أعادت جملة "براءة المتهم" التي نطقت بها محكمة جنح المقطم في القضية رقم 2014 لسنة 2026، فتح النقاش حول المسافة الفاصلة بين التوثيق الرقمي لجرائم التحرش وشروط الإدانة القانونية.
فالقضية التي بدأت ببلاغ من موظفة تدعى م.ش، والمعروفة إعلاميًا بـ"فتاة الأتوبيس"، اتهمت فيه عاملًا بالتعرض لها والتحرش بها لفظيًا في أماكن عامة، انتهت بصدور حكم ببراءة المتهم ورفض الدعوى المدنية، وهو ما يضع مفهوم "القصد من الفعل" تحت مجهر الفحص القانوني والاجتماعي، إذ تساءل متابعون عن معنى ما جاء في تحريات المباحث في وقت سابق بأن "الواقعة بمجملها تمثلت في معاكسة لفظية دون أن يكون هدفها منفعة جنسية".
ورغم نجاح الأجهزة الأمنية في تحديد هوية المتهم عبر تفريغ كاميرات المراقبة ومقطع الفيديو الذي صورته الشاكية بهاتفها المحمول، كشف مسار المحاكمة عن تعقيدات تتعلق بتكييف الفعل، لتنطلق تساؤلات عن معايير الإثبات وما تمثله عبارة "غرض المنفعة الجنسية" كشرط أساسي للإدانة وفقًا للمادة 306 مكرر (أ) من قانون العقوبات.
ووفقًا لهذه المادة، يُجرم التعرض للغير في مكان عام أو خاص بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأية وسيلة، ويعاقب على ارتكاب تلك الجرائم بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز أربع سنوات، وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد على 200 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين. على أن يعاقب الجاني بالحبس مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ولا تجاوز خمس سنوات، وغرامة لا تقل عن مائتي ألف جنيه ولا تزيد على ثلاثمئة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا تكرر الفعل من الجاني من خلال الملاحقة والتتبع للمجني عليها. وفي حالة العود تضاعف عقوبتا الحبس والغرامة في حديهما الأدنى والأقصى.
بينما تنص المادة 306 مكرر (ب) على أنه يُعد تحرشًا جنسيًا إذا ارتكبت الجريمة بقصد الحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية، ويعاقب الجاني بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
وعن تفاصيل الحكم، أوضحت محامية المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عزيزة الطويل، أن المتهم لم توجه إليه تهمة التحرش، وأن الفتاة بنفسها من نفت فكرة الحصول على منفعة جنسية، قائلة لـ"فكر تاني"، إن "التهمة التي وُجهت للمتهم هي التعرض لأنثى بأفعال وأقوال جنسية في أماكن عامة".
ويفسر المحامي أحمد أبو المجد الحكم، قائلًا "إن المبدأ الأساسي في القضاء الجنائي هو اليقين، الذي يعني وصول القاضي إلى حالة من الاقتناع الذاتي التام بوقوع الجريمة ونسبتها للمتهم بما لا يدع مجالًا للشك، وتكمن أهميته في أن العقوبة في القضاء الجنائي تمس حرية الإنسان أو حياته، لذا يجب أن يكون الإثبات قاطعًا".
ويضيف لـ"فكر تاني"، أنه "إذا تسلل الشك ولو بنسبة ضئيلة إلى عقل القاضي، هنا يجب عليه الحكم بالبراءة، لأن تبرئة مجرم خير من ظلم بريء".
عقبات الإثبات
بالانتقال إلى الجانب العملي، يشير أبو المجد إلى عدة عقبات تتمثل في إثبات وقائع العنف الجنسي من تحرش أو اغتصاب أو هتك عرض، ليس في مصر وحدها وإنما في العالم بأكمله، فنسبة النساء اللواتي يبلغن عن وقائع التحرش لا تتعدى 5%، بينما نسبة أقل يحصلن على أحكام منصفة، مما يشير إلى أهمية استحداث آليات للشكوى أكثر سهولة.
ويرى أن أحد أبرز المعوقات التي تمنع الإبلاغ هو وقوع عبء إثبات الواقعة بالكامل على عاتق الشاكية، في وقت تعاني فيه من تبعات نفسية وجسدية جسيمة تؤثر على اتساق أقوالها. ويشرح ذلك بقوله "من المفترض أن تتولى جهات التحقيق إثبات الشكوى وليس الشاكية التي تضطر لتكرار سرد تفاصيل الواقعة أمام جهات متعددة من أفراد الشرطة والمباحث والنيابة العامة، مما يمثل ضغطًا نفسيًا إضافيًا يكرس الضرر النفسي اللاحق ويؤدي لإحجام الكثيرات عن الإبلاغ". ويضيف أنه رغم التطور في قوانين مكافحة التحرش، فإن غياب قانون موحد لمناهضة العنف يجعل الإجراءات تفتقر للتخصص، كما أن غياب الدقة في الخطاب الحقوقي أحيانًا وتصوير التحرش على أنه مجرد شجار بين الرجال والنساء، وليس أزمة ضد المجتمع ككل، يؤدي لنتائج عكسية. ويشبه ذلك بما حدث في قضية ختان الإناث حين كان يُروج لاحتمالية حدوث عدوى بسبب إجراء العملية على يد غير مختصين، فكانت النتيجة ظهور ما عرف لاحقًا بتطبيب الختان عوضًا عن تجريمه كليًا، وفقًا لتعبيره.
اقرأ أيضًا: تاء فاعلة | لماذا نلوم ضحايا التحرش ونبرئ الجناة؟ | فكر تانى

تداعيات الحكم ومواجهة خطاب الكراهية
من جهة أخرى، أثارت التطورات الأخيرة في قضية "م.ش" موجة من الغضب والقلق في الأوساط الحقوقية النسائية، باعتبار أن مسار القضية يمثل اختبارًا حرجًا لمنظومة العدالة في مواجهة العنف الجنسي. فبينما كان يُنتظر أن تشكل القضية دفعة للأمام في ملف التحرش بالشارع المصري، جاءت النتائج الأولية لتفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة عن كفاية القوانين الحالية وحماية الشاكيات.
ووفقًا للناشطة النسوية آية منير، مؤسسة مبادرة "سوبر وومن"، فإن حكم البراءة جاء دون طموحها تجاه هذا النوع من القضايا، وتقول لـ"فكر تاني" في هذا الصدد "تابعت ببالغ الغضب مسار قضية م.ش، وكنا نأمل أن تكون حجر زاوية في نقل ملف العنف الجنسي في الشارع المصري إلى مرحلة أكثر إنصافًا، لكن الواقع الصادم كشف لنا عن طبقات معقدة من الإشكاليات التي تواجهها النساء في مصر بمجرد اتخاذ قرار الإبلاغ".
وتوضح آية أن العقبة الأولى تتجسد في فخ الإثبات الذي يُلقى بالكامل على كاهل الشاكية، رغم كونها خارجة للتو من واقعة سببت لها ضررًا نفسيًا وجسديًا يؤثر حتمًا على ثبات أقوالها، وتضيف "من المؤسف أن نجد جهات الاستدلال تحصر الواقعة في مسميات ضيقة مثل المنفعة الجنسية، وهي الثغرة التي تُستخدم أحيانًا لتبرئة الجناة رغم ثبوت واقعة التعرض في تحريات المباحث". وتشير كذلك إلى أن قضية فتاة الأتوبيس فتحت سيلًا من خطاب الكراهية والشحن المجتمعي بهدف إخافة النساء من اللجوء للقانون، مضيفة "رأينا محاولات لتلميع الجاني وتشويه الضحية بناءً على ملابسها أو مظهرها، وتجاوز ذلك ليصل إلى التشكيك في نزاهة التحريات بادعاءات كيدية، وهذا المناخ لا يهدف فقط لترهيب الفتاة، وإنما لإرسال رسالة لكل امرأة مفادها أن الإبلاغ سيعرضك للتشهير والخذلان".
نحو تشريع موحد ومستقبل أكثر أمانًا
في المسار القانوني والمجتمعي الواسع، طالبت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية النيابة العامة باستخدام سلطاتها في استئناف حكم البراءة الصادر لصالح المتهم بالتعرض لـ"م.ش".
ووفقًا لبيان المبادرة، يعد هذا الحكم تقويضًا لحقوق النساء والفتيات في المساحات الآمنة جسديًا ونفسيًا في الفضاء العام. وسبق أن أصدرت المبادرة بيانًا مشتركًا مع 11 منظمة أهلية وعدد من الأفراد المهتمين بالقضية، حذرت فيه من التصاعد الملحوظ لحملات علنية وممنهجة عبر بعض وسائل الإعلام والسوشيال ميديا، تهدف إلى تبرير جرائم التحرش الجنسي وإلقاء اللوم على الناجيات، مما يعد انتهاكًا صريحًا لحقوق النساء والفتيات، وتقويضًا لسنوات من الجهود الوطنية المستقلة والرسمية في مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي.
ومن هنا، يذهب كل من المحامي أحمد أبو المجد والناشطة النسوية آية منير إلى ما هو أبعد من الحكم، للحديث عن الحاجة الماسة إلى منظومة لا تجبر الضحية على حكي التفاصيل المؤلمة مرارًا وتكرارًا أمام جهات متعددة، بدءًا من أمين الشرطة وصولًا إلى النيابة، مما يضيف لها ألمًا نفسيًا يفوق ألم الواقعة ذاتها. وأكد كلاهما أن ما سبق وطالبت به العديد من المنظمات والمبادرات النسوية ليس مجرد تغليظ للعقوبات، وإنما استحداث آلية إبلاغ وحماية حقيقية.
اقرأ أيضًا: المتحرش التقدمي.. حينما تتحول الانتهاكات إلى مادة استهلاكية سريعة النسيان | فكر تانى

ويمكن تلخيص توصياتهما في ضرورة إصلاح المنظومة بالانتقال من نموذج التقاضي الجنائي التقليدي إلى نموذج الاستجابة المتخصصة، وذلك عن طريق إنشاء وحدات شرطية متخصصة، واستحداث وحدات نوعية تضم كوادر مدربة نفسيًا وقانونيًا للتعامل مع ضحايا العنف، لضمان سماع الشاكية في بيئة آمنة ومهنية تمنع استجوابها بشكل ضاغط أو عدائي.
يضاف إلى ذلك تفعيل دور التحريات بحيث يُنقل عبء جمع الأدلة المبدئية إلى أجهزة المباحث والبحث الجنائي فور تلقي البلاغ، عوضًا عن مطالبة الشاكية بتقديم إثباتات مادية قد لا تتوفر في حينها. كما أوصيا بتبني القانون الموحد للعنف من خلال إقرار التشريع المقترح من منظمات المجتمع المدني الذي يضمن آليات إبلاغ مرنة وحماية للشهود والضحايا، مع توحيد المفاهيم القانونية لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب بسبب ثغرات المسميات مثل التفرقة بين المعاكسة والتحرش. وأخيرًا، ضبط الخطاب التوعوي بتوجيه الخطاب الحقوقي نحو تعزيز سيادة القانون وحماية الحقوق الإنسانية الشاملة، عوضًا عن تكريس حالة الاستقطاب بين الجنسين، لضمان كسب التأييد المجتمعي للتحولات التشريعية.
واختتمت آية رسالتها إلى صاحبة الواقعة أو بطلتها كما أطلقت عليها، قائلة "رسالتي لكل امرأة هي أن معركتنا مستمرة، فرغم المخاوف من المردود العكسي لهذا الحكم، إلا أن شجاعة بطلة الواقعة تظل درسًا ملهمًا، فهي لم تخض معركتها الشخصية فحسب، وإنما خاضت معركة من أجل حقنا جميعًا في فضاء عام آمن، وأقول لكل فتاة وسيدة ارفعي موبايلك وصوري وما تخافيش، حتى لو لم ينصفنا القانون في جولة، فإن توثيقنا الجماعي يكسر حاجز الصمت ويخلق كتلة حرجة ترفض التطبيع مع العنف".