خَلُصت ورقة بحثية جديدة إلى أن الأزمة الحقيقية في قانون الضريبة العقارية الجديد لعام 2026 ليست في النص التشريعي، بقدر ما هي أزمة في تطبيق القانون وضمانات العدالة.
وأوضحت الورقة، الصادرة عن "فكّر تاني" تحت عنوان "قانون الضريبة العقارية قراءة في مواقف الحكومة والبرلمان والمجتمع المدني"، أنه لا يمكن للمجتمع المدني أو البرلمان قبول الضريبة العقارية ما لم تتحول إلى عائد ملموس عن طريق تخصيص جزء من حصيلة الضرائب لتطوير البنية التحتية المحلية، مما يمثل الضمانة الوحيدة لتحويل الممول من متهرب مُحتمل إلى شريك في التنمية.
وترى الورقة التي أعدتها الباحثة أسماء عرفة أن هذه التعديلات تُعد نقطة تحول جوهرية في الفلسفة التشريعية الضريبية في مصر، حيث تجسد محاولة طموحة لصياغة نموذج هجين يسعى للتوفيق بين نظريات اقتصادية ومدارس مالية متباينة.
وترتكز هذه الرؤية على تقييم مدى نجاح التعديلات في تحقيق أبعاد العدالة الثلاثة الرأسية والأفقية والإجرائية، وذلك في ظل المتغيرات الاقتصادية الراهنة.
مسار التشريع وانقسام البرلمان
وقد رصدت الباحثة مواقف الأطراف المعنية بداية من الحكومة التي قدمت حزمة تعديلات على قانون الضريبة العقارية رقم 196 لسنة 2008 لمجلس الشيوخ في أول يناير الماضي.
وبعد مناقشة المشروع وافق أغلب أعضاء المجلس عليه من حيث المبدأ، وقدموا تقريرًا يتضمن مجموعة توصيات جوهرية قبلتها الحكومة، لتتم إحالة القانون إثر ذلك إلى مجلس النواب في أول فبراير الماضي لمناقشته وإقراره.
وفي أروقة مجلس النواب توضح الورقة انقسام الأعضاء بين تيار مؤيد وآخر معارض يطالب بإعفاءات أشمل.
ويرى المؤيدون الذين يمثلون الأغلبية أن التعديلات تمثل ضرورة حتمية لواقعية التشريع عبر منح الحكومة مرونة في تحريك حدود الإعفاء لمواكبة التضخم، إلى جانب رقمنة التحصيل لإنهاء عقود من البيروقراطية والتهرب الضريبي. وفي المقابل يرى المعارضون وهم الأقلية أن التعديلات تضغط على الطبقة المتوسطة مطالبين بربط حد الإعفاء بمؤشر التضخم أو سعر الصرف.
وتشير الباحثة في سياق متصل إلى مطالبة بعض النواب بإعفاء السكن الخاص من الضريبة العقارية كليًا بغض النظر عن قيمته انطلاقًا من اعتبار السكن الخاص "حقًا أصيلًا" كفله الدستور وفقًا للمادة 78 التي تنص على كفالة الدولة للحق في المسكن الملائم.
واعتبر هؤلاء النواب أن فرض ضريبة على البيت الذي يسكنه المواطن بمثابة عقاب له على امتلاك سكن، مضيفين أن فرض ضريبة دورية عليه يشبه الإيجار الذي يدفعه المواطن للدولة مقابل تملكه لبيته. وتطرق النواب أيضًا إلى انتقاد التفويض التشريعي الذي يمنح مجلس الوزراء سلطة تحريك حدود الإعفاء مستقبلًا، معتبرين أن حد الإعفاء يمثل جزءًا أصيلًا من بنية الضريبة، والتفويض فيه قد يُعد تخليًا من البرلمان عن اختصاصه لصالح السلطة التنفيذية.
واستندوا في ذلك إلى نص المادة 38 من الدستور المصري التي تؤكد أن "فرض الضرائب أو تعديلها أو إلغاءها لا يكون إلا بقانون".
وأبدى البعض تخوفه من إمكانية استخدام هذا التفويض مستقبلًا في خفض حد الإعفاء إذا احتاجت الحكومة لزيادة الحصيلة، مما يمس المواطنين بقرار إداري تغيب عنه الرقابة البرلمانية المسبقة.
رؤية المجتمع المدني ومخاوف التطبيق
وعلى صعيد المجتمع المدني والخبراء رصدت الباحثة تباينًا في ردود الأفعال بين الترحيب بالتحسينات الإجرائية والتحفظ على بعض الفلسفات الضريبية، فضلًا عن التخوف من تحول الضريبة العقارية إلى عبء إضافي فوق التضخم المتزايد وتكاليف الصيانة والخدمات، موضحة أن المجتمع المدني أكد ضرورة توجيه حصيلة الضريبة لتطوير الحي أو المنطقة التي جُمعت منها كنوع من إظهار العائد للممول، ليصبح بذلك شريكًا في البحث عن عدالة التوزيع متجاوزًا مربع المعارضة المجردة لتعديلات القانون.
وتبرز الورقة البحثية تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية الصادر في مارس 2026 كأحد التقارير المعبرة عن رؤية متوازنة للمجتمع المدني، فهو لا يرفض الضريبة من حيث المبدأ وإنما يؤصل لها اقتصاديًا واجتماعيًا مع توجيه النقد لآليات تطبيقها.
وانتقد التقرير إقرار التعديلات على عجلٍ مبديًا تخوفه من غدر لجان التقييم والتخبط في معايير تقدير القيمة السوقية للعقارات، مما يجعل الممول تحت رحمة لجان الحصر. واختتمت المبادرة رؤيتها بالمطالبة بإعفاء المنازل التي لم يُسدد ثمنها بالكامل وتفعيل ضريبة تصاعدية حقيقية.
اقرأ أيضًا: ورقة بحثية جديدة: كيف تدير السلطة في مصر التعددية السياسية؟ | فكر تانى
