري ورفعت رشاد وعبد الرؤوف خليفة. وفي المقابل، تبرز أسماء نقابية من تيار الاستقلال، مثل محمد خراجة، عضو المجلس السابق، وجمال عبد الرحيم، سكرتير عام النقابة، ومحمد سعد عبد الحفيظ، عضو مجلس النقابة.
ورغم قناعته بأن الحديث سابق لأوانه، يقدم المصدر النقابي المخضرم، الذي تحدث إلى "فكر تاني" شريطة عدم الكشف عن هويته، تحليلًا أوليًا للأسماء المحتمل خوضها السباق في 2027، مشيرًا إلى أن الموالاة والمعارضة لن يقعا في مأزق إيجاد مرشحين. ويلفت إلى أن تيار الاستقلال يمتلك أسماء تصلح للترشح لعشرة أعوام قادمة، وأن المناخ النقابي متجدد، وفوز البلشي لدورتين متتاليتين أحدث نقلة مهمة في معايير الانتخابات وفرص الفوز.
اقرأ أيضًا: لائحة القيد الجديدة.. هل تغلق "الأبواب الخلفية" أم توصد المنافذ أمام الصحفيين الإلكترونيين؟ | فكر تانى

ويرى المصدر ذاته أن عبد المحسن سلامة سيحتاج إلى معجزة للفوز إذا قرر الترشح، موضحًا أنه كان في ذروة قوته خلال السباق الماضي ولم يحالفه الحظ رغم الإمكانيات التي توفرت له من شقق وأراض. ويتابع المصدر قائلًا "لم يفز على البلشي الذي عانى نقاط ضعف مثل طول الفترة الانتخابية، وتوقف خدمات جرى الاتفاق عليها مع الدولة"، مشددًا على أن الدفع به مجددًا سيكون خطأ كبيرًا.
وفيما يخص الكاتب الصحفي علاء ثابت، يعتقد المصدر أنه من الشخصيات التي تدخرها السلطة لمهمة ما، مدللًا على ذلك بالمناصب التي أسندت إليه عقب خروجه من رئاسة تحرير الأهرام. فقد عُين عضوًا بالهيئة الوطنية للصحافة، واستقال منها في 31 مايو 2017 بعد اختياره رئيسًا لتحرير الأهرام التزامًا بالقانون، ثم عاد لعضوية الهيئة إثر خروجه من الأهرام في تغييرات أبريل 2024، كما عُين مؤخرًا عضوًا في الهيئة العامة للاستعلامات. ويعتبر المصدر أن ثابت يمثل نموذجًا مختلفًا عن سلامة، إذ يتسم بالهدوء والرصانة ولا يميل إلى إطلاق الوعود الخدمية الرنانة، مؤكدًا أن فرص فوزه ستكون أكبر، وأن قراره بالترشح سيكون مرهونًا بتكليفه رسميًا.
على النقيض من ذلك، يستبعد علي القماش، رئيس لجنة الأداء النقابي، وهي لجنة نقابية غير رسمية، سيناريو الدفع بعلاء ثابت، موضحًا لـ"فكَّر تاني"، أن تنقلاته بين المناصب ليس لها علاقة بالانتخابات. ويقول، إن "التعيين في عضوية تلك الهيئات يأتي من باب تدوير الناس بتوعنا وليس لها علاقة بانتخابات الصحفيين، لا أعتقد أنه يخوض الانتخابات إلا لو أرادوا هم الدفع به في السباق".
ويتفق مصدر بارز بمؤسسة الأهرام، فضل عدم ذكر اسمه مع هذا الرأي، مشيرًا إلى أن ثابت يكتفي بمنصبيه الحاليين ويأمل في تصعيده لرئاسة الهيئة الوطنية للصحافة خلفًا لعبد الصادق الشوربجي، ولن يترشح لمنصب النقيب إلا إذا طُلب منه ذلك.
توجهات الكتل التصويتية
تبرز عدة أسماء تحاول طرح نفسها في المشهد، منها جمال عبد الرحيم، سكرتير عام النقابة الحالي، الذي تنتهي مدته في مارس المقبل. ويشير المصدر النقابي إلى أن تيار الاستقلال لن يتفق عليه كما توحد خلف البلشي، موضحًا أن قاعدة عبد الرحيم الجماهيرية مختلفة، وقد تتسم بطابع صحفي قبلي مؤسسي، إلى جانب ما يكتنف مواقفه من غموض.ويضيف أن افتقاره لقاعدة صلبة قد يربك موقفه، فمعركة النقيب تختلف كليًا عن مقعد العضوية الذي اعتاد الفوز به.
اقرأ أيضًا:رغيف "رشوان" ليس كل شيء.. ماذا يشتري الحد الأدنى للأجور في "الشقيقة" فرنسا؟ | فكر تانى

في المقابل، ينحاز المصدر لمحمد سعد عبد الحفيظ، معتبرًا إياه مكتسبًا لخبرات مهمة خلال دوراته الثلاث بالمجلس، ومتميزًا بوضوح رؤيته النقابية وعدم خلطها بالسياسة، قائلًا إن عبد الحفيظ واقعي وقادر على مد الجسور مع مختلف الأجيال والتوجهات، وكان شريكًا فاعلًا للبلشي في بناء العلاقات مع الدولة لتحقيق مصالح النقابة.
ويختلف علي القماش مع هذا الطرح، مقيمًا فرص عبد الحفيظ بالضعيفة، نظرًا لأن الأجواء التي رافقت فوز البلشي في 2023 قد لا تتكرر، قائلًا "هناك عراقيل وُضعت أمام مجلس البلشي للحصول على خدمات كثيرة، فضلًا عن أن كتلة الأصوات العقابية التي حصل عليها البلشي كانت وراء نجاحه في المرة الأولى التي ترشح فيها لمقعد النقيب".
ويتفق القماش مع مسألة طموح جمال عبد الرحيم، لكنه يشدد على اختلاف طبيعة المنافسة واعتماده الأساسي على كتلة تصويتية محددة تضمن له الفوز في العضوية فقط.
ويرى القماش أن العضو الحالي عبد الرؤوف خليفة يتحرك بقوة نحو مقعد النقيب، رغم أن فرص محمد شبانة تتجاوزه بكثير حال استقالته من مجلس الشيوخ وتفرغه للنقابة.
كما لا يستبعد القماش ترشح عبد المحسن سلامة، مستندًا إلى حضوره حفل إفطار رابطة صحفيي أسوان بالنقابة، ويضيف "استشفيت من هذا الأمر والحضور في النقابة، أن لديه طموحًا متجددًا في الترشح لمنصب النقيب".
وفي سياق متصل، تذهب معلومات حصلت عليها "فكَّر تاني"، تفكير النقابي البارز محمد خراجة بجدية في الترشح، مستجيبًا لمطالبات عديدة تلقاها مؤخرًا من صحفيين مقربين. ويراهن خراجة على علاقاته الواسعة وقدراته التفاوضية في الملفين الاقتصادي والخدمي، اللذين حقق فيهما إنجازات ملموسة منذ فوزه بالعضوية لأول مرة عام 2003 وحتى دورته الأخيرة الممتدة إلى مايو 2025. وتكشف المعلومات عن تحركات لداعميه لجس نبض الوسط الصحفي، حيث لاقوا ترحيبًا كبيرًا بطرح اسمه.
وحول هوية النقيب القادم، يشير أبو السعود محمد، منسق لجنة الوعي النقابي، وهي لجنة نقابية غير رسمية، إلى احتمالية طرح مرشح مقرب من السلطة في ظل إخفاقات المجلس الحالي، لكنه يشدد على أن تيار الاستقلال لن يتنازل بسهولة وسيدفع بمرشح قوي نظرًا لقدرته التنظيمية العالية.
ويتوقع أبو السعود ألا يقتصر السباق على مرشحين اثنين يمثلان السلطة وتيار الاستقلال، مشيرًا إلى وجود كتلة ثالثة تمتلك رؤى مختلفة قد تدفع بمرشح يمثلها. وعن نيته الشخصية للترشح، يقول "هناك رغبة داخلي للترشح، ولكن الموضوع لم يتضح بشكل كامل، أنا لو طرحت نفسي مرشحًا لمنصب النقيب، سأطرح نفسي لأنني أمتلك رؤية نقابية معينة أستطيع تحقيقها من خلال منصب النقيب"، مستهدفًا كسر احتكار الترشح بين مرشحي السلطة واليسار، ومؤكدًا غياب التوافق الكامل حاليًا حول خليفة البلشي، مما يفتح الباب أمام تعدد المتنافسين.
ويختتم مصدر نقابي بارز بمؤسسة أخبار اليوم المشهد بتوقعه أن يكون النقيب القادم هو النقيب الغامض نظرًا لكثرة المرشحين المحتملين، الذين قد يبلغ عددهم خمسة أسماء، مما يرجح وصول السباق لجولة إعادة.
ويعلل ذلك بعدم جدوى استخدام ورقة البدل المالي هذه المرة، مستشهدًا بـانتخابات المهندسين التي أسفرت عن سقوط المرشح الحكومي والوزير الأسبق هاني ضاحي أمام الدكتور المهندس محمد عبد الغني.
ويقول لـ"فكَّر تاني" تعقيبًا على هذا المشهد، إن "المعركة هذه المرة قد تكون رباعية أو خماسية على منصب النقيب، ولن يكون هناك مرشح واحد فقط مدعوم من السلطة، ومن الممكن أن نجد مرشحين اثنين، هذا درس مستفاد وقد يُلقي بظلاله على انتخابات الصحفيين القادمة".