ألف يوم خلف القضبان.. أحمد جيكا ولعبة "القط والفأر" في دوامة التدوير

قبيل زيارتها له في عيد الفطر الماضي، تمنت والدة الشاب المحبوس أحمد جيكا أن يُحال ابنها إلى المحاكمة، بغض النظر عما قد ينتظره من حكم، عوضًا عن استمرار حبسه بلا أفق منذ ثلاث سنوات تقريبًا.

فالأم التي اعتادت مشقة التنقل من أجل زيارة ابنها لا تشكو صعوبة المشوار أو الكلفة المادية والجسدية التي تبذلها في كل زيارة، وإنما يؤذيها ما يمر به من ظروف نفسية وجسدية في ظل عدم معرفته بمصيره وما إذا كان سيخرج أو سيحاكم أو ما سيحل به.

تحكي أم جيكا لـ"فكر تاني"، قائلة إن "آخر مرة زرته في عيد الفطر، وأخبرني بأنه مكث في المركز الطبي بسجن العاشر من رمضان، حوالي شهرًا، لأنه كان يشكو من ألم في بطنه، وقاموا بإجراء أشعة وتحاليل له، إلى أن خف، وعاد مرة أخرى للسجن، لكنه لم يخبرني عن سبب ألم بطنه". ورغم قسوة آلام المرض ومرارة الحبس المجهول المصير، لم يكن ذلك أقسى ما تعرض له جيكا، فقد كانت قصته مع التدوير التجربة الأشد قسوة على الإطلاق.

القط والفأر

وجد أحمد حمدي السيد سليمان، المشهور بجيكا، نفسه على مدار ثلاث سنوات عالقًا في لعبة تشبه القط والفأر داخل أروقة السجون، حيث تعرض للإخفاء القسري ثلاث مرات، وجرى تدويره مرتين ليظل محبوسًا على ذمة ثلاث قضايا مختلفة، تحمل جميعها الاتهامات ذاتها، وهي الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، ومع كل واقعة اختفاء، كان محاميه يسارع بتقديم بلاغ للنائب العام للكشف عن مكان احتجازه.

بدأت مأساة جيكا عندما تلقت والدته مكالمة هاتفية، يوم 23 يونيو لعام 2023، تُطالبها بضرورة حضور ابنها للمتابعة الأمنية من دون إبداء أي تفاصيل. وفي اليوم التالي فوجئت الأم بقوات الأمن تقتحم المنزل وجيكا في حوزتهم، ليقوموا ببعثرة محتوياته والاستيلاء على هاتفها المحمول، ثم اقتادوا الشاب إلى جهة غير معلومة ليُخفى قسريًا. وبعد 58 يومًا من الاختفاء في حوزة الجهات الأمنية، ظهر جيكا في النيابة العامة بقليوب، يوم 11 أغسطس 2023 ليُحقق معه حينها في القضية رقم 13034 لسنة 2023 جنح مركز قليوب والمقيدة برقم 869 لسنة 2023 حصر تحقيق نيابة قليوب. وقد وجهت النيابة له تهمتي الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، ثم قررت إخلاء سبيله بضمان محل إقامته في اليوم نفسه.

وفي الوقت الذي كانت تنتظر فيه والدته تنفيذ قرار النيابة، فوجئت بعدم وجوده في قسم شرطة قليوب، ليختفي جيكا قسريًا مرة أخرى، مما دفع محاميه لتحرير بلاغ آخر قُيّد برقم 45318 للتحقيق في واقعة الاختفاء الثانية وعدم تنفيذ قرار إخلاء سبيله. وفجأة وبعد أسبوعين تقريبًا من الاختفاء، ظهر جيكا مجددًا في 27 من أغسطس 2023 على ذمة قضية جديدة في مدينة مختلفة، وهي القضية رقم 3117 لسنة 2023 جنح كفر شكر، لتُوجه إليه النيابة الاتهامات عينها. ومكث الشاب في الحبس الاحتياطي أربعة أشهر تقريبًا، حتى صدر قرار بإخلاء سبيله من غرفة المشورة بمحكمة الجنايات في 21 من يناير 2024 بكفالة قدرها 3000 جنيه سددت بالفعل. ورغم أن النيابة استأنفت على قرار الإخلاء في 22 من يناير 2024، أُيد القرار، وانتظر المحامي والأهل خروجه، غير أن قرار إخلاء سبيله لم يُنفذ للمرة الثانية ليختفي قسريًا من جديد.

دفع هذا التطور محاميه للتقدم ببلاغ جديد لمكتب النائب العام في 3 فبراير 2024 قُيّد برقم 669834 لسنة 2024 للمطالبة بتنفيذ القرار الصادر من محكمة الجنايات بإخلاء سبيل جيكا، والتحقيق في واقعة الاحتجاز من دون وجه حق وكشف مقر احتجازه. وبعد شهر تقريبًا من الإخفاء القسري، ظهر جيكا أمام نيابة أمن الدولة في 26 من فبراير 2024 على ذمة قضية ثالثة حملت رقم 165 لسنة 2024 حصر تحقيق أمن دولة، ووجهت إليه النيابة فيها نفس اتهامات نيابتي قليوب وكفر شكر، وهي الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة.

الموقف القانوني والمطالبات بالإفراج

وعن هذا المسار القانوني المعقد، يقول محمد الحلو، محامي جيكا والمستشار القانوني للمفوضية المصرية للحقوق والحريات، إن "جيكا تخطى مدة الحبس الاحتياطي الأقصى في القانون حسب المادة 143 من قانون الإجراءات ويجب الإفراج عنه قانونا"، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن الاتهامات الموجهة إليه ملفقة. وتجدر الإشارة إلى أن المادة 143 من قانون الإجراءات الجنائية تنص بوضوح على أنه لا يجوز أن تجاوز مدة الحبس الاحتياطي في مرحلة التحقيق الابتدائي وسائر مراحل الدعوى الجنائية ثلث الحد الأقصى للعقوبة السالبة للحرية، بحيث لا تتجاوز ستة أشهر في الجنح وثمانية عشر شهرًا في الجنايات، وسنتين إذا كانت العقوبة المقررة للجريمة هي السجن المؤبد أو الإعدام.

ويوضح الحلو لـ"فكر تاني"، أن "أحمد جيكا تم تجديد حبسه يوم 11 نوفمبر الماضي 45 يوما، وتمت إحالة القضية للمحكمة يوم 18 من الشهر نفسه، ولكن حتى الآن لم يتم تحديد أول جلسة".

وفي سياق متصل، طالبت حملة أنقذوا حرية الرأي بإخلاء سبيل جيكا بعد مرور أكثر من عامين في الحبس الاحتياطي. وهكذا وبعد معاناة استمرت ثلاث سنوات تقريبًا، أصبح طلب الإفراج عن أحمد جيكا ليس واجبًا قانونيًا فقط، وإنما هو مطلب إنساني أيضًا.


اقرأ أيضًا: مكانه فاضي | "ابني ميعرفنيش".. حصيلة 9 سنوات من الحبس والتدابير بحق حمدي الزعيم | فكر تانى

تصميم: سلمى الطوبجي - فكر تاني
تصميم: سلمى الطوبجي - فكر تاني

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة