مع بداية شهر رمضان، الذي يتسم عادة بهدوء لا يقطعه سوى الجدل المعتاد حول المسلسلات، انفجر نوع مختلف تمامًا من الحكايات. لم تكن هذه المرة دراما متخيلة، بل شهادات صادمة لفتيات تعرضن للتحرش والاغتصاب من قِبَل سيناريست مشارك في الموسم الدرامي!
ولم تمضِ أيام حتى توالت الشهادات عاصفةً، هذه المرة عن شخصية عامة تحظى بالتفاف شبابي واسع. لم يكن ما كُشف مجرد اتهامات عابرة، بل روايات متطابقة عن استدراج نفسي ممنهج، يستغل هشاشة فتيات يبحثن عن الأمان، ليتحول الملاذ إلى فخ.
بحسب ما تداولته السوشيال ميديا، لم تقتصر الوقائع المزعومة على التحرش اللفظي أو الجسدي، بل امتدت إلى اتهامات أكثر جسامة، بعضها يتعلق بفتيات قاصرات، ما يضاعف من خطورة الاتهامات ويجعلها -إن ثبتت- جريمة مكتملة الأركان أخلاقيًا وقانونيًا.
اللافت أن هذه الوقائع، وفق الروايات المتداولة، لم تحدث في فضاءات سرية أو مشبوهة بالمعنى التقليدي، بل داخل مساحة اجتماعية بدت للكثيرين آمنة ومفتوحة، وكانت كذلك حينما كنتُ شاهدةً عليها. كانت أشبه بـ"جروب ثيرابي" غير رسمي، يجتمع فيه شباب وفتيات من أعمار وخلفيات مختلفة للحديث، والبوح، ومشاركة الشكاوى، والغناء أحيانًا، وعقد نقاشات مطولة. اللقاءات كانت تُعقد في أماكن عامة على ضفاف النيل، أو في مقاهٍ بوسط البلد، أو حتى عبر تنظيم رحلات لإحدى المحافظات الساحلية وعلى مدار أكثر من عشر سنوات. بل إن بعض الحاضرين ذكروا أن المساحة كانت تُرشح أحيانًا من قِبَل معالجين نفسيين باعتبارها بيئة داعمة.
هذا ما جعل الصدمة مضاعفة، فالمكان الذي تأسس على خطاب الدعم والانفتاح، واحتضن قصص هشاشةٍ شخصيةٍ وبحثٍ عن التعافي، تحول -وفق الشهادات- إلى مساحة يُستغل فيها هذا الانكشاف النفسي ذاته. وما الذي يجعلها قادرة على استقطاب هذا العدد من الفتيات، بعضهن في سنٍّ صغيرة، الباحثات عن أمان أو اعتراف أو احتواء؟ هنا لا نتحدث فقط عن فرد متهم، بل عن سؤال أوسع: كيف تتكون مثل هذه المساحات بعيدًا عن وزارة التضامن وعن المجتمع المدني؟ وأين هو المجتمع المدني؟
نعلم جميعًا أن المجتمع المدني قُوض عن طريق غلق مؤسساته ومكاتبه وسجن العاملين فيه، واجتث بشكل شبه كامل عقب هزيمة الثورة المصرية سياسيًّا، وتراجع الوضع اقتصاديًّا واجتماعيًّا إلى ما هو أسوأ مما سبق، لكنه على مستوى الوعي النسوي ترك أثرًا لا يمكن إنكاره. خرجت النساء إلى المجال العام بأعداد غير مسبوقة، وارتفعت وتيرة الحديث عن الجسد، والحق في الأمان، والمشاركة السياسية. نشأ وعي أكثر جرأة بالذات، وتحركت كثيرات لكسر الصمت، حتى في ظل بيئة محافظة معادية.
غير أن هذا الحراك لم يجد ظهيرًا سياسيًّا مستدامًا يحميه أو يمثله. ومع انحسار المجال العام على مدار أكثر من عقد، وتقييد العمل الأهلي، ومحو الحياة السياسية المنظمة، تراجعت قدرة المجتمع المدني على توفير أطر حماية مؤسسية. ساد الارتياب من أي تجمع منظم مِن قِبَل السلطة، وانفصل الناس تدريجيًّا عن أدوات التأثير في تقرير مصائرهم.
اقرأ أيضًا: تاء فاعلة| حين تُصلب النساء على خشبة التمييز والوصم | فكر تانى

في هذا المناخ، أصبحت المساحات غير الرسمية متنفسًا شبه وحيد: دوائر نقاش، ومجموعات دعم، ولقاءات شبابية. ومع قلة القنوات المؤسسية، تحولت هذه المساحات إلى بديل هش يحمل في داخله تناقضًا واضحًا، مجتمع مدني نشط في الوعي، لكنه ضعيف في البنية. وهنا تحديدًا تتضاعف الحاجة إلى آليات تحقق ومساءلة، لأن الجرأة على الكشف وحدها لا تكفي ما لم تسندها حماية حقيقية.
في الخيال المحافظ، تُختزل الحرية غالبًا في صورة أخلاقية مرتبكة، فهي تساوي "قلة أدب" أو خروجًا عن النسق. وحين يظهر متهم في مساحة تُصنف تقدمية أو منفتحة، تُدان الحرية نفسها بدلًا من مساءلة الشخص وسلوكه. لكن ما تكشفه هذه الوقائع، بعيدًا عن السجال الأيديولوجي، هو هشاشة البنى غير المؤسسية وغياب آليات الحماية والمساءلة، حتى في المساحات التي ترفع شعار الدعم والانفتاح.
يتكرر المشهد كلما خرجت شهادات تحرش من مساحة تُصنف باعتبارها متحررة، إذ يرتفع صوت التشفي سريعًا. تتردد عبارات من قبيل: "إيه اللي وداها هناك؟"، أو "ده بسبب الانفتاح الزائد"، ليعاد اختزال الحرية في كونها قلة انضباط أخلاقي، وتُقدم الواقعة كدليل إدانة على فساد المساحة بأكملها.
لكن، هل يعني تكرار الشهادات في الأوساط التقدمية نقاء المجتمع المحافظ من التحرش؟ الواقع يشير إلى العكس. الانتهاكات في البيئات المحافظة لا تغيب، بل كثيرًا ما تُحاط بالصمت، أو تُسوّى في نطاق العائلة، أو تُحال إلى مجالس عرفية يكون العبء الأكبر فيها على الضحية. لسنوات طويلة كانت شكاوى النساء تُقابل بالاستخفاف، وتُختزل في "سوء تفاهم" أو تشويه سمعة. وكم مرت أخبار عن انتهاكات طالت أطفالًا في مدارس أو قرى أو حتى داخل مؤسسات دينية، دون أن يتحول ذلك إلى نقاش مجتمعي واسع حول البنية الحامية للجناة. الفارق إذن ليس في وجود العنف أو غيابه، بل في آلية التعامل معه. الكشف في المساحات التقدمية، رغم قسوته وصدمته، قد يكون علامة على قدرة أعلى على المواجهة وكسر الصمت. أما الصمت فلا يعني البراءة، بل يعني غالبًا أن الكارثة تدار بعيدًا عن الضوء. لكن الموضوع في كثير من الأحيان "يُلمّ" في الأوساط التقدمية، وينتهي كما ينتهي في أي مساحة رجعية، وتُقنع الفتاة بالصمت بدلًا من أن يُعرف عنها أنها "بتاعة مشاكل"، وأن المحاكم حبائلها طويلة، والمثل المصري يقول: "ظلم المصطبة ولا عدل المحاكم"!
الغريب في الأمر أن قضايا التحرش هي الوحيدة التي تملك القدرة على هز ركود المجال العام، ليس إيمانًا بحقوق المرأة أو رغبة في الإنصاف، بل لأنها تتقاطع مع شغف مجتمعي بالفضيحة. بينما تمر قضايا الفجوة في الأجور أو الحقوق المدنية أو التمكين الاجتماعي مرور الكرام في ذيل الاهتمامات، تنفجر قضايا التحرش لأنها مادة دسمة للصحافة الصفراء وللنميمة الرقمية. يتحول المجتمع هنا من قاضٍ يطلب العدالة، إلى متلصص يطارد التفاصيل: مَن الجاني؟ ومَن الضحية؟ وماذا حدث خلف الأبواب المغلقة؟
تكتمل بشاعة هذه الوقائع حين نتأمل وجه الجاني، فهو ليس المتحرش التقليدي، بل المثقف التقدمي الذي أعاد إنتاج السلطة الذكورية بأبشع صورها. هنا يستحضر الوعي مرثية أروى صالح في كتابها «المبتسرون»، حين وصفت هذا التناقض القاتل "المثقف الذي يسلك كداعر في ممارسته، بينما يشعر ويفكر كمحافظ مُفرِط في جوهره".
لقد باع هؤلاء للفتيات أحلامًا تقدمية وحبًّا حرًّا، ثمنه كوب شاي مُرٍّ على مقهى كئيب، أو آيس كريم في شارع المعز عقب حفل للتنورة، مستغلين حاجة الضحايا للأمان والتحرر من قيود المجتمع. لكن، وكما كشفت أروى، فإن هذا المثقف يهرب عند أول لحظة مساءلة، تاركًا المرأة وحدها تحت مقصلة المسؤولية الشخصية، وهي أسطورة نستخدمها لتبرير الانتهاك، بينما في الواقع يتحمل المجتمع والضحية التكلفة كاملة، ويخرج هو بشطارته المعهودة ليعاود الظهور من جديد بجلد آخر.
كما أن إحدى الإشكاليات الكبرى تكمن في سرعة إعادة دمج الرجل المتهم في الفضاء العام بعد فترة قصيرة، وكأن شيئًا لم يحدث. غالبًا ما يختفي مؤقتًا عن الأنظار، ثم يعود سريعًا إلى السوشيال ميديا والعمل العام، ويتعامل معه المجتمع وكأنه لم يرتكب أي خطأ. في المقابل، تُعامل النساء بشكل مختلف تمامًا، فإذا تورطت امرأة في علاقة رضائية وسُربت مقاطع أو تفاصيل دون علمها، فإنها -إن لم تُقتل- غالبًا ما تُحاكم مُسبقًا، وتظل موصومة لفترة طويلة تحت مجهر المجتمع. هذا يوضح ازدواجية المعايير: الغفران والرحمة للرجل، والعقاب الصارم للمرأة.
وفي جُرمٍ مثل التحرش، حين يأتي الانتهاك من مثقف أو نخبة -سَمِّها ما شئت- فإن المسؤولية الأخلاقية هنا تصبح مضاعفة. فهذا الشخص، الذي يُفترض أنه يمتلك ناصية الحقوق والوعي بالحرية، يختار طواعيةً أن يعيد إنتاج السلطة الذكورية، ولكن بأدواتٍ جديدة وكلمات "مُنمقة ومُحفلطة" تمنح قُبحه غطاءً فكريًّا.
لذلك، يجب أن يكون الحساب المجتمعي لهؤلاء مضاعفًا، حتى وإن قصّر القانون، فالمثقف الذي يخون شعاراته هو أخطر من المتحرش التقليدي. ولكن، ويا للسخرية، هذا لا يحدث في واقعنا، فالمجتمع الذي يجلد الضحية، يمنح الجاني حصانة "الشللية" -يا بخت مَن له شلة تحميه- حيث تتحول الدوائر الثقافية والرفاقية إلى دروع بشرية تدافع عن الرفيق المتهم، وتغسل سمعته، وتُمهد طريق عودته بنعومة.
إنها ليست مجرد حوادث فردية، بل لعبة نصب كبرى، حيث يُستخدم خطاب التحرر كطُعم لاستغلال الهشاشة النفسية، مما يجعل هذا النوع من الانتهاك أخطر من غيره، لأنه يغتال الأمل في وجود مساحات آمنة.
الحرية ليست انفلاتًا بلا قواعد، بل مجموعة ضمانات تكفل قدرة كل فرد على العيش بأمان وكرامة، خصوصًا النساء والفئات الأكثر هشاشة. شعار الحرية وحده لا يكفي، إذ يمكن أن يتحول إلى زينة لغوية تغطي هشاشة البنية المؤسسية التي هي وريثة واقع سياسي رثّ، فتجعل المساحات التي تقدم نفسها كتقدمية غير آمنة. وفي غياب آليات حماية واضحة، تصبح الحوادث الفردية محط جدل اجتماعي، أكثر من كونها محط مساءلة قانونية أو حماية فعلية.
في النهاية، لا يمكن استخدام النساء كأدوات لإثبات صحة الخطاب أو دحضه، فهن لسن موضع اختبار لأي نظرية، ولا مادة للمزايدات الأيديولوجية. إن القضية الأساسية اليوم تتعلق ببناء مجال عام مؤسسي يحمي الجميع، ويضمن مساءلة واضحة بحيث لا تتكرر الانتهاكات دون محاسبة.
والأهم من ذلك كله، هو الإدراك بأن الحل الجذري يبدأ من الإصلاح السياسي الجاد وتخفيف وطأة القمع الأمني الذي جفف منابع المجتمع المدني. إن أزماتنا في جوهرها هي أزمات سياسية بامتياز، فلا عجب إذن أن الشعار الثاني لثورة يناير كان الحرية، وعلى رأسها الحريات الشخصية والسياسية جنبًا إلى جنب. وبغير هذا المسار، فإن أي حديث عن الحماية أو العدالة أو الأمان للنساء هو محض وهم، ودون ذلكَ خَرْطُ القَتَاد!
اقرأ أيضًا: تاء فاعلة | لماذا نلوم ضحايا التحرش ونبرئ الجناة؟ | فكر تانى
