يستعد مجلس النواب لإجراء تعديل عاجل على قانون النقابات العمالية بعد العيد، يمد زمن الدورة النقابية إلى خمس سنوات بدلًا من أربعة، ويفتح الباب أمام استمرار اللجان النقابية الحالية فترة إضافية، وتأجيل الانتخابات العمالية المرتقبة في مايو المقبل.
كانت لجنة القوى العاملة، التي يرأسها النائب محمد سعفان وزير القوى العاملة الأسبق، على موعد مع دراسة الأثر التشريعي لـقانون المنظمات النقابية العمالية وحماية حق التنظيم النقابي رقم 213 لسنة 2017، الأحد الماضي. وقد تصورتُ أن الاجتماع سيرتكز على تقييم القانون، الذي كانت لدى المنظمات الحقوقية تحفظات عليه وقت صدوره، لكنني فوجئت بأن الأمر يتجه إلى تعديل عاجل بعد العيد مباشرة، قبل حلول موعد انتخابات النقابات العمالية في مايو المقبل.
سجلت المنظمات الحقوقية، ومنها دار الخدمات النقابية والعمالية، اعتراضاتها على القانون وقت صدوره قبل نحو تسع سنوات، وأهمها: عدم الاعتراف بالنقابات المستقلة، وإسقاط بعض القطاعات مثل العاملين بالصيد وأصحاب المعاشات الذين كانت نقابتهم، ولم تزل، من أكثر النقابات كفاءة وحيوية، والتمسك بالبنيان الهرمي للنقابات، وفرض نموذج واحد للتنظيم النقابي ممثلًا في الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، وعدم الاعتراف بالاتحادات الإقليمية والقطاعية التي كوّنها العمال المصريون خلال سنوات سابقة، فضلًا عن تقييد حق تكوين النقابات العامة، واشتراط تشكيلها من 15 لجنة نقابية فرعية، وكذا اشتراط وجود عشر نقابات عامة لتشكيل اتحاد.
لماذا التعديل؟
يقول النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، إنه "بعد شهر ونصف سنكون أمام موعد الانتخابات العمالية في مايو المقبل، وهذا الكلام قاله ممثلو اتحاد نقابات عمال مصر في اجتماع اللجنة، وقالوا إن هناك احتياجًا لترحيل موعد الانتخابات".
ويشير منصور في تصريحات خاصة لـ"فكر تاني" إلى أن ممثلي الاتحاد أوضحوا ضرورة إبعاد الانتخابات عن شهري مايو ويونيو لتزامنها مع عيد العمال، ووجود التزامات في منظمة العمل الدولية خلال هذه الفترة، إذ "قالوا إن تزامن الانتخابات مع هذه الالتزامات أمر مربك فأرادوا الترحيل، وهذا يتطلب تعديلًا للقانون ولا بد من تشريع ينظمه".
مطلب الاتحاد بمد الدورة النقابية إلى خمس سنوات، توافقَ مع مشروع القانون الذي تقدمت به النائبة عن حزب الوفد وتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، نشوى الشريف، مبررة ذلك في تصريحات خاصة لـ"فكر تاني" بـ"أن يكون النقابي قد أخذ فرصته في تنفيذ برنامجه".
لكن يبدو أن التأجيل لا يقتصر على شهر أو اثنين، فقد ظهر خلال اجتماع اللجنة اقتراحان: الأول يؤجل الانتخابات لشهر نوفمبر من العام الجاري 2026، والثاني يؤجلها عامًا وستة أشهر كاملة لتنعقد في أكتوبر 2027. ويوضح منصور أن اللجنة ما زالت تدرس الاقتراحين، ولم تستقر على اقتراح محدد حتى الآن.
ويتابع منصور: "الجميع موافق على التأجيل ووضع مادة انتقالية تغير موعد الانتخابات"، لكنه يشير إلى الخلاف بشأن الموعد الجديد، ويضيف خلافًا آخر بشأن تعديل جديد يمد مدة عمل الدورة النقابية إلى خمس سنوات، وهو ما لم يتوافق عليه نواب لجنة القوى العاملة حتى الآن.
يعتبر منصور أن أربع سنوات مدة كافية للدورة النقابية، لكن مبرر التعديل تؤيده النائبة عن حزب الإصلاح والتنمية ووكيلة لجنة القوى العاملة، راوية صالح، قائلة: "هذه الفترة غير كافية للمجالس النقابية الجديدة التي تستغرق ستة أشهر في بداية مدتها للتعرف على الأوضاع وتنظيم العمل، وتستغرق ستة أشهر قبل الانتخابات في الاستعداد لها".
أما منصور، النائب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، فيطالب بالإبقاء على أربع سنوات "لأن النقابات بحاجة إلى تجديد الدماء"، ويطالب أيضًا باكتفاء المرشح بدورة نقابية واحدة وعدم الترشح أكثر من مرة، خاصةً أنه يلفت إلى ضعف المشاركة في الانتخابات النقابية بصفة عامة، قائلًا: "في انتخابات المهندسين نزل وشارك 1.5%، وفي النقابات العمالية نسب المشاركة أعلى قليلًا، لكن الفكرة في النهاية أن هناك إشكالية في الحضور وثقة الناس في الانتخابات، فنحن بحاجة لتجديد الدماء، وللناس التي تتحرك، وأن نكتشف الطاقات بين الناس التي تعمل".
ويرى منصور أن المخرج من هذا الوضع يتمثل في إقرار تعديل سريع يؤجل الانتخابات المرتقبة من شهر مايو إلى أكتوبر المقبل، على أن تبدأ اللجنة بعد العيد مباشرة في عقد حوار مجتمعي، وإجراء تعديلات شاملة على قانون النقابات العمالية، خلال دور الانعقاد الحالي، قبل شهر يوليو المقبل.
اعتراضات حقوقية
قد يكون اقتراح منصور مخرجًا من أزمة إرجاء الانتخابات عامًا ونصف العام، خاصة في ظل الاعتراضات الحقوقية على ما دار في اجتماع لجنة القوى العاملة الأحد الماضي، حيث أصدرت دار الخدمات النقابية والعمالية بيانًا يلفت إلى تقدم النائبة عن حزب الوفد وتنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، نشوى الشريف، بمشروع قانون يمد مدة الدورة النقابية إلى خمس سنوات، بالإضافة إلى تقدم الاتحاد العام لنقابات عمال مصر بمقترح تعديل مماثل إلى المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي.
واعتبرت الدار أن هذا يعكس "اتجاه إرادة الأجهزة التنفيذية إلى تعديل مدة الدورة النقابية، وإن كانت الحكومة قد فضلت، فيما يبدو، ألا تتقدم بنفسها بمشروع القانون فعهدت بذلك إلى أطراف تبدو غير حكومية من ناحية الشكل، مما يمكن معه استنتاج وتوقع موافقة مجلس النواب على مشروع القانون دون معارضة تذكر".
ولفت بيان الدار إلى إشكاليات أكبر في فلسفة مشروع القانون، وإجراء انتخابات المنظمات النقابية جميعها في توقيت واحد، قائلًا: "لقد كان ذلك مناسبًا للزمان الذي كان مفروضًا فيه تنظيمٌ نقابيٌ واحدٌ أقرب ما يكون إلى مؤسسة حكومية، لكنه لم يعد مناسبًا لمنظمات نقابية متعددة يُفترض أن العمال يؤسسونها في تواريخ مختلفة، فيكون بعضها قد تأسس قبل عام واحد، أو قبل عامين أو ثلاثة أعوام من التوقيت المحدد الذي يتم فرضه لإجراء الانتخابات".
وأوضح البيان أنه أمام مطالب الدار المتكررة بتعديل القانون، تعهدت الحكومة بإجراء تغييرات، واعتبر البيان أنه "كان الأولى بالحكومة، وبالمجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي – ما دمنا بصدد تعديل القانون- مناقشة مقترحات كافة الأطراف بشأن تعديل القانون بدلًا من الاكتفاء المتعجل بتعديل الفقرة الأولى من المادة (42)".
وشدد البيان على أن أربع سنوات مدة كافية جدًا للدورة النقابية، فقد جرى العرف أن تكون مدة الدورة النقابية لمعظم النقابات والاتحادات النقابية الدولية أربع سنوات. وقال كمال عباس، رئيس دار الخدمات النقابية والعمالية، في تصريحات خاصة لـ "فكر تاني" إن السبب "فكاهي جدًا"، معتبرًا أن الهدف قد يكون مرتبطًا بالانتخابات الرئاسية في 2030 لتكون المنظمات النقابية والاتحادات متفرغة لها، مضيفًا: "هذه تغييرات بالمقاس لا يوجد بها أي مراعاة للعمل النقابي".
إن التوجه نحو تعديل "بالمقاس"، كما وصفه عباس، يكشف أن المسألة تتجاوز مجرد إضافة سنة للدورة النقابية أو تأجيل انتخابات مايو، بل تتعلق بمدى الثقة في العملية الانتخابية ذاتها. ويبدو أننا مقبلون على تعديل عاجل بعد العيد لن يُعير اعتبارًا لهذه الأمور، ليبقى الرهان على جدية الحوار المجتمعي المرتقب.