عندما توقف السوبر جيت أمام الكمين الاعتيادي لنفق الشهيد أحمد حمدي، لم يكن مع "ورد" أي ممنوعات تخشى اكتشافها إن فتشها الأمن، فقد كانت هي نفسها "الفضيحة".
في تلك اللحظة التي اضطرت فيها للمثول أمام الضابط المكلف بحراسة الكمين، كان على ورد أن تسرد قصتها كاملة منذ البداية، لتعود بذاكرتها إلى إحدى زوايا البيت حيث كان يقف "محمد"، طفل ما يزال، أمام المرآة يتأمل ملامحه في حيرة، بينما تتنقل عيناه بين أدوات البودرة وأحمر الشفاه، وما إن امتدت يداه الصغيرتان نحوهما حتى انتزعت منه بعنف، ليعقب ذلك وابل من السباب واللوم الذي لم يدرك سببه.
اعتاد ذلك الطفل الصغير أن يسأل نفسه بصمت عن سبب اختلافه عن الصورة التي يريدون له أن يكونها، فلم يكن يفهم جسده أو المطلوب منه بالضبط، وكان يميل إلى اللعب بالعرائس مع البنات فيُنهَر ويُعاقَب، ثم يُدفَع إلى اللعب مع أقرانه من الصبيان فيتنمرون عليه ويسخرون من صوته الناعم الذي لم يستطع تغييره مهما حاول. هكذا شب محمد في جسد امتلأ خوفًا وارتباكًا، تضنيه أسئلته ويعذبه ذنب لم يقترفه، إذ كان هناك اضطراب في تكوينه البيولوجي جعله يشعر أن جسده لا يشبه هويته، ولذلك لم تكن العملية الجراحية التي خضعت لها لاحقًا مجرد تحول، بقدر ما كانت محاولة نجاة من سنوات طويلة عاشت فيها "ورد" داخل جسد محمد.
"عيل طري"
تقول ورد التميمي لـ"فكر تاني": "أمي مكانتش عايزاني أصلًا قبل ما أتولد، ولما عرفت إنها حامل فيا حاولت تنزلني، وخدت أدوية كتير للإجهاض، لكن ربنا أراد إني أعيش، والأدوية دي بحسب كلام دكتور تابعت معاه بعد كده اتسببت في تشوه كبير في تكويني". وتتابع رحلتها مع طفولتها مضيفة "من وأنا صغيرة شكلي وتصرفاتي مش شبه الولاد، كنت بحب لعب البنات ولبسهم، وده سببلي مشاكل كبيرة مع أهلي اللي كانوا شايفين إني ولد طري لازم يتربى بالضرب عشان يتعدل".
تقول نهال عمران الباحثة في علم الاجتماع إن الأطفال الذين يعانون اضطرابًا جينيًا في مثل حالة ورد غالبًا ما يواجهون ردود فعل قاسية من الأسرة والمجتمع بسبب الخوف من العار والوصم الاجتماعي.
وتشير في حديثها لـ"فكر تاني"، إلى أن كثيرًا من الأسر في المجتمعات المحافظة تتعامل مع السلوكيات المختلفة لدى الأطفال فيما يتعلق بالهوية الجنسية واستكشاف الذات باعتبارها انحرافًا يحتاج إلى العقاب، في حين أنها قد تكون في بعض الأحيان مجرد مرحلة من الفضول أو محاولة لاكتشاف الذات. وتضيف الباحثة أن العنف أو القمع في هذه المرحلة قد يترك آثارًا نفسية عميقة على الطفل، لأنه يشعر بالرفض عوضًا عن الاحتواء، وهو ما قد يدفعه إلى الانغلاق أو العزلة وزيادة التشتت، مشددة على أن الدعم الأسري يلعب دورًا حاسمًا في مساعدة الطفل على تجاوز فترات الارتباك المتعلقة بالهوية أو السلوك، خاصة في الحالات التي يصاحبها اضطراب بيولوجي أو هرموني.
"شكلي مش مفهوم"
لم تتوقف معاناة ورد عند حدود المنزل، فمرحلة المدرسة لم تكن أقل قسوة، فقد كانت تحدياتها مختلفة، وتقول عن تلك الفترة "لما دخلت المدرسة الثانوية كانت أصعب مرحلة في حياتي، كنت وسط شباب شايفيني مختلفة، وكانوا بيتنمروا عليا طول الوقت بسبب صوتي وطريقة كلامي".
وتستطرد قائلة "كنت بلبس هدوم الولاد فكان شكلي غريب ومش مفهوم، كأني بنت حالقة شعرها ولابسة لبس ولد، التنمر كان في الشارع وفي المدرسة وفي البيت تقريبًا في كل مكان، عشان كدا فكرت ألبس لبس بنات يمكن الناس تبطل تضايقني، بس التنمر زاد أكتر، وزاد معاه إحساسي بالغربة والضياع وبقا كل همي إني ألاقي حد يقبلني زي ما أنا".
تلك المشاعر المتخبطة توضحها الدكتورة دعاء عبد الرحمن أخصائية العلاج النفسي والإدمان، مبينة أن اضطراب الهوية الجنسية أو اضطرابات التكوين البيولوجي ترتبط في الأغلب بمعاناة نفسية كبيرة نتيجة لردود فعل المجتمع والتنمر الذي يتعرض له أصحاب هذه الحالات. وتبين الدكتورة دعاء أن هذه المعاناة، وتحديدًا في فترات الطفولة والمراهقة، قد تدفع الكثيرين منهم إلى الإصابة بالاكتئاب أو القلق بسبب الصراع الداخلي الذي يعيشونه بين ما يشعرون به وما يفرضه عليهم المجتمع.
وأوضحت الأخصائية النفسية أن العديد من المرضى يصلون إلى العيادات النفسية وهم يعانون من آثار نفسية عميقة تراكمت عبر سنوات من الرفض أو السخرية، مؤكدة أن دور العلاج النفسي يرتكز أساسًا على دعم المريض ومساعدته على تقبل ذاته والتعامل مع الضغوط الاجتماعية بعد أن يتم تحديد التشخيص الطبي بدقة.
التدخل "الميري"
هذا الإنكار الأسري والمجتمعي لحالة ورد حال دون أي مسار علمي قد تسلكه طلبًا للمساعدة، لكن المفارقة جاءت من أكثر المؤسسات محافظة في الدولة، وتحكي عن ذلك قائلة "لما دخلت الجيش عُرضت على لجنة طبية، وهناك بدأت أفهم حالتي لأول مرة".
وتضيف "الكل أجمع إني مينفعش أكمل خدمتي العسكرية، وإنه يلزمني علاج نفسي وهرموني مكثف، اتعرضت على عدد من الأطباء النفسيين اللي أكدوا استحالة إني أكمل حياتي كذكر وأصدروا تقرير بيفيد بكده، بعد ما خضعت لعلاج نفسي وهرموني مكثف لمدة أربع سنين كاملة".
ومن الناحية الطبية يوضح الدكتور طارق العزوني استشاري أمراض النساء والتوليد أن التقييم العلمي لمثل هذه الحالات يستند إلى مجموعة من الفحوصات الطبية الدقيقة، وتأتي في مقدمتها تحاليل الكروموسومات والهرمونات لكونها الأداة التي تساعد الأطباء على تحديد التكوين البيولوجي الحقيقي للجسم.
ويشرح الطبيب في تصريحه لـ"فكر تاني"، أن حالة ورد بحسب التقارير الطبية التي خضعت لها تضمنت خللًا في الكروموسومات أدى إلى تعارض مباشر بين التركيب البيولوجي للجسم والمظهر الخارجي، وهو الأمر الذي استدعى التدخل الطبي لتصحيح الوضع الجسدي بما يتوافق مع تكوينها البيولوجي.
وعن طبيعة حياة المرضى بعد إجراء الجراحة، يقول العزوني إن الحالات التي تخضع لتغيير الجنس أو تصحيحه يمكنها أن تعيش حياة عادية بعد الجراحة والتجميل باستثناء الجانب المتعلق بالإنجاب، لأن معظم الحالات إذا امتلكت رحمًا فإن المبايض قد لا تكون في حالة سليمة، وفي أحيان أخرى تكون غير موجودة من الأساس مما يجعل عملية الإنجاب شبه مستحيلة.
وفي هذا السياق الطبي يحرص الأطباء على توضيح الفروق لتجنب الخلط الشائع بين حالتين مختلفتين، إذ تتمثل الحالة الأولى في اضطراب الهوية الجنسية وفيها يشعر الشخص بعدم التوافق بين هويته الجندرية وجنسه المسجل عند الولادة. أما الحالة الثانية فتعرف بالـإنترسكس أو ثنائية الجنس وهي حالة طبية يولد فيها الشخص بتركيب بيولوجي غير نمطي في الكروموسومات أو الأعضاء التناسلية، وبالنسبة لورد فإنها تعاني خللًا في الكروموسومات جعل تكوينها البيولوجي أقرب إلى الأنثى، وهو ما يصنف حالتها ضمن الحالات الطبية المرتبطة باضطرابات التكوين البيولوجي.
معركة الاعتراف الرسمي

خلال تلك السنوات الأربع شقت ورد طريق عذابها وحيدة بعيدًا عن أهلها بعد أن انفصلت عنهم، وعاشت في سكن مستقل، ثم اتجهت للعمل لتتمكن من توفير نفقات علاجها، يدفعها إتقانها اللغتين الألمانية والإنجليزية بطلاقة بفضل مجال دراستها في السياحة والفنادق. وعقب كل هذه المعاناة خضعت للعملية أخيرًا ليصبح مظهرها الخارجي متوافقًا مع عقلها وتكوينها الداخلي الذي خلقها الله عليه.
ورغم انتهاء المعركة الطبية لم تنتهِ مشكلة ورد، إذ برزت أمامها عقبة جديدة تتمثل في استخراج أوراق رسمية تثبت نوعها، وتقول عن ذلك "لسه بطاقتي بعد العملية باسمي القديم وخانة النوع فيها ذكر، آخر مرة كنت مسافرة من القاهرة للغردقة، وقفت عند كمين واضطريت أشرح قصتي بخجل للضباط، وأتكلم عن العملية وكل اللي حصل، وبسبب إن البطاقة فيها اسمي القديم وصورتي القديمة حسيت بالحرج والخوف وقتها ومكنتش عارفة أعمل إيه".
يشير حازم صلاح المحامي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن تغيير خانة النوع في الأوراق الرسمية في مصر يمر بإجراءات طويلة ومعقدة. ويوضح في تصريحات إلى "فكر تاني" أن المبادرة المصرية أخذت على عاتقها الدفاع عن عدد من الحالات أمام القضاء، وقد نجح بعض أصحابها بالفعل في استخراج بطاقات رقم قومي جديدة تعكس أوضاعهم الحالية بعد التصحيح الطبي، في حين لم توفق قضايا أخرى أو لا تزال حبيسة الإجراءات المعقدة وهي منظورة أمام المحاكم.
هذه التعقيدات تنعكس بوضوح على الأرقام الرسمية التي تبدو محدودة للغاية ولا تعبر عن الحجم الحقيقي للأزمة، فوفقًا لبيانات صادرة عن لجنة تصحيح الجنس بنقابة الأطباء المصرية في عام 2021 بلغ عدد الملفات المعروضة على اللجنة آنذاك 41 حالة فقط، جرى تحويل 14 منها إلى لجنة الفتوى بالأزهر، بينما ظلت 27 حالة عالقة على قوائم الانتظار بعد استكمال أوراقها.
ويرى المختصون أن هذه الإحصائيات لا تعكس بالضرورة الواقع، حيث يلجأ بعض الأشخاص إلى إجراء عمليات العبور الجندري خارج مصر أو بطرق غير رسمية هربًا من الوصمة الاجتماعية والتعقيدات الطبية والقانونية، فضلًا عن أن الأرقام الرسمية الخاصة بعمليات تصحيح أو تحويل الجنس في مصر تبقى شبه سرية وغير معلنة بشكل دوري، وتعود آخر بيانات واضحة صادرة عن اللجنة الطبية المختصة إلى نحو خمس سنوات.
ورغم كل هذه التحديات تواصل ورد سعيها نحو الاستقرار قائلة "أنا دلوقتي بشتغل في مطعم في الغردقة صاحبته ألمانية ومتقبلاني زي ما أنا، واللي ساعدني أعيش وأصرف على نفسي وعلاجي إني بتكلم عدة لغات بسبب دراستي في مدارس فندقية وعايشة كويس، لكن البطاقة بتسببلي مشاكل كل ما أسافر أو أعدي على كمين أو أقدم على شغل جديد".
يبعد سنوات طويلة من العلاج والعمليات الطبية والقطيعة مع أسرتها، تبدو حياة ورد اليوم أكثر هدوءًا مما كانت عليه في الماضي، لكنها ما زالت تخوض معركة مختلفة في المحاكم وأمام الجهات الرسمية، فبالنسبة لها لا يقتصر الأمر على عملية جراحية انتهت، وإنما يمتد ليشمل حياة كاملة تحاول أن تبدأها من جديد، آملة أن يأتي يوم تصبح فيه أوراقها الرسمية مجرد تفصيلة عادية، لا سببًا يجبرها على شرح حكايتها في كل مرة من البداية.
اقرأ أيضًا: تاء فاعلة | لماذا نلوم ضحايا التحرش ونبرئ الجناة؟ | فكر تانى
