تواجه الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة توصية حاسمة من نيابة النقض برفض الطعن الذي قدمته على حكم إدانتها بـ"السرقة الأدبية"، وتأييد معاقبتها بتغريمها مائة ألف جنيه وسحب كتابها من الأسواق.
ورغم أن رأي نيابة النقض ليس إلزاميًا للمحكمة، حسبما أوضحت مصادر قضائية لصحيفة "فكر تاني"، تطرح هذه التوصية وما تضمنته أوراق القضية من دفوع النزاع تساؤلًا جوهريًا عمّن يمتلك النص حين تتعدد المصادر المشتركة، وكيف يفصل القانون بين الاستناد المشروع إلى المراجع التاريخية والعامة من جهة، وبين النقل الحرفي والتشابه السردي الذي يشكل اعتداءً صريحًا على الجهد الإبداعي من جهة أخرى.
وتعود جذور هذه الأزمة إلى دعوى أقامتها الكاتبة الصحفية سهير عبد الحميد، أمام المحكمة الاقتصادية، متهمة الوزيرة بالتعدي الصريح على حقوقها الفكرية والأدبية، حيث أوضحت المدعية في دعواها أن كتابها الصادر عام 2022 تحت عنوان "اغتيال قوت القلوب الدمرداشية سيدة القصر"، يمثل أول سيرة ذاتية متكاملة عن الشخصية محل البحث، ويعكس جهدًا بحثيًا وأدبيًا معمقًا تناول أبعادها التاريخية والاجتماعية.
وبحسب الأوراق، فوجئت الكاتبة بصدور كتاب وزيرة الثقافة عام 2024 بعنوان "كوكو شانيل وقوت القلوب ضفائر التكوين والتخوين"، ليتبين اشتماله على نصوص مطابقة واقتباسات حرفية، فضلًا عن تشابه واضح في البناء السردي والتحليل، وهو ما اعتبرته اعتداءً سافرًا على إبداعها.
ودفع هذا التعدي المزعوم المحكمة الاقتصادية إلى ندب لجنة ثلاثية من خبراء الملكية الفكرية، التي أقرت بدورها بوجود أوجه تشابه ملموسة واقتباسات حرفية متعددة تتجاوز حدود النقل المشروع المعترف به قانونًا، واستنادًا إلى هذا التقرير الفني أصدرت المحكمة حكمها في التاسع من يوليو 2025 بإلزام جيهان زكي بتعويض مالي مع سحب الكتاب المتنازع عليه ومنعه من التداول.
وعقب صدور الحكم، وفي الثالث من سبتمبر 2025، أي قبل تعيينها وزيرة للثقافة بخمسة أشهر، بادرت بتقديم الطعن رقم 29310 لسنة 95 قضائية أمام محكمة النقض.
حدود الاقتباس بين القانون والإبداع
ووضعت نيابة النقض رأيها النهائي عبر مذكرة مطولة، حصلت "فكر تاني" عليها، انتهت إلى التوصية بقبول الطعن شكلًا لاستيفائه المواعيد والإجراءات القانونية الأولية، مع رفضه موضوعًا وتأييد الحكم المطعون فيه.
ويعني هذا القرار أن الأوراق كانت سليمة ومكتملة من الناحية الشكلية، غير أن هذا الاستيفاء لم يؤثر على قناعة النيابة بجوهر النزاع، حيث رأت أن الحجج والأسباب الجوهرية التي استندت إليها الوزيرة لإلغاء الإدانة كانت ضعيفة ولا تبطل الحكم الصادر ضدها.
ولم تقتصر المذكرة على تفنيد أسباب الطعن، وإنما امتدت لتقدم تأصيلًا قانونيًا واسعًا لمفهوم الإبداع، محددة بدقة الفارق بين الاستخدام المشروع للمصادر والتعدي غير المشروع على المصنفات الأدبية.
وانتقلت النيابة إلى مناقشة أسباب الطعن موضوعيًا لتؤكد أن ما أثير فيه لا ينال من سلامة الحكم المطعون عليه، حيث ركزت على تحليل دفاع الوزيرة الذي زعم وجود خطأ في تطبيق القانون، واعتبرت النيابة هذه الحجج مجرد محاولة لإعادة مناقشة الوقائع والأدلة، وهو أمر يخرج عن اختصاص محكمة النقض التي يقتصر دورها على مراقبة صحة تطبيق القانون ولا تعيد تقييم الأدلة من جديد.
كذلك اعتبرت المذكرة تقرير الخبراء دليلًا فنيًا حاسمًا يثبت وجود نقل مطول وحرفي يتجاوز الاقتباس المباح في مواضع متعددة دون تحديد دقيق لأماكنه، مما جعل العمل الجديد أقرب إلى إعادة إنتاج للعمل الأصلي. وفي ردها على دفوع الوزيرة بأن كتابها مستمد من مصادر صحفية وتاريخية عامة وأن التشابه يُعد نتيجة طبيعية لتناول الموضوع ذاته، شددت النيابة على أن وجود مصادر مشتركة لا يبرر النقل الحرفي أو التشابه في الصياغة إذا كان يمس الطابع الإبداعي للمصنف الأصلي، موضحة أن الاقتباس المباح يشترط أن يكون في أضيق الحدود ولغرض بحثي مشروع مع الإشارة الواضحة للمصدر.
وبينت أن مجرد إدراج اسم المرجع في القائمة النهائية للكتاب أو في مواضع عامة لا يكفي قانونًا لحماية الكاتب من تهمة التعدي، إذ يجب تحديد كل اقتباس على نحو يمكن القارئ من تمييزه، وألقت النيابة عبء الإثبات على الطاعنة التي لم تقدم الدليل الكافي على صحة موقفها حسب تقريرها.
الطبيعة الاستشارية للنيابة ومسار التقاضي
وحول الإطار الدستوري والقانوني لدور ذلك التقرير ومدى إلزامية رأي نيابة النقض للمحكمة، يقول المستشار الدكتور محمد شعبان وكيل النائب العام الأسبق، إن رأي النيابة يمثل في جوهره "حكمًا أوليًا" أو تقييمًا مبدئيًا لمدى سلامة الحكم المطعون عليه، ولكنه يظل من الناحية القانونية رأيًا استشاريًا غير ملزم لمحكمة النقض.
ويوضح "شعبان"، في حديثه لـ"فكر تاني"، أن نيابة النقض كيان قانوني مستقل أُنشئ بالتوازي مع محكمة النقض ويهدف بالأساس إلى حماية مصلحة القانون وليس الانتصار لأي من أطراف النزاع، مما يميز دورها عن النيابة العامة في مراحل التقاضي الأخرى.
ويشير وكيل النائب العام الأسبق إلى أن التوصية برفض الطعن تعني من الناحية القانونية عدم رؤية النيابة لأي أسباب تنال من سلامة الحكم، مرجحًا أن أسباب الدفاع إما غير منتجة أو تندرج ضمن الجدل الموضوعي الذي لا تختص به المحكمة، ويلفت إلى أن تدخل محكمة النقض يظل محدودًا ولا يكون إلا في حالات الخطأ القانوني الجسيم أو الفساد في الاستدلال أو الإخلال بحق الدفاع، وهي أمور لم تتوافر في الطعن المذكور، موضحًا أن الواقع العملي يشهد غالبًا توافقًا بين اتجاه المحكمة ورأي النيابة لانطلاقهما من الأساس القانوني ذاته.
ومن جانبه يتفق المستشار أحمد الخطيب، الرئيس السابق بمحكمة استئناف القاهرة، مع هذا الطرح، مؤكدًا في حديثه أن الرأي الذي تبديه نيابة النقض يُعد رأيًا استشاريًا واسترشاديًا يُعرض على المحكمة دون أن يقيدها، حيث تظل صاحبة السلطة الكاملة في الأخذ به أو طرحه جانبًا.
ويوضح "الخطيب" أن المحكمة غير ملزمة قانونًا باتباع هذا الرأي أو إبداء أسباب عند عدم التعويل عليه، رغم أنه قد يشكل عنصرًا مهمًا في حيثيات الحكم إذا رأت اتساقه مع صحيح القانون والواقع، ويضيف أن المادة 269 من قانون المرافعات تمنح المحكمة خيارات عدة أبرزها تأييد الحكم ورفض الطعن أو قبول الطعن وإعادة الدعوى لدائرة مغايرة. كما منح المشرع المحكمة في حالات محددة سلطة الفصل في موضوع الدعوى مباشرة دون إعادتها لمحكمة أخرى وذلك إذا كانت الأوراق مهيأة للفصل فيها بالكامل أو إذا كان الطعن يُنظر للمرة الثانية، وفي هاتين الحالتين تتحول محكمة النقض إلى محكمة موضوع تمارس كافة الصلاحيات من سماع المرافعات واستدعاء الشهود وإجراء التحقيقات وصولًا إلى إصدار حكم نهائي.
ويختتم تصريحاته بالتأكيد أن هذه الصلاحيات تعكس الطبيعة الخاصة لمحكمة النقض بوصفها قمة الهرم القضائي وصاحبة الكلمة النهائية في تفسير القانون وتطبيقه، وبين توصية النيابة وقراءات القانونيين تبقى الكلمة الأخيرة لمحكمة النقض لحسم النزاع بشكل نهائي.
ومع ترقب الكلمة النهائية لمحكمة النقض التي ستحسم مسار هذا النزاع بشكل قاطع، تظل الإشكالية الأعمق حاضرة بقوة حول الخطوط الدقيقة الفاصلة بين استلهام المعرفة وحق الانتفاع بالمصادر العامة من ناحية، وحماية الجهد الإبداعي الأصيل من ناحية أخرى، مما يجعل من هذه المواجهة القانونية وثيقة مهمة تعيد تسليط الضوء على أخلاقيات التأليف وتؤكد ضرورة صون الحقوق الأدبية في الأوساط الثقافية.