يوميات صحفية برلمانية| كواليس 48 ساعة من "المقاطعة" إلى "كاملة العدد" في مكتب مدبولي

تحت الضغط والاتصالات المكثفة، غيرت أربعة أحزاب معارضة موقفها من مقاطعة الاجتماع الذي دعا إليه رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، أمس السبت، لتقرر المشاركة تحت وطأة الإلحاح، ودعاوى الحفاظ على الأمن القومي، واللحظة الإقليمية الفارقة، والضغوط التي تتعرض لها مصر.

ووجه مدبولي الدعوة لرؤساء الهيئات البرلمانية للأحزاب الممثلة في البرلمان، الخميس الماضي، بعد يوم واحد من لقائهم مع المستشار هشام بدوي، رئيس مجلس النواب، ومطالبتهم بضرورة حضور مدبولي إلى مجلس النواب.

وبحسب ثلاثة مصادر تحدثوا لـ"فكر تاني"، اقترح رئيس الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، محمود سامي الإمام، على زملائه في المعارضة بمقاطعة الاجتماع والاعتذار عن تلبية الدعوة، والتمسك بضرورة حضور رئيس الوزراء إلى مجلس النواب وليس العكس، وهو ما لقى قبولًا لدى  كل من النائب محمد فؤاد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، والنائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، وتوافق معهم حزب الإصلاح والتنمية، بينما اتخذ رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، عاطف مغاوري، قرارًا بالمشاركة. ولم ينفِ الإمام خلال حديثه مع "فكر تاني" أنه صاحب الاقتراح، لكنه شدد على موافقة ممثلي الأحزاب الأخرى على الفكرة.

ويوضح الإمام لـ "فكر تاني" أن الأحزاب الثلاثة الأخرى استجابت ووافقت على فكرته، لكن موقفها لم يمر على الحكومة مرور الكرام، إذ بدأت منذ مساء الخميس عشرات الاتصالات بالنواب الأربعة ورؤساء أحزابهم لإثنائهم عن مقاطعة الاجتماع والتأكيد على ضرورة الحضور. ورغم تمسك النواب بمواقفهم في البداية، فإنه مع ازدياد الضغوط مساء الجمعة، بدأ الاتجاه يتبدل، وشرعوا في البحث عن مخرج ومبرر يليق بتغيير الموقف، وسط حالة من الاحتقان وتبادل اللوم بين بعضهم البعض.

الوفد يتراجع بقرار مؤسسي

كانت البداية بقرار رسمي من حزب الوفد، أعلن خلاله رئيس الحزب، السيد البدوي، تكليف النائب محمد عبد العليم داود، رئيس الهيئة البرلمانية للحزب، بحضور اللقاء الذي دعا إليه مدبولي، وتمثيل الحزب في اجتماع رئيس مجلس الوزراء مع رؤساء الهيئات البرلمانية.

واستند الحزب في بيانه إلى الظروف الإقليمية، والتغيرات الجيوسياسية، وتصاعد وتيرة الصراعات، وتزايد التهديدات التي تمس الأمن والاستقرار الإقليمي، وما يفرضه ذلك من انعكاسات مباشرة على الأمن القومي المصري. وجاء القرار، حسب البيان، استدعاءً للمسؤولية التاريخية لحزب الوفد التي تضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، انطلاقًا من إيمان الحزب بأن مصر كانت وستظل الدولة التي تحفظ توازن المنطقة وتصون استقرارها.

كذلك وصف الحزب موقفه من المشاركة في البيان، قائلًا إنها تأتي "في إطار الاصطفاف الوطني، والوقوف صفًا واحدًا خلف الدولة المصرية في مواجهة التحديات، بينما اعتبرت المادة الثالثة أن المشاركة تستهدف الإسهام الفاعل في صياغة رؤية وطنية متماسكة توازن بين ضرورات الأمن القومي ومتطلبات الاستقرار الداخلي".


اقرأ أيضًا: يوميات صحفية برلمانية | رغم الطقس العاصف.. اجتماعات دافئة تكسر الجمود وسط تعهدات ببث الجلسات | فكر تانى

تصميم: محمود البدري - فكر تاني

ضغوط ووعود

وبعد أقل من ساعة من صدور بيان حزب الوفد، وفي الساعات الأولى من فجر الجمعة، صدر بيان عن النائب محمود سامي الإمام، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، أعلن فيه مشاركته في الاجتماع، لكنه لفت إلى الاتصالات المكثفة التي تلقاها على مدار يومين من وزير شؤون المجالس النيابية، هاني عازر، لإقناعه بضرورة المشاركة.

وأشار إلى أن اتصالات عازر أكدت حرص الحكومة على مشاركة جميع الأحزاب الوطنية الممثلة في البرلمان في اللقاء، في ظل الظروف الجيوسياسية التي تمر بها البلاد، وحرصها على إطلاع الأحزاب على مستجدات الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وفتح باب الحوار حولها، مشددًا على تقدير الحكومة للبرلمان.

وقال الإمام، في البيان، إنه "بناءً على ذلك، وبالتشاور مع قيادة الحزب، قررنا حضور الاجتماع المرتقب اليوم مع رئيس الوزراء، مع توقعنا تنفيذ مطالبنا المتكررة بضرورة حضور رئيس الوزراء إلى مجلس النواب في أقرب فرصة لعرض رؤية الحكومة، خاصة خلال الجلسات المقبلة التي ستناقش الموازنة العامة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي الجديد".

ورغم أن النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية للحزب، لم تدلِ بأي تصريحات أو بيانات، فإن مصدرًا مطلعًا في الحزب، أشار إلى اتخاذها الموقف ذاته للمعارضة: "لو راحوا هنروح، ولو قاطعوا الاجتماع لن نشارك". وأوضح المصدر في تصريحات لـ "فكر تاني" وجود عدة اتصالات وضغوط للحضور منذ يوم الخميس.

وقال المصدر إن قرار الأحزاب الأربعة أزعج الحكومة، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية والضغوط التي تتعرض لها مصر مع تداعيات الحرب على إيران، والضربات الإيرانية على دول الخليج، معتبرًا أن قرار المقاطعة لم يكن صائبًا في ظل هذه الظروف.

العدل يشارك في اللحظات الأخيرة

على مدار 48 ساعة، كان موقف حزب العدل رافضًا للمشاركة في الاجتماع. وأعلن رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، النائب محمد فؤاد، موقفه في عدة تصريحات صحفية، قائلًا: "رئيس مجلس الوزراء بادر بحسن نية بدعوة النواب للقاء، إلا أن الأمر لا يستقيم بهذه الطريقة". وأوضح: "عندما يتضرر النواب من عدم حضور الحكومة للمساءلة أو لعرض التقارير في البرلمان، يكون الرد بدعوة النواب للحضور بمثابة استدعاء وليس دعوة. وأنا أعلم أنه لا يقصد ذلك، لكننا لا نستطيع تلبية الدعوة بهذه الصورة".

ومنذ مساء الجمعة وحتى عصر السبت، تواصلت "فكر تاني" مع ثلاثة مصادر في حزب العدل، أكدوا جميعًا عدم الحضور، والإصرار على موقفهم، وعدم الاستجابة للدعوة. لكن، مع استمرار الضغوط والاتصالات العديدة التي تلقاها فؤاد حتى بعد بدء اجتماع مدبولي مع رؤساء الهيئات البرلمانية، استجاب رئيس الهيئة البرلمانية للحزب للدعوة، ووصل بعد بدء الاجتماع بنحو ساعة وخمس دقائق، ليكتمل بذلك حضور جميع ممثلي الأحزاب السياسية في مجلس النواب.

غير أن غصة ما زالت تبدو واضحة لدى نواب حزب العدل، الذين حاولوا الثبات على موقفهم حتى اللحظات الأخيرة قبل بدء الاجتماع.

ماذا حدث في الاجتماع؟

مع بدء الاجتماع، ألقى مدبولي كلمة استمرت نحو 45 دقيقة، أبدى خلالها تقديره لمجلس النواب والأحزاب السياسية الممثلة فيه، وحاول تهدئة نواب المعارضة واحتواء غضبهم لعلمه بأنهم جميعًا شاركوا تحت الضغط.

وشدد مدبولي، حسب ثلاثة مصادر شاركت في الاجتماع، أن اللقاء "تشاوري" لا علاقة له بالدور الرقابي والتشريعي، بل يهدف لمزيد من التواصل. كما عرض على النواب بعض المعلومات عن الوضع الاقتصادي، التي أعلنها في المؤتمر الصحفي الذي سبق الاجتماع بنحو ساعة، وأوضح خلالها ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة من 1.2 مليار دولار في يناير إلى 2.5 مليار دولار في مارس، مبررًا بذلك قرارات رفع أسعار المحروقات، وتخفيض الإنارة على الطرق، وإغلاق المحال العامة في التاسعة مساءً، وإقرار يوم العمل عن بُعد.

وقال مصدر من المشاركين في الاجتماع، إن الأزمة الكبرى التي تواجه مصر تتعلق بالطاقة، لافتًا إلى أنه تم تأمين احتياطيات منها، لكن الحكومة تخشى من طول أمد الحرب وتزايد التصعيد وتأثيرهما على مخزون الطاقة، لذا بدأت خطط ترشيد الاستهلاك، وهي الإجراءات التي وصفها مدبولي بـ "التدريجية".

لكن بحسب المتاح من معلومات عن الاجتماع، لم يُعرف بشكل واضح تأثير هذه الإجراءات الحكومية على معدلات توفير الطاقة، وما إذا كانت تستحق التطبيق أم لا.

في غضون ذلك، أشارت المصادر إلى أن النائب أحمد عبد الجواد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن (صاحب الأكثرية العددية في المجلس)، تحدث عن ضرورة حضور رئيس مجلس الوزراء إلى المجلس لإلقاء بيان، مؤكدًا ضرورة تفاعل الوزراء مع الأدوات الرقابية التي يتقدم بها النواب. من جانبه، شدد مدبولي على صدور توجيهات للوزراء بالحضور إلى مجلس النواب واجتماعات اللجان باستمرار، واعتبار ذلك أولوية تفوق اجتماعات الحكومة، وطالب بالتنسيق مع المستشار هشام بدوي، رئيس المجلس، لتحديد اليوم الذي سيحضر فيه إلى المجلس لإلقاء بيانه في الجلسة العامة.

وتناوب جميع أعضاء الهيئات البرلمانية على إلقاء الكلمات، وسجل مدبولي ومساعدوه الملاحظات التي أبداها النواب. وقال النائب محمود سامي الإمام لـ"فكر تاني" إنه تحدث عن الانتخابات البرلمانية الأخيرة وعزوف الناخبين عن المشاركة فيها، والشعور بعدم جدوى مجلس النواب وانعكاس ذلك على دوره كأداة تشريعية ورقابية هامة، لافتًا إلى أنه واجه مدبولي بضرورة الحضور للمجلس لأن غيابه يرسخ هذه الصورة.

ورد مدبولي على الإمام موضحًا أن الغياب عن المجلس أمر غير متعمد، مبديًا حرصه على الحضور، ووعد بتنظيم لقاء مع رؤساء الهيئات البرلمانية كل شهرين لمراجعة ما تحقق من مخرجات ونتائج للاجتماعات السابقة. كما أكد تفعيل التواصل السياسي المباشر بين رؤساء الهيئات البرلمانية ومكتب رئيس مجلس الوزراء.

وطرح الإمام رؤية الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي بشأن رفض رفع أسعار المحروقات، وتصوراته لتطبيق العدالة الاجتماعية بحيث يقتصر رفع الأسعار على الفئات القادرة على تحملها، مع استثناء الطبقة المتوسطة والطبقات الأقل دخلاً من هذه القرارات.

مستقبل العمل المشترك

وسط الانتقادات التي تعرضت لها المعارضة بعد العدول عن موقفها والذهاب لاجتماع مدبولي في سابقة يعتبرها البعض تاريخية، وعتاب نواب "العدل" لزملائهم في الأحزاب الأخرى محملين إياهم مسؤولية هذا التراجع، تبدو الأزمة واضحة، إذ لم تستطع المعارضة استكمال موقفها للنهاية والبناء عليه.

لكن رغم هذه الانتقادات، قال رئيس أحد الأحزاب التي قاطعت الاجتماع ثم شاركت فيه: "نحن حققنا إنجازًا بإصرارهم على مشاركتنا، فهذا يعني أن لنا دورًا مهمًا وأنهم يريدوننا أن نكون جزءًا من العملية السياسية وصناعة القرار".

بينما يقول الإمام ردًا على الخلافات التي قد تحدث بين أحزاب المعارضة بعد هذا الموقف: "نحن في وضع متعثر من حيث كيفية تكوين كتلة معارضة متماسكة"، مضيفًا: "بالتأكيد نتفق ونختلف في بعض الأمور، فالبعض وافق على قرض لوزارة النقل، وآخرون اعترضوا، فهل اتهمنا من وافق بالخروج عن الإجماع؟". وتابع: "سيحدث اتفاق واختلاف، لكن علينا عدم اتهام بعضنا البعض بأي خيانات، ففي النهاية كلنا ذهبنا إلى الاجتماع".

أما النائب عاطف مغاوري، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب التجمع، الذي رفض مقاطعة الاجتماع منذ البداية، فقال لـ "فكر تاني" إن الأصل في عمل المعارضة هو "التنسيق"، وما حدث قد يقع في أي موقف أو عند مناقشة أي قانون، معتبرًا أن الأزمة التي حدثت قد تكون عابرة، وفي النهاية "الجميع شارك".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة