ليس هناك معنى آخر لـ"أولًا" إلا الأولوية، فعندما تقول مثلًا "ابني أولًا"، فإنك تضع مصلحته فوق رغباتك وأزماتك كي تضمن له الرفاهية، أو على أقل تقدير، تعبد له طريقًا ممهدًا يعينه على استكمال رحلته الصعبة بأقل قدر ممكن من العقبات، لكن يبدو أن لذلك المفهوم معنى أخر لدى الحكومة.
تؤكد وزارة المالية أن موازنة 2026/2027 التي يبدأ تطبيقها في يونيو المقبل ترفع شعار "المواطن أولًا"، كدلالة على التركيز على التنمية البشرية ودعم الفئات الأكثر احتياجًا، من خلال تحسين الأجور ورفع مخصصات التعليم والصحة، وضمن هذا الإطار أعلنت الوزارة قبل تطبيق الموازنة، التي ينظرها مجلس النواب حاليًا، عن زيادة بنسبة 20% للتعليم و30% للقطاع الصحي من أجل رفع جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، كما رفعت الحد الأدنى للأجور ليبلغ 8 آلاف جنيه.
غير أن الخبراء يسجلون العديد من الملاحظات على توجه الحكومة فيما يتعلق بهذا الشعار، فالحد الأدنى للأجور قبل الزيادة كان يبلغ 7 آلاف جنيه تعادل 148 دولارًا، وفي الموازنة الجديدة يبلغ 8000 جنيه تعادل 148 دولارًا أيضًا، وبالتالي فإن القيمة الشرائية الحقيقية للراتب لم ترتفع.
وتترافق هذه الملاحظات مع مواصلة الموازنة العامة حظر صرف مكافأة نهاية الخدمة للعاملين على اعتمادات موازنات كافة الجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية، كما تتضمن حظر إجراء أية تعاقدات جديدة في ضوء أحكام الخدمة المدنية، وفي حالات الضرورة يتطلب الأمر موافقة رئيس مجلس الوزراء ولمدة لا تجاوز ثلاث سنوات.
مخصصات الصحة والتعليم
تثير هذه الزيادات جدلًا في الوقت ذاته حول استئثار الخدمة المرتبطة بشكل مباشر بالمواطن بالنسبة الأقل من المخصصات، مقابل استحواذ بند الرواتب والأجور على الجزء الأكبر من موازنتي التعليم والصحة، خاصة بعد الزيادات الاستثنائية التي أقرتها الحكومة للمعلمين والأطباء بخلاف الحد الأدنى للأجور. وتلعب الرواتب التي ارتفعت جزءًا كبيرًا من مقومات زيادة موازنة الصحة والتعليم، فالزيادة في إجمالي بند الأجور بالموازنة تبلغ 21% بما يعادل 100 مليار جنيه، ويمثل القطاعان التعليمي والطبي أكثر فئتين تم تحريك رواتبهما بالموازنة الجديدة.
وفيما يتعلق بالقطاع التعليمي تتضمن الموازنة الجديدة حافز تدريس إضافيًا قدره ألف جنيه شهريًا للمعلمين بالتربية والتعليم والأزهر، كما يحصل الإداريون المتميزون على "حافز تميز" بواقع ألفي جنيه شهريًا، بتكلفة إجمالية تبلغ 14 مليار جنيه، على أن يكون التطبيق مع بدء العام الدراسي الجديد.
أما القطاع الطبي فشهد منح زيادة إضافية للعاملين قدرها 750 جنيهًا شهريًا، مع رفع فئات نوبتجيات السهر والمبيت بنسبة 25% اعتبارًا من أول يوليو بتكلفة إجمالية تبلغ 8.5 مليار جنيه، وكل تلك الزيادات تحمل على بند المصروفات بموازنة التعليم والصحة مما يرفع البند الإجمالي لهما.
وحينما تتراجع الخدمات الصحية والتعليمية يضطر المواطن للإنفاق على صحته وتعليم أبنائه من جيبه الخاص، حيث خصصت الأسرة المصرية في المتوسط 10.4% من دخلها للصحة و12.5% للتعليم للأسر التي لديها من هم في سلك التعليم، أي ما يقرب من ربع دخول الأسر المصرية بحسب آخر أرقام للدخل والإنفاق أعلنت في 2019/2020.
وترى النائبة أميرة فؤاد رزق، عضو لجنة الشؤون الصحية بمجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، أنه رغم الزيادات الأخيرة لا تزال بدلات العدوى والمخاطر وطبيعة العمل وبدلات النبطشيات للأطباء وهيئة التمريض والعاملين بهيئة الإسعاف في المستشفيات الحكومية متدنية.
وتقول النائبة، في تصريحات لـ"فكر تاني"، إن توجيهات الدولة بزيادة دخول العاملين في قطاعي الصحة والتعليم يجب ألا تتوقف عند الأجر الأساسي فقط، وإنما لا بد أن تمتد إلى مكونات الأجر المتغيرة وفي مقدمتها البدلات المرتبطة بطبيعة العمل والمخاطر اليومية حتى يشعر العاملون في المنظومة الصحية بتحسن حقيقي في أوضاعهم.
ويواجه الأطباء وأطقم التمريض والعاملون بالإسعاف أعباء مهنية وإنسانية كبيرة في ظل بيئة عمل شديدة الصعوبة تشمل التعرض اليومي لمخاطر العدوى، والتعامل مع الحالات الحرجة والطوارئ، والعمل لساعات طويلة قد تمتد إلى 12 و24 ساعة، ما يتطلب دعمًا ماديًا يتناسب مع حجم المسؤولية الملقاة على عواتقهم. وتضيف النائبة أن القيم الحالية لهذه البدلات لم تعد تواكب الواقع المعيشي ولا تعكس حجم الجهد المبذول أو المخاطر الفعلية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على الحالة النفسية والمادية للعاملين ويؤثر على مستوى الرضا الوظيفي، مشددة أيضًا على تحسين بيئة العمل داخل المستشفيات الحكومية وتوفير الدعم اللازم للأطقم الطبية والإسعافية.
وفضلًا عن ذلك تُحمل وزارة المالية أيضًا كل جهة منهما، كما كل جهة حكومية أخرى، حصتها في فوائد الديون الحكومية، إذ نصت التوجيهات التي أُصدرت للجهات الحكومية قبل إصدار الموازنة بإدراج اعتمادات فوائد القروض المحلية وفوائد القروض الأجنبية على أساس المستحق فعليًا للعام المالي 2026/2027 والإطار الموازني متوسط المدى، ما يعني أن بند المصروفات يتضمن أيضًا حصة كل جهة في فوائد الديون التي تقترضها.
الحماية الاجتماعية وتنقية الدعم
تتضمن الموازنة الجديدة تخصيص 832.3 مليار جنيه للحماية الاجتماعية بنمو سنوي يبلغ 12% لدعم ورعاية الفئات الأكثر احتياجًا مع مد مظلتها بشكل أكبر. ويظل بند الدعم الذي يعد أحد العناصر الرئيسية للحماية المجتمعية من العناصر التي تستهدفها موازنة 2026/2027، مع خفض دعم المحروقات بنحو 97 مليار جنيه تعادل 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025/2026. وقد تراجعت قيمة الدعم من إجمالي الناتج المحلي إلى 3.8% في 2020/2021، و4.3% في 2021/2022، و4.5% في 2022/2023، و3.8% في 2023/2024، وصولًا إلى 3.7% في مشروع موازنة 2024/2025، مع توقعات بأن ينخفض باب الدعم إلى 3.6% من الناتج المحلي في موازنة العام المقبل 2025/2026. وفي حال حساب الدعم بالدولار يتضح أنه هبط بنسبة 60% من مستوى 33 مليار دولار في العام المالي 2013/2014 إلى 13 مليار دولار في موازنة العام المالي الحالي 2024/2025 بسبب تراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار.
اقرأ أيضًا: صناعة المذابح الأسرية.. هكذا يكسر الفقر والاكتئاب الفطرة الإنسانية | فكر تانى

وقبل تطبيق الموازنة الجديدة، ووفقًا لبيان صادر عنها، تنفذ وزارة التموين والتجارة الداخلية خطة لتنقية بطاقات التموين بالتعاون مع شركة مايكروسوفت، تتضمن استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لدعم اتخاذ القرار وتحسين كفاءة إدارة منظومتي الدعم والسلع التموينية، بما يسهم في تعزيز دقة واستدامة قواعد البيانات وتحقيق أعلى مستويات الكفاءة التشغيلية، وذلك تماشيًا مع توجه الدولة نحو التحول الرقمي وبناء اقتصاد قائم على المعرفة.
وفي الثمانية أشهر الأولى من العام المالي الحالي بلغ الإنفاق على الدعم والمنح الاجتماعية 425 مليار جنيه من إجمالي مصروفات تعادل 2.9 تريليون جنيه بنسبة لا تتجاوز 14.3%. ويتكرر الأمر ذاته مع مخصصات الأجور التي بلغت 430 مليار جنيه تعادل 14.5% من إجمالي المصروفات، بينما بلغت فوائد الديون 1.6 تريليون جنيه ما يعادل 55% من المصروفات، وبمعنى آخر فإن إجمالي رواتب الموازنة والدعم يمثلان معًا حوالي نصف الإنفاق على الفوائد.
ويرى الخبير الاقتصادي، الدكتور مدحت نافع، أن الموازنة نجحت في توفير 75 مليار جنيه من فاتورة الدعم كسيولة فورية، غير أن الاقتصاد الكلي يواجه نزيفًا صامتًا، فكل جنيه توفره الدولة من بند الدعم يقابله فاقد يتراوح بين 2.5 و3 جنيهات في صورة تراجع في قوتك الشرائية، مع استمرار أسعار الغذاء تحت ضغط غير مباشر من ارتفاع تكاليف النقل بمعدل 20.6% سنويًا المرتبط بالسولار، بينما يتمسك البنك المركزي بمستويات فائدة مرتفعة نسبيًا تبلغ 20% للإيداع تُفاقم عبء خدمة الدين.
ويضيف، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن حرب إيران أكدت أننا لسنا بصدد أزمة عابرة تُدار بردود أفعال آنية، وإنما أمام دورة مخاطر ممتدة تستدعي إدارة استباقية تتجاوز منطق إطفاء الحرائق إلى بناء هوامش أمان عبر أدوات مضادة للدورات الاقتصادية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق وفورات قصيرة الأجل، وإنما في توظيفها ضمن إطار متكامل لإدارة المخاطر يوازن بين الاستقرار الكلي واستدامة النمو عبر سياسات مالية ونقدية مرنة تُفعّل في أوقات الانكماش وتُراكم احتياطيات بأوقات الرخاء، ما يحول دون تحوّل الصدمات الخارجية إلى نزيف داخلي مزمن تمتد آثاره إلى مائدة طعامك.
أرقام الموازنة وهوية المواطن المستهدف
يقول وزير المالية أحمد كجوك إن أرقام الموازنة تعكس أولويات السياسة المالية لصالح الاقتصاد والناس برفع مخصصات الدعم والحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية، لتخفيف الضغوط عن محدودي ومتوسطي الدخل. ويضيف أنه سيتم توجيه أكبر قدر من الاستثمارات الممولة من الخزانة لتسريع مبادرة حياة كريمة والتوسع في التأمين الصحي الشامل، وإحداث مزيد من التحسن بالخدمات التي يتلقاها المواطنون لضمان مستقبل أفضل للمواطن والأجيال القادمة وكل ما يهمهم. ووفقًا للبيانات الصادرة من الوزارة تستهدف الموازنة الجديدة ترتيب الأولويات حتى يكون الإنفاق العام داعمًا لبرامج الحماية الاجتماعية، والوفاء بالاستحقاقات الدستورية لقطاعي الصحة والتعليم مراعاة للبعد الاجتماعي وتخفيفًا للأعباء عن الفئات الأولى بالرعاية وزيادة مخصصات الاستثمار في رأس المال البشري، بالإضافة إلى توفير مخصصات استثنائية لبرامج ومبادرات ومساندة الأنشطة التصديرية كأولوية أولى.
وفي قراءة لتحديد هوية المواطن المقصود بخطاب الحكومة، توضح محللة رأس المال حنان رمسيس، أن الحكومة تركز حاليًا على معدومي الدخل ومن هم تحت خط الفقر، وهي الفئة الأكبر في المجتمع من السكان بسبب ارتفاع سعر الصرف، وبالتالي فإن الخطاب الحكومي حينما يقصد المواطن يستهدف تلك الفئة التي تم تخصيص برامج خاصة لها مثل "تكافل وكرامة" ويتم رفعها باستمرار. وفي هذا السياق رفع البنك الدولي خط الفقر الدولي إلى 2.15 دولار للفرد يوميًا بأسعار 2017 للفقر المدقع، و3 دولارات بأسعار 2021 في البلدان منخفضة الدخل، بينما يحدد خط الفقر للبلدان متوسطة الدخل عند مستويات أعلى مثل 3.65 أو 6.85 دولار يوميًا.
وتضيف رمسيس، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن "لولا ارتفاع الأسعار لكان الحد الأدنى للأجور جيدا، فالتضخم أثر على المواطن وأصبح غير قادر على تلبية احتياجاته بسبب انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار بسبب سياسة التسعير المرن للدولار، ما خلق فجوة كبيرة بين أجر المواطن ومصروفاته". وتقول رمسيس إن الدولار ارتفع في العقود الآجلة لمستوى الستين جنيهًا ما ينذر بتوقعات بارتفاعه أمام الجنيه والمزيد من التضخم، موضحة أن المركزي ثبت الفائدة أخيرًا ما يعني أنك كمواطن ستتحمل التضخم من أجل مواجهة عجز الموازنة، إذ إن رفع الفائدة 1% يزيد من عبء الديون بواقع 45 مليار جنيه على وزارة المالية. وتضيف أن تلك السياسات تؤكد أن السياسة النقدية والمالية تضع مصلحة الموازنة فوق مصلحة المواطن رغم أنه المصدر الأول للإيرادات الضريبية.
ويمثل رفع الفائدة البنكية فرصة لحماية صغار المودعين من التضخم، في حين أن الخفض أو التثبيت يخدم وزارة المالية باعتبارها المقترض الأول وكذلك رجال الأعمال الذين يريدون الاقتراض للتوسع، ليظل المواطن الذي يتحمل الأعباء هو الممول الأول للخزانة العامة إذ أن قرابة 80% من إيراداتها ناجمة عن الإيرادات الضريبية المحصلة منك. ويتضمن مشروع قانون الموازنة العامة للدولة خلال العام المالي 2026/2027 المقبل استهداف الموازنة العامة الجديدة إيرادات بقيمة 4 تريليونات بنمو يبلغ 27.6%، مقابل 5.1 تريليون جنيه للمصروفات العامة بزيادة تبلغ 13.2%.
وهو ما يعود بنا إلى التساؤل مرة أخرى عن المعنى الحقيقي لكلمة "أولًا" في القاموس الحكومي، فالأرقام الضخمة التي تستعرضها الموازنة وتتحدث عن تريليونات الإيرادات ومليارات المخصصات للصحة والتعليم والحماية الاجتماعية تبدو في ظاهرها انتصارًا للمواطن، غير أن الواقع الذي يعيش ويلمسه في محفظته وعلى مائدة طعامه يقول شيئًا مختلفًا تمامًا، فالمواطن الذي ترفعه الحكومة كشعار براق في واجهة موازنتها للسنة المالية الجديدة هو ذاته الممول الأكبر لخزانتها عبر الضرائب، وهو ذاته من يتحمل فواتير التضخم، ومن يُضطر للإنفاق من ماله الخاص لتعويض تراجع جودة الخدمات الأساسية.