مع كل موجة من موجات البوح التي تكشف الانتهاكات والجرائم الجنسية، ومع تعقُّد تلك الجرائم وتفاقمها، يظل المسار القانوني هو الضامن للعقوبة الرادعة للجاني. غير أنه مع صمت الناجيات، وفي ظل تجهيل أغلب الشهادات والعزوف عن اللجوء لمنظومة العدالة، فتحنا في منصة "فكر تاني" ملف الجرائم الجنسية ومحاسبة الجناة.
وخلال جلسة حوارية، استضافتها المنصة، وشارك فيها، المحاميتان ندى نشأت، وزينب خير، والمحامي طارق العوضي، ناقشنا دوافع الشهادات المُجهَّلة، وسبل محاسبة المتهمين بين مسار القانون ولجان التحقيق المستقلة، مع تقييم دور هذه اللجان خلال السنوات العشر الماضية، وصولًا إلى كيفية تحسين منظومة العدالة لتشجيع النساء على الإبلاغ وحماية المُبلِّغين والشهود.
هل نصدق الناجيات؟
تبحث الناجية أولًا عمن يصدقها لتبدأ رحلتها الصعبة في البوح أو الشكوى أو البلاغ الرسمي أو حتى إطلاق الشهادات المُجهَّلة، لتصطدم دائمًا بسؤال حول من يصدقها.
تجيب المحامية ندى نشأت عن هذا التساؤل بتأكيدها إمكانية تصديق الناجية بناءً على الشهادة وتفاصيلها. وتوضح ندى أن هناك شهادات تتخللها ثغرات، في حين توجد شهادات أخرى متماسكة حتى وإن غاب الدليل المادي، مشددة بقولها "في شهادات بصدقها تمامًا".
تترك ندى لصاحبة الشهادة أو الشكوى القرار الحر، حيث تقول للناجية من جرائم التحرش أو الاعتداءات الجنسية "بقولها انتي عايزة تعملي إيه"، لتبحث معها الخيارات المتاحة وتدعمها في قرارها النهائي.
كذلك تتبنى المحامية زينب خير، العاملة في مجال دعم حقوق المرأة والطفل، الاتجاه ذاته، حيث تقول "طالما حصل إبلاغ يعني في ضحية أو ناجية تكلمت عن حادثة حصلت لها، فالأساس أن نصدق ونفتح التحقيق".
على الجانب الآخر، يعلق المحامي بالنقض طارق العوضي على مسألة تصديق شهادات الناجيات بقوله "لا أصدق ولا أكذب". ويضيف "لا أفترض أنها صادقة لمجرد أنها سيدة أو أفترض أنه جانٍ لمجرد أنه رجل، كل هذا يختلف مع مبادئي ومع فلسفة القوانين، لكن من يتقدم ببلاغ بتعرضه للانتهاك فأنا أدعمه، خاصة الانتهاكات الجنسية".
يفضل العوضي اتخاذ خطوات قانونية إجرائية سليمة تتجسد في أن تتقدم الناجية ببلاغ لجهات التحقيق التي تجري التحقيقات المتبعة والمتعارف عليها، وتُمكن من تقديم أدلتها وشهودها وتحريات المباحث وكل التكنولوجيا. ويحذر العوضي في الوقت ذاته من الشهادات المزيفة، مبررًا ذلك بقوله "في عصر التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي سهل جدًا أعملك شهادة، لذا أدعم اتخاذ الإجراءات القانونية للوصول لحقيقة الواقعة".
دوافع التجهيل وتحديات الإبلاغ الرسمي
لا تُعد النيابة الملجأ الوحيد للناجيات من الانتهاكات الجنسية، حيث أصبحت الشهادات المُجهَّلة وسيلة الشكوى وفضح المتحرش التي تفضلها بعضهن على المسار القانوني الذي يدعو إليه العوضي.
تفسر زينب خير أسباب اللجوء للشهادات المُجهَّلة بأن المجتمع يوجه اللوم للفتاة أو السيدة أيًا كان وضعها، فضلًا عن مخاوف الناجية من فقدان شبكتها الاجتماعية. موضحةً أنه لو كان الجاني مع الناجية في العمل أو من أهلها أو ضمن شبكتها الاجتماعية، فإن اتهامه يؤدي إلى فقدانها شبكة الدعم الأساسية، خاصةً أن الانتهاكات الجسدية التي يمارسها الجاني تقوم على التخطيط والتنفيذ دون ترك دليل، مما يجعل الواقعة تبدو غير منطقية.
لا يقتصر الأمر على الضغط المجتمعي وحده، إذ تضيف زينب مخاوف أخرى من الذهاب إلى الشرطة أو النيابة، وتحديدًا مع عدم وجود أدلة، مما يدفع الناجية لاختيار الطريق الآمن.
تتفق ندى نشأت مع زينب في شأن المخاوف المجتمعية والنفسية، وتثير تخوفًا آخر من اللجوء للقانون والإبلاغ الرسمي. تقول ندى "من كل الشهادات اللي موجودة، السؤال المتكرر طول الوقت هل حد هيعرف بياناتي؟".
يبين هذا التساؤل أن الناجية تخشى من الفضيحة، وهو ما تؤكده ندى بقولها "شاهدنا وقائع تسربت فيها الأسماء للصحافة". وتضيف ندى إلى التخوف من تسريب البيانات أزمة تعقيد العلاقات التي تعجز الناجية بسببها عن الإبلاغ، حيث تكون الوقائع أحيانًا شديدة الخصوصية ومركبة، وتسترجع الشهادة رقم ثلاثة وثلاثين في دفتر حكايات لتوضح هذا التعقيد، قائلة "البنت كانت تعرف هذا الشخص، واحتجزها في البيت، هي لا تستطيع البوح بذلك لأسباب مختلفة، لو كانت بلَّغت أو نشرت الشهادة بحروفها الأولى ستنكشف هويتها لبعض الناس، فالخسارة تكون أكبر بسبب الإبلاغ".
ترى ندى أن المجهولية منحت للناس قوة، رغم إقرارها بوجود مشكلة تتمثل في ضرب الشهادات، مستشهدة بواقعة الصحفي الذي اصطنع قصة منتحلة لضرب فكرة المصداقية. تتوقف ندى عند المسار القانوني وأهمية تطويره، داعية الدولة للاستعانة بخبرات لجان التحقيق المستقلة لمناقشة تعديل الإجراءات أو تطبيق القانون، رغم أنها ترى أن الدولة بطيئة جدًا في هذا الشأن.
يبرز التساؤل حول وجود بديل للمسار القانوني، حيث يعتبر المحامي طارق العوضي أن السوشيال ميديا أصبحت إحدى المسارات القانونية التي تتعامل معها الأجهزة الأمنية والقضائية باعتبارها آلية تبليغ، وتتحرك الجهات المعنية حتى لو لم يحدث بلاغ رسمي.
ويلفت العوضي الانتباه إلى أن شهادات الوقائع القديمة المُجهَّلة المنشورة على السوشيال ميديا لن تتيح لجهات الضبط أو التحقيق التحرك، لكنه يرفض فكرة عدم الثقة في منظومة الدولة، قائلًا "في الـ 10 سنوات الأخيرة، سواء في المجال التشريعي، أو المجال العملي، عندنا تقدم كبير فيما يتعلق بقضايا الأطفال والنساء". يقلل العوضي من فكرة استعانة الدولة بخبرات المجتمع المدني ولجان التحقيق، ويطرح سؤالًا على ندى بقوله "بقى لكم كام سنة عندكم خبرات؟ تنشروا تقاريركم وأبحاثكم والدولة تطلع عليها على فكرة"، مشيرًا إلى التاريخ الطويل والخبرات المتراكمة لدى المؤسسات الأمنية والقضائية والإدارية. لذا يستنكر فكرة المسار الموازي قائلًا "أشم في الكلام أن هناك بديلًا أو مسارًا موازيًا للدولة". يضيف منتقدًا "نعمل دولة صغننة على قدنا كده بنحقق فيها مشاكلنا وبنحل فيها مشاكلنا، وللأسف كل هذه الحلول وكل لجان التحقيق، خضعت لاعتبارات الواسطة واعتبارات ده مين، وده ابن مين، وده صاحب مين".
منظومة العدالة والحاجة إلى آليات متخصصة
وسط هذه النقاشات، تبرز مخاوف الإبلاغ وتسريب بيانات المُبلِّغين والشهود. يرد العوضي على ذلك بتأكيده "عندنا نصوص قانونية تحمي سرية بيانات الشهود والمجني عليهم". وأمام إصرار ندى وزينب على وجود تسريب للبيانات، يوضح العوضي "عندنا مشكلة في تطبيق هذا القانون، دورنا البحث عن حل هذه المشاكل، وكيفية ضمان حقيقي بعدم تسريب بيانات الشهود أو المجني عليه في هذه القضايا".
تستدل ندى بقضية الفيرمونت التي بدأت بالتشجيع الرسمي على الإبلاغ وتحفيز الشهود على الشهادة، لكنها توضح مآل الأمور بقولها "لكن الشهود وجدوا أنفسهم متهمين في النيابة".
يقود هذا التباين النقاش إلى ضرورة إيجاد أشكال غير تقليدية في القضايا المتعلقة بالجرائم الجنسية، تبدأ من لحظة تلقي البلاغ وحتى الوصول إلى المحكمة.
تحكي المحامية ندى نشأت عن الأجواء القاسية التي تحيط بالناجية وقت تلقي البلاغ، قائلة "مرة كنت أقدم بلاغ، كان يجلس حولي ست سبعة مسجلين يحدقون فيّ وأنا أحكي عن واقعة تحرش، وأمين شرطة يقول لي أتنازل لأن المتهم عيل صغير". تؤكد ندى بناءً على ذلك "أول خطوة، لا يجوز أن يكون الإبلاغ عن واقعة تحرش أو اغتصاب أو عنف وسط الناس على المشاع".
وتوضح أن هذا الموقف يمثل انتهاكًا جديدًا للناجية. كذلك تشدد زينب خير أيضًا على أهمية المنظومة بمجملها وليس القانون وحده، مبينة "مشكلتنا الحقيقية في تنفيذ القوانين". تنتقد زينب التعامل مع قضايا العنف الجنسي والتحرش وكأنها قضايا فرعية أو قضايا من الدرجة الثانية، معتبرة أنها لا تأخذ اهتمام الأجهزة المعنية ما لم تتحول إلى قضية رأي عام ومحط أنظار الجميع.
وتبرر زينب أن هذا هو السبب الفعلي الذي يدفع الضحايا للجوء للسوشيال ميديا وكشف الجرائم من خلالها، مؤكدة "لو لدينا منظومة تتحرك بشكل تلقائي يحفظ كرامة وخصوصية الضحايا لن نحتاج السوشيال ميديا".
لجان التحقيق المستقلة بين الشرعية والمشروعية
تؤصل المحامية زينب خير لشرعية لجان التحقيق المستقلة التي تتشكل وسط المجتمع المدني للبحث في الوقائع المتعلقة بالجرائم الجنسية، وتستند زينب في ذلك إلى القانون قائلة "من نصوص قانون العمل، من حق المؤسسة تشكيل لجنة تحقيق إدارية للتحقيق في أي واقعة حدثت في المؤسسة". مؤكدة في الوقت نفسه أن هذه اللجان ليست بديلًا عن النيابة، وإنما شكل من أشكال التوثيق واستبيان الحقيقة. موضحة أن اللجان ليست مسارًا موازيًا وإنما قد تكون مسارًا مبدئيًا يحمي مساحة معينة من وجود شخص يمثل خطرًا على باقي الأفراد الموجودين في هذه المساحة.
وتلفت زينب، التي شاركت في لجنتين مستقلتين للتحقيق في وقائع تحرش جنسي، إلى استغلال المتهمين أنفسهم اللجان والسوشيال ميديا، قائلة "يطلع المتهم يقول أنا عايز تحقيق، ونشكل لجنة ثم يبدأ بعدها الخلاف واستخدام الجماهير على وسائل التواصل الاجتماعي".
النا
وتربط زينب بين هذا السلوك والشهادات الأخيرة التي ظهرت في شهر فبراير الماضي، موضحة "عندنا شخص كاد أن يكون قاتلًا متسلسلًا، يريد لجنة تحقيق رغم أن الشهادات تتعلق بجرائم جنائية قد تصل عقوبات بعضها إلى الإعدام إن صحت". واصفة تكتيك المتهم بقولها "يطلب لجنة ثم يحدث صدام، هو يخطط ويعرف اللحظة التي يصطدم فيها، ويستخدم الجماهير التي تصدقه، ثم يذهب بالناجيات واللجنة إلى المحكمة بتهمة التشهير".
في سياق تقييم هذه اللجان، يطرح العوضي مقاربة بين اللجان المستقلة والجلسات العرفية أو قعدات العرب، حيث يعتبر على العكس من المدافعين عن اللجان، أن قعدات العرب لها قواعد وبناء تفتقده لجان التحقيق المستقلة. يقول العوضي "المجتمع تعارف على قعدات العرب لكن لا يعرف هذه اللجان، إلا إذا كنا نعتبر المجتمع المدني مجتمعًا منفصلًا عن هذه الدولة".
وترد ندى نشأت، المحامية التي تجري دراسة الماجستير على لجان التحقيق المستقلة، بالتأكيد على أن اللجان تستند لأساسيات في عملها، موضحة أنه لا توجد لجنة من اللجان التي عملت على توثيقها منذ عام 2015 عملت بدون قواعد، وذلك على عكس الجلسات العرفية التي تتحكم في قراراتها عادات وتقاليد.
يتوقف العوضي مجددًا أمام فقدان اللجان للسلطات والصلاحيات التي تُمكِّن من الردع الفعلي، حيث يفصل وجهة نظره قائلًا "نفترض أن اللجنة مشروعة وستصدر قرارات، تفصل المتهم من عمله أو تأخذ من ماله وتعطي تعويضًا للضحية، وترسل لكل المنظمات لعدم تشغيله في هذا الوسط مرة أخرى، لكن في الحقيقة أن هذه الطريقة نقول بها إن هذا آخرنا، واتفضل مارس هذا السلوك في مهنة أخرى".
ويتساءل العوضي مستنكرًا اللجوء لمسار اللجان المستقلة لعدم قدرة المسار القانوني على الحل "واللجان المستقلة عملت حاجة؟". مع ذلك، يعتبر أن اللجان قد يكون لها دور مهم يتمثل في كونها دورًا معاونًا للنيابة العامة لأنها شاهدت واستمعت ووثقت، ثم تبين لها أن هذا الفعل يشكل جريمة. تُقر ندى نشأت في هذا الإطار أن اللجان المستقلة لا تغني عن المسار القانوني، مؤكدة على ضرورة أن يكون الإبلاغ الرسمي قرار الشاكية وحدها.
رغم الاختلاف على تقييم اللجان المستقلة ودورها، اتفق الجميع على أن معضلة العدالة في قضايا العنف الجنسي رهينة التوازن المفقود بين نصوص القانون والتطبيق الفعلي. فبينما يظل المسار القانوني هو السبيل الوحيد لفرض العقوبة الرادعة، أثبتت التجربة أن الخوف من الفضيحة وضعف ثقة الناجيات في سرية الإجراءات يمثلان العائق الأكبر أمام تحقيق هذه العدالة.
إن ما كشفته الجلسة الحوارية في "فكر تاني" ليس مجرد انقسام في وجهات النظر بين القانونيين والحقوقيين، وإنما صرخة لضرورة تطوير منظومة عدالة متخصصة لا تكتفي بالنصوص، وتعمل على توفير بيئة آمنة تضمن سرية البيانات وتحترم خصوصية الضحايا منذ لحظة الإبلاغ الأولى وحتى صدور الحكم.
ويبدو ختامًا أن لجان التحقيق المستقلة والشهادات المُجهَّلة ستظل الملاذ الاضطراري طالما بقي المسار الرسمي بطيئًا أو غير مهيأ نفسيًا واجتماعيًا لاستيعاب الناجيات.