شكلت محال الذهب في مصر عبر أوقات الأزمات بابًا خلفيًا للسوق السوداء للدولار، حيث بنى العديد من كبار تجار الصاغة ثرواتهم من خلال المضاربة بالعملة الأمريكية، وها هم يعيدون الكَرَّة حاليًا بمجرد خروج الأموال الساخنة من البلاد وتصاعد المخاوف بشأن تأثر موارد الدولة من النقد الأجنبي.
ويتدثر هؤلاء التجار بعبارة فضفاضة انتشرت في مصر خلال السنوات الأخيرة ألا وهي "التحوط"، التي باتت تُلاك في كل المناسبات، فعلى غرار شركات العقارات التي ترفع أسعارها بحجة التحوط من التكاليف، وشركات السيارات التي تضيف "أوفر برايس" فوق السعر الحقيقي للسبب ذاته، سار تجار الذهب على الدرب نفسه.
وفي هذا السياق يشير محلل الأسواق إيهاب سعيد إلى أن فجوة التحوط في الذهب جعلت تسعير الدولار داخله يزيد على السعر الرسمي للبنوك بجنيه ونصف الجنيه على الأقل، خلال فترة إجازة عيد الفطر، مشددًا على أن هذا السلوك يؤكد أن شرارة البداية للسوق السوداء والمضاربة على الدولار غالبًا ما تنطلق من سوق الذهب.
وعلى مدار الأعوام الماضية تمكنت السلطات المصرية من ضبط العديد من تجار الذهب بتهمة التورط في تجارة العملة خارج السوق المصرفية، وكان آخرها يوم الإثنين الماضي بضبط قضايا اتجار في العملات الأجنبية، بقيمة تتجاوز ثلاثة ملايين جنيه، ورغم هذه الجهود يبقى من الصعب رصد الحجم الحقيقي لهذه السوق الضخمة في ظل مكاسبها الكبيرة وتردد العملاء المستمر عليها.
وإضافة إلى التلاعب بسعر صرف العملة، يُحمّل التجار السعر العالمي للذهب تكاليف أخرى تشمل هامش الربح وتكاليف التشغيل والمصنعية والنقل والتخزين والمخاطر، مستغلين الفروق الناتجة عن سرعة تغير السعر العالمي مقارنة ببطء تحديثه محليًا.
الصاغة أغلى من البنك
ويعتمد بعض التجار على التخزين والشراء في أوقات الانخفاض ثم البيع عند موجات الصعود، مع تحميل المستهلك النهائي الجزء الأكبر من هذه الفروق، وهو ما يتجلى بوضوح في إجازة العيد التي تشهد طلبًا شرائيًا كبيرًا لارتباطها بحفلات الزفاف خاصة في الريف.
ويضرب إيهاب سعيد مثالًا حيًا على ذلك، فوفقًا للسعر العالمي يعادل جرام الذهب عيار 24 نحو 144.50 دولارًا، وبحساب سعر الدولار في البنك وقتها والبالغ 52.30 جنيهًا، يكون الناتج العادل 7560 جنيهًا، غير أن الصاغة سعّرته حينها بثمانية آلاف جنيه، مما يعني احتساب الدولار بسعر 55.35 جنيهًا وبفارق يبلغ ثلاثة جنيهات عن السعر الرسمي.
ويقول محلل الأسواق إن هذا الفعل يمثل جريمة مكتملة الأركان، لأن التلاعب في سعر العملة مُجرم قانونًا، معتبرًا أن هذا السلوك يعني خلق سوق سوداء موازية، فالذهب سلعة عالمية تُقاس بها اقتصادات الدول، ولا يمكن التلاعب بها كبقية السلع الغذائية أو الأولية أو حتى العقارات والسيارات.
وشهد عام 2025 إقبال المصريين على شراء 45.1 طن من الذهب بانخفاض قدره 10% عن عام 2024، وتوجهت غالبية المشتريات نحو السبائك والجنيهات الذهبية بدعوى الحماية والتحوط وحفظ القيمة، فضلًا عن سهولة التسييل مقارنة بالعقارات خاصة مع تحقيق معدلات ربحية تجاوزت 100% خلال العام ذاته.
"شورت كات" للسوق السوداء
ولم يتوقف التلاعب عند الذهب فحسب، فقد امتد ليشمل الفضة التي فقدت نحو نصف قيمتها منذ يناير الماضي حتى اليوم، ورغم ذلك يحاول التجار عرقلة هبوط سعرها المحلي ليتماشى مع السوق العالمية متذرعين أيضًا بسعر الصرف.
ويرى سعيد أنه في الوقت الذي تحارب فيه الدولة السوق السوداء وتُغلظ العقوبات عبر تعديلات قانون البنك المركزي، تنتفي أي مبررات لهذه الزيادات المفتعلة كالادعاء بوجود تكاليف نقل وتخزين أو بدل تالف، مطالبًا بتفعيل القانون رقم 194 لسنة 2020 الذي يعاقب على الاتجار بالعملة ويُعد ذلك ظرفًا مُشددًا لتأثيره المباشر على العملة المحلية، مما قد يرفع العقوبة إلى السجن المؤبد والمصادرة. ويشدد في الوقت نفسه على أن توافر الدولار في الجهاز المصرفي وسهولة الحصول عليه يمثل الوسيلة الأساسية لمنع عودة السوق السوداء التي وصلت في أوج مضارباتها السابقة إلى 70 جنيهًا.
وفي تفاصيل هذه الممارسات، يوضح بعض تجار الذهب أن الجرام الواحد يُباع حاليًا بفارق يتراوح بين 400 و800 جنيه حسب العيار، وذلك بعدما لجأ التجار إلى إنشاء روابط ومجموعات مغلقة على السوشيال ميديا للاتفاق على تحديد سعر خاص للدولار خلال الإجازات. وقد استلهم التجار هذا السلوك من قطاعات اقتصادية أخرى لجأت للحيلة ذاتها في أوقات شح العملة، فالمطورون العقاريون بنوا دراساتهم المالية على تقديرات لسعر صرف بلغ 70 جنيهًا العام الماضي ضمن سيناريوهات التحوط، وهو ما عُرف بـ"الدولار العقاري"، كما ظهر قبل عامين ما سُمي بـ «دولار السيارات» حين استغل التجار أزمة العملة وقرار وقف الاستيراد لمضاعفة الأسعار واحتساب الدولار عند المستوى نفسه.
تجارة الاستغفال
ومن الناحية القانونية يصف المستشار مصطفى عباس ما يحدث في سوق الصاغة بأنه "استغفال" وليس تجارة، موضحًا أن الفضة فقدت عالميًا نصف قيمتها منذ مطلع العام، وهبط الذهب لمستويات العام الماضي، وعوضًا عن أن يشعر المواطن بهذا التراجع، تُرفع الأسعار بحجة "دولار الصاغة" التي يراها بدعة اخترعها التجار. ويضيف أن هذا السلوك يمثل مقامرة بأموال صغار المستثمرين الباحثين عن مدخرات تحميهم من تقلبات المستقبل، مؤكدًا عدم وجود تسعير موازٍ للعملة لأن البنك المركزي هو الجهة الوحيدة المنوط بها تحديد سعر الصرف، وأن إجبار المواطن على شراء سلعة عالمية بسعر مرتفع رغم هبوطها يُعد غشًا تجاريًا صريحًا.
على الجانب الآخر ينفي ناجي فرح عضو شعبة الذهب وجود ما يُسمى بدولار الصاغة جملة وتفصيلًا، معتبرًا إياه أمرًا غير واقعي، ويرى أن العامل الأساسي في التسعير هو العرض والطلب. ويشرح فرح أن الأسعار تهبط حين تظهر ضغوط بيعية خاصة من قبل البنوك المركزية العالمية، لافتًا إلى أن إلغاء البنك المركزي الصيني للرافعة المالية التي كانت تسمح للمشتري الصغير بالشراء بأربعة أضعاف سيولته الحقيقية قد ساهم بشكل كبير في تقليل المضاربات. ويختتم حديثه بتأكيد أن السوق المحلية ترتبط جزئيًا بارتفاع الدولار أمام الجنيه كمتغير طفيف، بينما يبقى السعر في البورصة العالمية هو المحدد الأول، مشيرًا إلى أن الطلب المحلي يتجاوز المعروض في كثير من الأحيان، مما يرفع أسعار الذهب محليًا وخاصة السبائك، حتى في ظل انخفاض الأسعار العالمية.