يحل عيد الفطر على سكان قطاع غزة هذا العام مختلفًا، فمع تراجع هجمات قوات الاحتلال الإسرائيلي في ظل وقف إطلاق النار المعلن، سيقضي أغلب المواطنين، الذين يبلغ عددهم نحو مليوني شخص، العيد في الخيام، ومن دون ملابس جديدة لأطفالهم.
كانت دولة الاحتلال تسمح بدخول نحو 350 شاحنة مساعدات غذائية، ولكن مع اندلاع الحرب الإيرانية تراجع العدد إلى 80 شاحنة فقط، بحسب وزارة الاقتصاد في القطاع، مما عقد الأوضاع المعيشية خلال شهر رمضان ومع حلول العيد.
ورغم انتشار مقاطع فيديو وصور تظهر مظاهر شبه احتفالية في بعض أسواق غزة، كشف عدد من السكان لـ"فكر تاني" عن معاناتهم من شح السلع الغذائية وأسعارها الباهظة، فضلًا عن العجز عن توفير ملابس العيد لأغلبية الأطفال.
أزمة السيولة النقدية
اعتاد أطفال غزة الحصول على العيدية وتفضيلها في هيئة أوراق نقدية جديدة، غير أن الوضع الراهن يحول دون ذلك لعدم توفر عملات نقدية في أيدي المواطنين، نتيجة أزمة الكاش التي ضربت القطاع إثر الحرب، والدمار الذي تسبب فيه الاحتلال ونشاط السوق السوداء.
يقول أحمد الحاج، وهو صاحب محل أحذية، إنه طالما حرص على شراء الملابس الجديدة ومنح أطفاله الخمسة عيدية، لكنه يرى حاليًا أنه "لا ملامح للعيد، فلا ملابس جديدة ولا كاش للعيدية"، ونتيجة لذلك تحولت المعاملات المالية في القطاع إلى تطبيق إلكتروني لبنك فلسطين أو محافظ بنكية، ويضيف الحاج، في تصريحات إلى "فكر تاني"، أن الحصول على النقد الورقي يتطلب التعامل مع سماسرة السوق السوداء الذين يتقاضون عمولات قد تصل إلى 30%.
ويوضح مبارك حمودة، وهو محاضر بجامعة الإسراء في غزة يبلغ من العمر 28 عامًا، أن الدخل معدوم لأغلب السكان الذين باتوا يعتمدون كليًا على مساعدات المنظمات واللجان العاملة في القطاع مثل اللجنة المصرية، مشيرًا، في تصريحات إلى "فكر تاني"، إلى أن أزمة انعدام الكاش تدفعهم للاعتماد على التحويلات التي تتأثر بدورها بضعف خدمات الإنترنت.
ولمواجهة السوق السوداء أطلقت السلطات الفلسطينية خلال الأشهر الماضية حملة مستمرة بعنوان "كاش بلزمناش" في مسعى لتحويل المعاملات المالية إلى نظام الدفع الإلكتروني، وذلك بعد أن دمر الاحتلال نحو 93% من فروع المصارف، ولم يتبق سوى 3 ماكينات صراف آلي تعمل من أصل 94، وفقًا لتقرير صادر عن البنك الدولي في ديسمبر من عام 2024.
تداعيات الحرب الإيرانية على الأسواق
وفي حين هدأت الضربات الإسرائيلية في غزة، اشتعلت في إيران لتلقي بظلالها القاتمة على القطاع، حيث تسببت في تقليص عدد شحنات المساعدات وارتفاع أسعار السلع الغذائية الشحيحة أصلًا.
ويروي ديب أبو راس، الذي يدير صفحة على فيسبوك تهتم بأخبار حي الزيتون شرق غزة، حيث كان يعيش على بعد كيلومتر واحد من الحدود، كيف دمرت الحرب منزله وأجبرته على النزوح إلى تل الهوى.
وأخبر ديب، وهو أب لأربعة، "فكر تاني" أنه لم يتناول الدجاج طوال شهر رمضان سوى مرة واحدة، بسبب شح السلع وغلائها الفاحش.
وشهدت الأسواق مؤخرًا وتزامنًا مع اندلاع الحرب الإيرانية ارتفاعًا حادًا في الأسعار، مع تراجع الكميات المسموح بدخولها، حيث ارتفع سعر كيلو الطماطم إلى 22 شيكلًا والبطاطس إلى 18 شيكلًا واختفى البصل تمامًا، وفقًا للمركز الفلسطيني للإعلام. كما طال الارتفاع أسعار المجمدات ليصل سعر كيلو الدجاج إلى نحو 40 شيكلًا عوضًا عن 23 شيكلًا، ويوجه معظمه إلى المطاعم. ويؤكد أبو راس قائلًا "لا نجد الدجاج أو اللحوم والموجود فقط في السوق السوداء ويباع للمطاعم".
وأرجعت وزارة الاقتصاد في غزة هذا التفاقم الأخير إلى تقليص الاحتلال لعدد الشاحنات التجارية، وأوضحت في بيان لها هذا الأسبوع أن تشديد القيود بعد اندلاع الحرب على إيران زاد من معاناة المواطنين.
التشبث بالحياة
وعلى صعيد التحضير للعيد اعتاد الحاج، صاحب محل الأحذية، أن تزدهر تجارته في مثل هذا الوقت من العام، غير أن ظروف الحرب الحالية جعلته يبيع حذاءً أو حذاءين في اليوم الواحد، وقد تمر ثلاثة أيام دون أي مبيعات.
ويشرح أبعاد الأزمة مبينًا أن إدخال شحنة من 400 حذاء يكلفه نحو 4 آلاف دولار كرسوم على المعابر، مما يرفع سعر الحذاء إلى 250 شيكلًا عوضًا عن 100 شيكل في الأوقات الطبيعية، وهو ما يعجز الناس عن دفعه.
وأشار إلى أن مكاسبه الحالية بالكاد تستر بيته وأسرته في ظل شح عمليات الشراء حتى قبل حلول العيد. ويعيش الحاج في شارع المغازي بدير البلح حيث فضل الكثيرون العودة إلى منازلهم المدمرة لأنها أفضل من برد الخيام على حد تعبير الشاب الغزاوي، الذي لفت إلى وقوع ضربة إسرائيلية قبل يومين أسفرت عن مقتل 8 أشخاص، وهو ما يتوافق مع إعلان وزارة الداخلية الأحد عن استهداف سيارة تقل 7 ضباط وعناصر من الشرطة مع مدير شرطة التدخل بالمحافظة الوسطى العقيد إياد أبو يوسف.
ويعبر أحمد أبو إحميد من خان يونس، الذي فقد عمله في أحد المطاعم بسبب الحرب عن عجزه التام، قائلًا لـ"فكر تاني"، "لست قادرًا على شراء أي ملابس لإدخال الفرحة على أطفالي الخمسة، فما كنت أشتريه لطفل بعشرين شيكل صار حاليا ثمنه مئة"، مضيفًا أن "الوضع سيء من جميع النواحي.. صعب وسيء هو أقل ما يمكن قوله". ويؤكد المحاضر حمودة هذا الواقع، موضحًا أن الأغلبية لن تتمكن من شراء ملابس العيد، في حين يعتمد البقية على إعانات وكسوة اللجان والمنظمات الدولية.
ورغم سريان وقف إطلاق النار منذ أكتوبر الماضي، تستمر قوات الاحتلال في توجيه ضربات متفرقة لقطاع غزة، كما منعت المصلين من دخول المسجد الأقصى طوال شهر رمضان، متذرعة بالوضع الأمني الناجم عن الصواريخ الإيرانية.
وبحسب وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا) أدى قصف إسرائيلي غرب مدينة خان يونس يوم الأربعاء إلى مقتل مواطن وإصابة آخرين، ليرتفع بذلك إجمالي عدد قتلى الضربات الإسرائيلية منذ بدء وقف إطلاق النار، إلى أكثر من 670 شخصًا مع إصابة نحو 1800 آخرين.
ووسط هذه الأجواء المشحونة برزت بعض مظاهر الاستعداد لعيد الفطر في أسواق غزة مستفيدة من تراجع حدة القصف لفترة تعد الأطول منذ بدء حرب الإبادة. ويصف أبو راس هذه الحالة، بقوله "أول عيد يمكننا التنفس فيه، القصف خفيف جدا. الأعياد الماضية خلال الحرب لم يمكننا تحديد الأيام العادية من أيام العيد". ويختتم حديثه بالتأكيد على صمود الفلسطينيين الذين أصروا على استمرار الحياة عبر إقامة الأفراح وسط الخيام، مضيفًا بكل عزم "نعيش في غزة للبقاء. نحن موجودون لنبقى في غزة، وإلا لكنا تهجرنا كلنا".