تعيش ندى*، التي تسكن محافظة قنا، في منزل واسع وفخم واجهته بيضاء، وصالاته مضاءة وأثاثه أنيق، وكل شيء فيه يوحي بمظاهر الرفاهية والراحة، غير أن العلاقات في داخله تبدو شيئًا آخر تمامًا، ومثلها قد تكون العلاقات في أغلب بيوت قبيلة هوارة.
فهذه الفتاة، التي تخرجت في كلية الإعلام، وتعمل صحفية، تنتظر منذ ثلاث سنوات إتمام زيجتها، غير أن عادات القبيلة تعطلها لرفضها تزويج بناتها من خارجها، حتى وإن كان خطيبها طبيبًا بشريًا ينحدر من أسرة ميسورة، ويوافق أبوها على نسبه. فالقرار النهائي ليس لها أو لأبيها الذي اقتنع بجدارة خطيبها بعد عناء، وإنما يعود للقبيلة بأكملها، وهو ما تصفه ندى قائلةً "خطوبتي قنبلة موقوتة على وشك الانفجار، وكل لحظة مهددة بأثر اجتماعي وقبلي لعائلتنا لا يمكن التنبؤ به".
في بعض بيوت الصعيد، لا يُرى الزواج كاختيار شخصي وإنما كقرار قبلي خالص، ولا يُنظر إلى المرأة بوصفها صاحبة حياة مستقلة وإنما كامتداد لاسم العائلة، وتدعم هذا الواقع بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان لعام 2020، التي تُظهر أن نحو 14% من النساء المصريات المتزوجات دخلن في زواج لم يُبنَ على موافقة حرة كاملة، إما لأن رأيهن لم يُطلب من الأساس، أو لأنهن رفضن الزواج لكن أرغمن على إتمامه.
تقول ندى، التي تخفي نبأ خطبتها عن قبيلتها، إن "كل رسالة من خطيبي تمنحني فرحة مؤقتة تتلاشى سريعًا تحت وطأة القلق المستمر، هل سيعرف أحد؟ هل سيُطبق عليها عقاب؟ هل سيُفرض عليها إنهاء العلاقة؟". وفي ظل هذا الحصار، لا يستطيع خطيبها أن يزورها، ولا يمكنها الخروج معه، وكل تطور طبيعي للعلاقة بات مستحيلًا منذ ثلاث سنوات، وحتى أخلاقه ومكانته العلمية لم تشفعا له، حسب قولها لـ"فكر تاني".
ولا تقتصر التحديات اليومية لندى على الحب فقط، وإنما تشمل الانخراط في الحياة الاجتماعية المعتادة، مثل الذهاب للسوق وزيارة الأقارب والحديث مع الجيران، وهي كلها مواقف تتطلب حذرًا مستمرًا، وتبرر ذلك بقولها "تعلمنا منذ صغرنا أن كل كلمة يمكن أن تُساء فهمها، وكل فعل صغير قد يُفسر بطريقة خاطئة".
عمود القبيلة للنساء فقط
ويُرجع المحامي أحمد عوض، وهو رجل من قبيلة هوارة بمحافظة قنا، هذا الواقع إلى بنية اجتماعية تُعلي من فكرة النسب بوصفها عمودًا حاكمًا للعلاقات داخل القبيلة. ويوضح، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن السبب الأول لرفض زواج البنات من خارج القبيلة يتمثل في هاجس الحفاظ على الامتداد العائلي، حيث يُنظر إلى الفتاة باعتبارها ناقلًا للنسب، وزواجها من الخارج يعني وفق هذا التصور خروج هذا الامتداد إلى عائلة أخرى، بما يحمله ذلك من فقدان رمزي للانتماء وتراجع حضور اسم القبيلة في الأجيال التالية.
أما السبب الثاني حسب عوض فيرتبط بفكرة السيطرة الاجتماعية وتماسك الكيان القبلي، حيث يضيف أن الزواج داخل القبيلة يُبقي الروابط محكومة بدائرة معروفة من العائلات، بما يضمن استمرار النفوذ وتوازناته، بينما يُنظر إلى زواج الفتاة من الخارج كمدخل لاختلال هذه المعادلة، إذ تنتقل إلى بيئة لا تخضع لنفس المنظومة من الأعراف والسلطة.
وفي المقابل، يلفت أحمد عوض إلى أن هذا التشدد لا يُطبق بالدرجة نفسها على الرجال، فالرجل بحسب العرف السائد يملك مساحة أوسع للزواج من خارج القبيلة، لأن اسمه يظل حاملًا للانتماء، وينتقل هذا الاسم إلى أبنائه وأحفاده بما يُبقي حضور القبيلة ممتدًا عبره، على العكس من الفتاة التي تنتقل بعد الزواج إلى اسم زوجها وينتسب أبناؤها إليه، وهو ما يفسر من وجهة نظرهم هذا التمييز في القبول والرفض داخل الإطار القبلي.
ويشير عوض إلى أن هذه الأعراف تُطبق على الجميع تقريبًا بنفس الصرامة، مع استثناءات قليلة لمن يمتلك نفوذًا أو مكانة اجتماعية قوية. أما العقوبات غير المعلنة فتتضمن العزلة الاجتماعية داخل العائلة، أو حرمان الشخص من المشاركة في المناسبات الاجتماعية وحتى من مراسم دفن الأقارب. وأية محاولة لتغيير هذا النسق تعني مواجهة قبيلة بأكملها، وغالبًا ما يضطر المخالف للابتعاد عن القرية، ما يجعل مقاومة العرف مهمة صعبة جدًا.
ثمن الخروج عن القبيلة
ولا تختلف قصة شيماء في جوهرها عن قصة ندى، لكنها تمثل تعبيرًا قاسيًا عن النبذ خارج القبيلة، حيث تقول "أنا لوحدي… بس لازم أكمل"، وهي عبارة تكررها كل ليلة بينما تغلق باب الشقة الحديدي بيد حذرة.
وتعيش شيماء الآن في شقة من غرفتين وصالة داخل مساكن شعبية في إحدى مناطق مركز نجع حمادي شمال محافظة قنا، وهي شقة لا تحمل أي ملامح للدفء، وتحتوي على أثاث متواضع جُمع على مراحل، وكنبة قديمة فقدت لونها، وترابيزة صغيرة بالكاد تتسع لواجبات أربعة أطفال، وسرير حديدي تُصدر حركته أصواتًا مزعجة كلما تقلب أحدهم ليلًا.
وتصف شيماء حالها قائلة "البيت ده ما يشبهنيش.. بس هو اللي قدرت عليه"، وتقارن دون قصد بين هذا المكان وبيتها القديم داخل القرية حيث كان البيت واسعًا، والأبواب خشبية ثقيلة، والحيطان مطلية حديثًا، والأثاث على مزاج القبيلة، ولم تكن تفكر يومًا في سعر الكرسي أو فاتورة الكهرباء لأن كل شيء كان مضمونًا بثمن واحد فقط وهو الطاعة.
وقبل سنوات، كانت شيماء فتاة تُغلق الأبواب في وجهها بقرار العائلة بعدم زواجها من أغراب بغض النظر عن مكانتهم التعليمية والاجتماعية فقط لأنهم من خارج القبيلة. وحينما أتمت الثالثة والثلاثين، جاء الأمر بالزواج من ابن العم تحت شعار "ده اللي ينفع.. وده الصح"، وتعبر عن تلك المرحلة بقولها "كنت حاسة إني بدخل حياة مش بتاعتي مش شبهي ولا طموحي بس مكنش عندي رفاهية الرفض".
اقرأ أيضًا: تاء فاعلة | أمهات في سن المراهقة.. كيف تحولت الطفولة إلى مسؤولية إجبارية؟ | فكر تانى

ومرت الأيام ثقيلة، ثم السنوات أثقل، ولم تكن الخلافات مجرد لحظات غضب، وإنما إحساسًا دائمًا بأنها غريبة داخل بيت يُفترض أنه بيتها. وقد أنجبت أربعة أطفال، ومع كل طفل كانت تشعر أن المسافة بينها وبين نفسها تكبر، وأن الحياة التي قُدمت لها على أنها الأمان تتحول إلى سجن طويل. وحين قررت الطلاق، لم يكن القرار شجاعة فقط وإنما مغامرة بكل شيء، فقد رفض الزوج الإنفاق على أطفاله لا عجزًا وإنما عقابًا، وأغلقت العائلة الأبواب دون نقاش أو وساطة أو عودة.
وخرجت شيماء من القرية بلا ظهر، وانتقلت إلى تلك الشقة البعيدة لتبدأ من الصفر دون اسم ودون قبيلة ودون حماية، لتعمل وتصرف على أطفالها الأربعة، وتحسب الجنيه قبل أن تنفقه، وتخاف من المرض ومن الطوارئ ومن أي باب يُطرق ليلًا.
تقول وهي تشير إلى الباب الحديدي "أكتر حاجة بتخوفني القفلة.. وأنا بقفل الباب بحس إني مش محمية، بحس إني اللي واقفة تحرس العيال مش العكس". وفي الليل، حين ينام الأطفال لا يأتيها النوم بسهولة، فالخوف لا يأتي في صورة كوابيس، وإنما في حسابات يومية تتمثل في مصاريف الغد والمدرسة والأكل وسؤال الأطفال عن أبيهم، وسؤال أخطر لا تملك له إجابة وهو "لو تعبت، مين هيشيل؟". ورغم أن حياتها اليوم أقل بكثير مما كانت تملكه داخل القبيلة، فإنها تقولها بوضوح موجع "يمكن خسرت كل حاجة.. بس على الأقل، دي حياتي أنا".
الأبعاد النفسية والقانونية
ويشير الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، إلى أن رفض الزواج من خارج القبيلة لا يتوقف عند حدود العرف، وإنما يتحول في بعض مناطق الصعيد والنوبة وسيناء إلى نظام قهرٍ كامل يدفع فتيات كثيرات إلى العيش خارج ذواتهن.
ويضيف الطبيب الذي تابع عشرات الحالات المشابهة لشيماء، في تصريحات لـ"فكر تاني"، أن الفتاة التي يُصادر قرارها في الارتباط تدخل تدريجيًا في حالة من الاكتئاب والشعور بالدونية، ليس لأنها أخطأت وإنما لأنها مُنعت من حقها في الاختيار. وهذا الرفض المتكرر، خاصة عندما يكون مبرره الدم والأصل، يُفقد الفتاة ثقتها في نفسها ويزرع داخلها شعورًا دائمًا بأنها أقل أو غير جديرة، مهما كانت مؤهلاتها أو أخلاقها. ويكشف الطبيب عن مسار أكثر قسوة، حيث تدخل بعض الفتيات تحت هذا الضغط في علاقات غير مستقرة أو مؤذية، لا بدافع الرغبة وإنما كمحاولة تعويضية لإثبات أن لهن إرادة، حتى لو كان الثمن نفسيًا واجتماعيًا باهظًا.
ويوضح فرويز أن العنف هنا لا يكون دائمًا بالضرب، وإنما يبدأ بنظرة وبابتسامة ساخرة وبإشارة رفض صامتة، بما يسميه العنف الرمزي أو السلوكي، وهو الأخطر لأنه يُمارس يوميًا دون أن يُرى. وتحت هذا النوع من العنف تظهر أعراض جسدية حادة تشمل الصداع المزمن والقولون العصبي واضطرابات القلب والآلام العضلية والسمنة المفرطة أو فقدان الشهية، قبل أن يكتشف الأطباء أن الجسد يصرخ نيابة عن نفسٍ مقهورة. ويؤكد أن إجبار الفتاة على الزواج ممن لا تريده لا يُنهي الأزمة وإنما يفتح بابًا آخر للفشل، فمعظم هذه الزيجات حسب خبرته لا تستمر إما لأن الزوج ينسحب، أو لأن الفتاة تعيش العلاقة من موقع الدونية والاستسلام وتستمر فيها بلا هدف. ولا يرى الطبيب في هذه الممارسات تقاليد مقبولة، وإنما يعتبرها شكلًا صريحًا من العنف النفسي القائم على النوع، تدفع فيه الفتيات ثمن صراعات الدم والاسم والقبيلة بينما تُترك صحتهن النفسية والجسدية لتتكسر في صمت.
ويتوافق هذا الرأي مع طرح المحامي أحمد عوض الذي أشار إلى أن عائلته الصغيرة نظرت إلى مسألة الزواج من خارج القبيلة بمنطق مختلف مقارنة بالقبيلة الكبيرة، فوالده الأستاذ الجامعي محمد عوض لم يعتنق تلك الموروثات واصطدم بها، وكان بعيدًا عن القرية، ما منحه وعائلته مسافة حرية من ضغوط العرف التقليدي، وساعده هذا البُعد على مقاومة تلك الأفكار التي تفرضها الأعراف. وأكد عوض ضرورة أن يكون الاختيار مبنيًا على ما تراه الفتاة مناسبًا بعيدًا عن قيود القبيلة ومراعيًا المقاييس الطبيعية لا مجرد الانتماء القبلي، مشددًا على أن تمكين الفتاة من الاختيار الصحيح يقيها من الزواج غير المتكافئ، ويقلل من احتمالات الطلاق أو الصراعات الأسرية.
وعلى الصعيد القانوني، توضح المحامية الحقوقية مها أبو بكر، أن ما يُسمّى منعًا عرفيًا لزواج الفتيات من خارج القبيلة ليس له أي سند قانوني أو شرعي، ولكنه يتحول في الواقع وفي كثير من الحالات إلى حصار كامل لحق دستوري أصيل.
ومن واقع تعاملها مع قضايا مشابهة، تشير أبو بكر في تصريحات لـ"فكر تاني"، إلى أن الفتاة البالغة تمتلك قانونًا حق تزويج نفسها حتى لو كانت هذه هي المرة الأولى للزواج، وأن رفض الأسرة لا يُسقط هذا الحق. وتُبين أن الطريق القانوني واضح، حيث يمكن للفتاة التوجه إلى قاضي الأمور الوقتية وطلب إذن بالزواج إذا امتنع الولي دون مبرر قانوني، على أن يفحص القاضي شرط الكفاءة فقط لا النسب ولا الدم.
لكن الفجوة بحسب مها لا تكمن في غياب القانون، وإنما في العجز عن اللجوء إليه، فالكثير من الفتيات لا يُبلّغن، أو لا يجرؤن على الاستمرار في الإجراءات حتى النهاية خوفًا من العائلة أو القبيلة. وفي حالات أخرى، يصعب تنفيذ الحكم القضائي حتى حين صدوره داخل بيئة مغلقة تحكمها الأعراف، حيث تختفي الأطراف المعنية أو تتكاثف الحماية العائلية لمنع تنفيذ القانون. وتشير إلى أن المنع العرفي يتحول إلى جريمة مكتملة الأركان حين يصل إلى حد الاحتجاز أو التهديد أو الاعتداء البدني أو اللفظي، مؤكدة أن احتجاز فتاة بالغة داخل منزلها جريمة يعاقب عليها القانون ومن حقها طلب النجدة فورًا، كما أن أي اعتداء مهما كان شكله يفتح باب المساءلة القانونية.
وتشدد أبو بكر على أن القانون يظل قائمًا في جميع الحالات والعقوبات موجودة، سواء في حالات التهجير القسري أو المنع أو التهديد، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن البيئة الحاضنة نفسها تقاوم القانون وتعتبر تنفيذه خروجًا على الجماعة.
وترى في الختام أن الحل لا يمكن أن يكون قانونيًا فقط، وإنما يتطلب تدخلًا أوسع يشمل رفع وعي حقيقي ودورًا فاعلًا للمؤسسات الدينية وحضورًا جادًا للدولة في المناطق التي ما زالت تُدار بمنطق القبيلة لا بمنطق الدستور، مؤكدة أنه حين يُفهم أن هذا المنع ليس من الدين ولا من القانون، فقط عندها تبدأ هذه الدوائر المغلقة في التصدع.
وتطبيقًا لواقعية هذا الطرح الذي يُعول على أهمية الوعي المجتمعي الشامل، تبرز المفارقة واضحة بالعودة إلى عام 1992 حين أُنتج مسلسل "ذئاب الجبل" الذي ناقش من وجهة نظر تقدمية أزمة الزواج خارج قبيلة هوارة، ورغم مرور ما يقترب من خمس وعشرين سنة على صدوره، ما تزال فتيات هوارة يعانين الأمر نفسه بتحديات لا تختلف عما واجهته "وردة" ووالدها "بدار" وأخوها "البدري"، ورغم أن المسلسل ما يزال يجد رواجًا لدى المشاهد حتى اليوم، فإنه فيما يبدو غير كافٍ وحده لرفع هذا الوعي.
- الأسماء مستعارة للحفاظ على خصوصية المصادر.