"عشاء" ابتلعته العتمة.. تكلفة 10 أيام من إغلاق أبواب الرزق في التاسعة مساءً

رغم تخطيه الستين، يقف عم جمال الريس، بعوده الهزيل المحني، إلى جوار عربته الخشبية على جانب الرصيف أمام مسجد السيدة زينب، يصفق بيديه إلى المارة ليشتروا منه الأحذية، مناديًا "بالضمان.. أي حاجة بالضمان"، بيد أن الضمان الوحيد لاستمراره في مهنته كسريح، هو التكيف مع كل مصيبة كما يسميها، وآخرها مصيبة الإغلاق في التاسعة مساءً.

يقول الريس في حديثه لـ"فكر تاني"، "الحمد لله، إحنا كل ما تنزل علينا مصيبة جديدة، رفع الأسعار أو قلة الشغل أو المرواح بدري، بنقول الحمد لله".

ويوضح الريس، الذي يعول أربعة أبناء، حالة التقشف التي فُرضت عليه بسبب الإغلاق ومحاولته التكيف معها، قائلًا "كنت زمان بركب المترو من المؤسسة بجنيه لحد هنا، دلوقتي من بالليل بعمل حساب أجرة المترو، كمان بطلت أفطر مع العيال، إحنا أربعة، لو كل واحد فطر فول وطعمية الواحد يتكلف أقل حاجة 20 جنيه، العشرين جنيه دي بوفرها للمترو، وأجي أفطر هنا في السيدة في أي خدمة من اللي بيقدموا أكل للناس"، قاصدًا الطعام الذي يوزعه المواطنون بالقرب من مسجد السيدة زينب.

مثل نواة الزير

تعود جذور أزمة الريس الطارئة إلى قرار حكومة الدكتور مصطفى مدبولي، بإغلاق المحال والكافتيريات والمقاهي في التاسعة مساءً، بداية من 28 مارس الماضي ولمدة شهر، وذلك ترشيدًا للطاقة ولتقليل حركة المواطنين ضمن حزمة إجراءات تقشفية لمواجهة تداعيات الحرب على إيران.

وخلال عشرة أيام انقضت منذ سريان القرار، تشن الجهات التنفيذية في الأحياء حملات مكثفة على الميادين، ومنها ميدان السيدة زينب، لتنفيذ الإغلاق مبكرًا، بينما يعتمد الباعة الجائلون بطبيعة عملهم على حركة البيع حتى منتصف الليل، مما أثر بالسلب على دخلهم اليومي.
ويكشف الريس تأثير هذا القرار عليه بقوله "لما بيمشونا الساعة 8، وأوقات تقوم في دماغهم يمشونا الضهر أو العصر، ببقى شايل هم إني هاروّح البيت أحط بوزي في بوز العيال، قبل كده لو ربنا رزقني وبعت في اليوم بـ500 أو 600 جنيه بارجع للعيال بالعشا، دلوقتي ببقى خايف أرجع البيت، هاقولهم إيه".

ويربح جمال ما بين 20% إلى 25% من إجمالي البيع اليومي حسب قوله. ويكمل الرجل الذي لا تعرف عنه الحكومة شيئًا، حديثه "بيوتنا أصلًا مسنودة بنواية زي النواية اللي بتسند الزير، عندي عيال في المدارس بيحتاجوا حاجات كتير غير الدروس، منهم اللي في الجامعة بيشتغل في الصيف عشان يُستر نفسه قدام زمايله، وأنا كمان على قد ما أقدر مش مخليهم يشيلوا همي، بفطر واتغدى بره البيت، من رزق ربنا اللي بيجيلنا واحنا حوالين جامع الست".

10 لا تكفي رجب

لم يكن عم جمال استثناءً في ميدان السيدة زينب الذي يعمل وحوله مئات "السريحة"، فحين تعطي ظهرك للميدان وقبل أن تتجه لشارع خيرت، ستطالعك فروشات الملابس أمام المحال، فمنهم من يفرش بضاعته على الأرض، ومنهم من يضعها على استاند حديدي، وآخرون يفرشونها على عربات خشبية تُجر من داخل الجراجات إلى الميدان لمسافة تقارب نصف كيلومتر عبر حارات غير ممهدة، وصولًا إلى شارع السد ومنه للميدان. وهناك يقف رجب، الذي يدفع لصاحب الجراج 20 جنيهًا يوميًا مقابل مبيت عربته، بين زملائه ينادي "تعالى بص بـ 10 بس" على بضاعته من الجوارب.

ويكشف رجب تأثير القرار عليه، قائلًا "القرار ده خسرني كتير أنا وزمايلي، على الأقل تلت مكسبي راح وكمان الأسعار رفعت بعد زيادة البنزين". ويضيف البائع الذي يعول أسرة من ثلاثة أبناء وزوجة ووالدة، وقد غطى الشيب رأسه، في حديثه لـ"فكر تاني" قائلًا "أجر عربتي الخشبية من الجراج يوميًا من الثانية عشر ظهرًا، أبيع الشرابات في وسط الميدان، وأعود للجراج 12 مساءً، لكن احنا دلوقتي لازم نلم نفسنا الساعة 8 ونمشي، واللي يقعد بعد كدا البلدية بتاخد عربيته باللي عليها، في الأيام اللي قبل تنفيذ قرار الغلق ممكن أبيع في اليوم بـ500 جنيه، دلوقتي أنا كبيري أبيع بـ 300 جنيه بس".

موت وخراب ديار

وكما تأثرت معيشة رجب وعم جمال، امتد التأثير القاسي للإغلاق في التاسعة مساءً ليشمل عمال المقاهي، خاصة أصحاب الوردية الليلية، حيث إن أغلب مقاهي القاهرة الكبرى تعمل على مدار أربع وعشرين ساعة مقسمة على ورديتين. وقد دفع هذا الوضع عمال مقهى "حواديت الخواجة" في وسط البلد إلى اقتسام أيام العمل الذي تقلص إلى وردية واحدة.

ويشرح علي الصعيدي، الذي يعمل في المقهى، لـ"فكّر تاني" الوضع الجديد بقوله "بعد قرار الغلق بنفتح القهوة الساعة 6 الصبح، وبقيت أنا وزميلي بنسلّم بعض يوم بيوم، بعد ما كنا بنسلم بعض الوردية كل يوم، عشان قفل القهوة الساعة 9، بنشتغل وردية وحدة في اليوم، وده هايخلي أجرتنا تنزل النص، فقولنا بدل ما كل واحد فينا ينزل الشغل كل يوم ويركب مواصلات والمواصلات كمان غليت، يعني ادفعلي 30 جنيه كل يوم في المواصلات وآكل ساندوتشين بـ 20 جنيه، أصرف 50 جنيه عشان اشتغل 7 ساعات بـ100 جنيه، هو ينزل الشغل يوم وأنا يوم عشان ما يبقاش موت وخراب ديار".

ويستطرد الصعيدي في وصف معاناتهم "آخر مشروب بنقدمه للزباين الساعة 8 ونص، صاحب القهوة بيطفي النور كأنه بيقول للزباين ياللا عشان معاد القفل قرّب، أما احنا اللي شغالين في القهوة فلولا البقشيش ما كناش هنشتغل الشغلانة دي".

من الفينو واللبن إلى الفول

وهذا البقشيش تحديدًا يشتكي من ندرته عمال مقهى آخر، وهو مقهى الحرية الشهير بوسط البلد، حيث يقول عيد العامل بالمقهى "المرتب اللي بناخده مالوش لازمة، أنا وكل زمايلي مكسبنا من البقشيش، لكن الحالة نشفت مع الناس بسبب الغلاء وارتفاع الأسعار، وشغل القهوة بقى شيفت واحد، ولما الزباين قلّت جدًا عن الأول، صاحب القهوة قال هانفتح من الساعة 6 المغرب للساعة 3 بعد نص الليل، وبعد ما قالوا كله هايقفل الساعة 9 بالليل، صاحب القهوة رجع قال هانفتح من الساعة 2 الضهر لحد الساعة 9، وده خسرنا كتير عشان إحنا أغلب زباينا بييجوا بالليل، وإحنا مكسبنا كله من بيع المشروبات الروحية".

وعن كيفية التكيف مع تلك الظروف، يواصل عيد حديثه قائلًا "لما الأسعار غليت بطلت سجاير غصب عني، وبعدين لما المحلات قفلت الساعة 9، بطلنا نفطر شاي بحليب وفينو الصبح، بقينا نخلي فطارنا مرة واحدة عيش وفول وطعمية، هانعمل إيه آدينا بنتحايل على المعايش، والعيال لما شافوا الحالة صعبة قالوا بلاها دروس خصوصية وربنا يسترها وما يخلوناش نقول بلاها مدارس".

ومع قسوة تلك الظروف، تبدو أزمة عيد أهون كثيرًا من مأساة عبده المنوفي الذي استغنى عنه صاحب مقهى الحبايب في السيدة زينب، ليجد نفسه في الشارع عاطلًا عن العمل. ويروي المنوفي لـ"فكّر تاني" معاناته قائلًا "كنت باخد وردية بالليل من 6 المغرب لـ6 الصبح، بعد قرار الإغلاق استغني عني صاحب القهوة".

ويضيف بأسى "المشكلة مش إني أشوف شغلانة تانية غير شغلة القهوجي، لكن المشكلة إني ألاقي شغل في مكان تاني غير السيدة زينب، أنا باخد 150 جنيه في اليوم ودول بالعافية يكفوني أنا وعيالي، زوجة وطفلين، فول وطعمية، وأنا شغال هنا كنت أعتمد على اللي بيجودوا بيه حبايب السيدة علينا، وجبة أو وجبتين في اليوم لحمة أو فراخ بروّح بيهم لعيالي، وأنا كمان ماكنتش بشيل هم أكلي، كنت باكل من الخدمات اللي حوالين السيدة، هاعمل إيه دلوقت".


اقرأ أيضًا: أرزاق على المحك.. ماذا سيفعل عمال اليومية في مواجهة شبح "التاسعة مساء"؟ | فكر تانى

تصميم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

 

 

 

 

 

 

 

 


مش "عن عن"

يقول إلهامي الميرغني، الباحث الاقتصادي والعمالي ونائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، في تصريحات إلى "فكّر تاني"، إن قرار غلق المحال في التاسعة مساءً يُعد قرارًا غير مدروس يؤثر على مجمل الحياة الاقتصادية، ويضر بمصالح العمال وأصحاب العمل في المحال والمطاعم والمقاهي وتجار التجزئة، فضلًا عن الإضرار بالسياحة. وينعكس هذا القرار بشدة على قطاع المطاعم والخدمات والقطاع التجاري، مما يدفع العشرات من المنشآت الصغيرة إلى دائرة الخسائر نتيجة تقليص ساعات التشغيل.

ويرى الباحث أن الحكومة لم تعلن عن قيمة الوفورات المحققة من هذا القرار وكيفية مواجهة المخاطر المترتبة عليه، مشيرًا أن القرار جاء متعجلًا قبل إجراء الدراسات اللازمة أو عرضه لحوار مجتمعي يناقش مكاسبه وخسائره.

وأوضح الميرغني في تعليقه أنه وفقًا لبيانات التعداد الاقتصادي لعامي 2022 و2023 ومصادر أخرى، يوجد في مصر 400 ألف منشأة تعمل في هذا المجال، منها 180 ألف مطعم و220 ألف مقهى وكافيه وكافتيريا، متجاوزًا حجم القطاع 104 مليارات جنيه سنويًا. وأشار إلى أن 48.5% من منشآت قطاع المطاعم غير مسجلة، و90% منها منشآت فردية، و99% من المطاعم يعمل بها أقل من عشرة عمال، بإجمالي 710 آلاف عامل. وحذر من أن هذا الإغلاق سيؤثر على أكثر من مليون عامل ونصف مليون صاحب عمل ومردود ذلك على أسرهم، بالإضافة إلى تأثر 1.7 مليون محل تجاري للبيع بالتجزئة يملكها 1.9 مليون شخص ويعمل بها 4.1 مليون عامل.

وفي ختام حديثه، طرح الباحث عدة تساؤلات حول عدد الأسر المتأثرة بالقرار، وما إذا كانت الحكومة قد درست هذه الأرقام أو حسبت حجم الخسائر والتأثيرات على القطاعين السياحي والتجاري، معقبًا على ذلك كله بقوله "إدارة الاقتصاد علم مش عن عن".

وبينما تبقى تساؤلات الأرقام والحسابات معلقة في أروقة صُناع القرار، يتردد صدى هذا الواقع المرير في شوارع القاهرة وميادينها التي انطفأت أضواؤها باكرًا. فهناك على أرصفة السيدة زينب وفي زوايا مقاهي وسط البلد، لا تعني الإحصاءات المليارية شيئًا لعم جمال أو رجب أو عبده، فالأرقام في عُرفهم مجرد جنيهات معدودة تضمن عشاء أطفالهم أو أجرة عودتهم إلى بيوتهم، ليتحول الإغلاق من مجرد إجراء حكومي هدفه ترشيد الطاقة إلى ليل طويل يطمس ملامح حياة كاملة كانت تستمد بقاءها من زحام المساء، ليظل هؤلاء الكادحون يدفعون من قوت يومهم الفاتورة الأثقل لقرارات تقشفية لم يشاركوا في حسبانها يوما.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة