بدايةً أعترف أنني مفتونة بشيوعيات جيل الأربعينيات والخمسينيات، خاصة المسيحيات واليهوديات منهن، مثل: جنيفيف سيداروس، وثريا شاكر، ونائلة كامل. شخصية وداد متري بالتحديد لفتت نظري منذ شاهدت وأنا طالبة جامعية في أواخر التسعينيات فيلم "أربع نساء من مصر" للمخرجة تهاني راشد. كنت في ذلك الوقت أبحث عن نماذج نسائية اشتراكية أتعلق بها. كبرتُ وتوقفتُ عن البحث عن النموذج، وأدركت أن كل رائدة من رائدات الحركة النسائية المصرية سواء من التيار الاشتراكي، أو من التيارات الأخرى، ألهمتني في شيء، وأنه من الطبيعي أن أختلف معهن مع اختلاف الزمن. ولعل أكثر ما لفت نظري في شخصيتها أنها اتسمت باتساق مواقفها الديمقراطية، ووعيها النسوي، وجمعها بين العمل الحزبي والنقابي والأهلي، بشكل عزز انغماسها في العمل الجماهيري الشعبي.
ومن المصادر التي اطلعت عليها وعرفتني على تلك الشخصية المتميزة، كتاب "من رائدات القرن العشرين: شخصيات وقضايا"، من إصدار مؤسسة المرأة والذاكرة، وكتاب "المرأة في الحركة الشيوعية المصرية حتى 1965"، من إصدار مركز البحوث العربية للدراسات العربية والأفريقية والتوثيق، والجزء الخاص بها في أرشيف التاريخ الشفوي للرائدات، الذي أعدته مؤسسة المرأة والذاكرة.
مسار حياتها
ولدت وداد متري عام 1927، وعاشت في حي شبرا. كان لها خال يسمى عزيز تعرض لإعاقة شديدة في ثورة 1919 ففقد عينًا وساقًا، وكان أبواها مثقفين ومستنيرين. دخلت الجامعة سنة 1948 وفازت بعضوية اتحاد الطلبة لكلية الآداب 1951 وهي خطوة تصفها بأنها "كانت شيئًا جريئًا جدًا"، وتشير إليها بعض المصادر بأنها أول طالبة تُنتخب لعضوية اتحاد طلاب في مصر، لكنني أظن أن فاطمة زكي -وهي شيوعية أيضًا- سبقتها في اتحاد كلية العلوم في 1947. حصلت وداد على ليسانس آداب فلسفة سنة 1952، وبدأت حياتها العملية بالتعيين في العام نفسه كمدرسة لمدة عام تقريبًا في الصعيد (ديروط) ثم انتقلت إلى شبين الكوم، وعملت من 1957 إلى 1959 في مدرسة بالقاهرة.
اقرأ أيضًتا: تاء فاعلة| عزيزي المتحرش.. هل جربت يومًا أن تعيش في جلد امرأة؟ | فكر تانى
أُبعدت عن التدريس بقرار أمني ونُقلت إلى وظيفة إدارية في العلاقات العامة، ومنها عملت في الصحافة المدرسية، حيث أصبحت مسؤولة الصحافة المدرسية في شرق القاهرة سنة 1959، ثم موجهة للصحافة المدرسية. وأعدت أول برنامج تدريسي للصحافة المدرسية سنة 1961. وحصلت على دبلوم معهد التحرير والترجمة والصحافة (يوازي ماجستير) ودبلوم دراسات تربية.
انتخبت في نقابة المعلمين عن منطقة شرق القاهرة التعليمية، رغم أنها إدارية، وتعرضت لتضييق أمني حيث طُلب منها عدم الترشح لكنها ترشحت، فقاموا بعزلها من الاتحاد الاشتراكي 1963. وكانت القوانين وقتها تشترط أن الشخص لكي يتولى أي موقع قيادي منتخب، يجب أن يكون عضوًا في الاتحاد الاشتراكي. ناضلت ضد هذا القرار حتى عُدل عنه في 1968. وانتخبت أيضًا في وحدتها الجغرافية في الاتحاد الاشتراكي.
تزوجت عام 1961 من الدكتور سعد لوقا، أستاذ الهندسة، الذي كان شخصًا منفتحًا ومستنيرًا لكن ليس له نشاط سياسي مباشر مثلها، وأنجبت طفلين (ريم وسهيل) وتوفيت في عام 2007.
انتخبت في مجلس نقابة المعلمين في السبعينيات، وخلال عقد السبعينيات كانت تسافر كثيرًا مع أسرتها لعمل زوجها بالخارج في السودان والعراق وغيرها من البلدان، وسوت معاشها مبكرًا في سن الـ55 أي حوالي عام 1982، ولم ينقطع نشاطها حيث شاركت في مؤتمر الأمم المتحدة للمرأة بنيروبي 1985، وسافرت أيضًا لزيارة مخيم عين الحلوة 1987. وفي عام 1992 تعرض زوجها لحادث كبير جعلها تقضي معظم وقتها معه.
بالإضافة للنشاط النقابي والحزبي كان لها نشاط كبير في الجمعيات الأهلية. ومن الجمعيات التي شاركت فيها اللجنة المصرية لمنظمة تضامن الشعوب الأفروآسيوية، وجمعية خريجات الجامعة، وجمعية هدى شعراوي، وجمعية سيدات مصر، والجمعية الفلسفية، وشاركت في تأسيس أول جمعية نسائية في قرية البراجيل بمحافظة الجيزة.
وعن بداية انخراطها في التيار الاشتراكي، تقول: "تعرفت على الفكر الماركسي في أوائل الخمسينات… يعتبر عدلي برسوم أول إنسان تحدث معي في مبادئ الشيوعية. بدأ يتناقش معي في أن هذا النشاط كله يجب أن يكون منظما ويكون مدعما بنظرية حتى يكون أكثر فائدة".
كانت تقرأ مجلة الراية الخاصة بالحزب الشيوعي المصري. لكنها رفضت انغلاق المنظمات الشيوعية والحلقية، ورحبت بالوحدة بين حدتو والحزب الشيوعي المصري. ولم توافق على الانضمام للحزب إلا بعد الوحدة في 8 يناير 1958، لأنها رفضت الانضمام لحركة "طابعها الانقسام" و"كل طرف يحارب الآخر". ولعبت دورًا نشطًا في مكتب المعلمين ومكتب المرأة للحزب، لكن الحملة الأمنية سنة 1959 شتتهم، واعتقلت هي لمدة خمسة شهور في ذلك العام.
ومن الأمور التي تزعجني في التناول الحديث لمسيرتها، إغفال بعض المنصات الثقافية، التي تحتفي بها كرائدة نسائية، الجانب السياسي والتنظيمي من حياتها. الأمر نفسه تكرر عندما كرمتها جامعة القاهرة بمناسبة احتفال الجامعة بمرور 90 عامًا على تأسيسها، و60 عامًا على إنشاء الدراسات الإعلامية. وهذا بالطبع فيه إغفال لجانب أساسي من تكوينها ودورها. فقد ظلت تدافع عن العمل السياسي المنظم وترى أنه يمنح المرء "ثقافة سياسية أوسع".
عمل جماهيري
قراءة مسيرة هذه الشخصية المتميزة فيها الكثير من الدروس للمهتمين بالعمل الجماهيري، خاصة وسط النساء في فترة 1956، إبان حياتها في شبين الكوم التي تصفها بأنها "أهم فترة في حياتي من ناحية العمل الجماهيري. وكنت غير منظمة لكن على اتصال بالمنظمين. فعندما تكون هناك حملة ضد القنابل النووية، أصدر بيانًا وأجمع عليه توقيعات وأوزعه في البلد كلها". وتقول وداد: "حاجتين مهمين أوي حصلوا الفترة دي: عدوان 1956 وإن المرأة تاخد حق الانتخاب والترشيح. من النقطتين دول كان في مجال لنشاط خرافي". فقد انخرطت في حملات المقاومة الشعبية ودعم المهجرين وأيضًا في حملة لتسجيل النساء أنفسهن في كشوف الناخبين في قرى المنوفية، وانتبهت إلى أن النساء يخفن التوجه للقسم لتسجيل أنفسهن، فنسقت مع موظفي السجلات للذهاب إلى النساء، مما يعكس وعيا طبقيا وجندريا بواقعهن. ونقرأ لها وهي تتحدث عن بعض أخطائها ومنها تحريض الناس ضد المعونة الغذائية الأمريكية وقت عدوان 1956 رغم أنهم كانوا في أمس الحاجة لهذه الأغذية.
وشاركت وداد في حملات للتضامن مع جميلة بو حيرد، مثل المظاهرة النسائية في مارس 1957، التي توجهت للأمم المتحدة بقيادة سيزا نبراوي، حيث كانت وداد عضوة لجنة الجزائر بمجلس السلام العالمي، ودعت طالبات المدرسة ليشاركن في هذه المظاهرة مما أثار غضب الأهالي.
لكننا حين نتأمل المنجزات التي حققتها، والمطالب التي رفعتها هي ورفيقاتها في ذلك الوقت، نجد أننا لم نتقدم كثيرًا خلال هذه السنوات الطوال. فقد قدمن مشروع التأمين الصحي الذي تبنته اللجنة النقابية للعاملين بمنطقة شرق القاهرة التعليمية، الذي صار نواة لمشروع التأمين الصحي ومشروع تعديل قوانين المعاشات والتأمينات الاجتماعية للنساء (الجمع بين المرتب ومعاش الزوج أو الأب) وإلغاء التفرقة بين فئات المعلمين. ومن أهدافهن كان إلزام أصحاب الأعمال بإنشاء دور حضانة في المنشآت، التي توظف أكثر من 100 عاملة، أو في عدة منشآت قريبة من بعضها. ومن الأمور المحبطة أننا ما زلنا في عام 2026 وبعد صدور عدة قوانين للعمل آخرها سنة 2025 ما زلنا لم نتطور في مسألة دور الحضانة عن هذا العدد التعجيزي (100 عاملة). صحيح أن وعينا النسوي قد تطور، وصرنا نطالب كحركات نسائية بأن يكون إنشاء دور الحضانة حسب عدد العمال والعاملات، وليس العاملات فقط، لعدم حصر الدور الرعائي في النساء، لكن واقعنا لم يتطور عن واقعهن كثيرا في هذه المسألة.
نسوية ذلك الزمان
كانت وداد شخصية متحررة ومستقلة على المستوى الشخصي وتفخر بذلك، مثلما كانت تفخر بأسرتها المتفتحة المثقفة، التي كانت تسمح بأن يزورها أصدقاؤها الرجال في المنزل. ورغم أنها لم تكن تصف نفسها بالنسوية كمعظم نساء ذلك الجيل، فإن نشاطها العام فتح مجالات كثيرة للنساء، بل وقامت بنفسها بتحدي واقتحام مجالات جديدة على الإناث مثل اتحاد الطلبة أو دخول كافيتيريا/بوفيه كلية الآداب مع زميلتها سعدية غنيم، حيث كانت الطالبات يقفن في الطرقة، ويخرج العاملون المشروبات والمأكولات إليهن، دون أن يدخلن البوفيه بأنفسهن، وقد أغضبها ذلك فقررت "أن نقتحم النادي وندخل"، وتصف ذلك بأنه كان عملًا ثوريًا حتى أن الجرائد كتبت عنه.
لكن هذا التحرر لم يمنعها من معارضة زواج رفيقتها وتلميذتها السابقة في شبين الكوم شاهندة مقلد، بدون موافقة أسرتها من المناضل ضد الإقطاع صلاح حسين، الذي قُتل لاحقًا على أيدي عائلة إقطاعية في قرية كمشيش بالمنوفية سنة 1966. وقد انتقدت نفسها بعد سنوات لهذا الموقف "بعد الزواج والنضال المشترك والمكاسب التي تحققت قبل الاستشهاد وبعده". فحتى القرارات الشخصية كانت تُقَيَّم أيضا بعلاقتها بالنضال السياسي.
امرأة ديمقراطية
نعم كانت وداد متري شيوعية. لكنها أيضا كانت ديمقراطية. يفترض أن يكون الشيوعيون والاشتراكيون ديمقراطيين بالضرورة، لكن هذا ليس هو الحال دائمًا. وبتعبير ديمقراطية هنا لا أقصد فقط الديمقراطية السياسية، بمعنى الانتخابات الحرة النزيهة الدورية، وإنما أيضًا المبادئ الديمقراطية الشاملة، التي تتضمن المواطنة وعدم التمييز والمساواة أمام القانون والتمسك بالحريات العامة كالحق في التنظيم وحرية التعبير.
كان لوداد موقف واضح من سلطوية عبد الناصر، تقول إنه دفعها لاتخاذ موقف خاطئ من إجراءات 15 مايو 1971، حيث "وصفت انقلاب 15 مايو.. بأنه ثورة" ثم تراجعت عن ذلك الموقف. تكون هذا الموقف من صدمة إعدام خميس والبقري 1952، وصدمة التدخل الأمني في عملها وحرمانها من نشاطها النقابي الديمقراطي.
كذلك اتضحت قناعاتها الديمقراطية في الموقف الذي اتخذته من اعتصام درية شفيق بسفارة الهند سنة 1957، حيث رفضت التوقيع على بيان تخوينها رغم أن أقرب رفيقاتها مثل إنجي أفلاطون وسيزا نبراوي وقعن عليه، ورغم أنها كانت معارضة أصلًا لقرار اعتصام درية بالسفارة وتراه غير موفق سياسيًا.
واقع مختلف
تأمل نشاط وداد متري السياسي ينبهنا أيضًا إلى أن آليات القمع تجدد نفسها عبر الزمن. فمثلًا رغم أن النظام كان يدعم القضية الفلسطينية وقتها في أواخر الستينيات، لكن الأمن غضب منها، لأنها جلبت فدائيين من فتح لحضور إحدى الندوات التي كانت تنظمها في النادي الفرعي للمعلمين، ووجودهم كان يحمس الناس كثيرًا فتقول: "طلع إن ده مش مطلوب. إن أي حاجة تنجح جماهيريا ده مش مطلوب"، فمنعوها من عقد هذه الندوات.
اقرأ أيضًا: تاء فاعلة| حين تُصلب النساء على خشبة التمييز والوصم | فكر تانى
لكن برغم شمولية العهد الناصري وسلطويته، نجد أن السياق العام كان يتيح نشاط جماهيري قوي ومتميز. فعلى سبيل المثال كانت هناك جمعيات كثيرة في كافة المساحات مثل الجمعية الفلسفية التي شاركت وداد في تأسيسها عام 1958 مع إسماعيل المهدوي، وعيسى جبران ونظمت من خلالها زيارة للطالبات لسجن القناطر لمقابلة المسجونات السياسيات كنشاط للجمعية، وكان من بينهن نائلة كامل وتحية عبد الوهاب، وذلك قبل أن "[ي]ستولي على الجمعية أساتذة كلية الآداب و[ي]صبح لا علاقة لنا بها" كما تقول.
كان الواقع الاقتصادي والاجتماعي مختلفًا بشدة، ففي ظل اتساع الخدمات العامة وسياسات التشغيل التي كانت تلزم الدولة بإيجاد الوظائف للناس، استطاعت امرأة مثل وداد متري أن تجد "بدل الوظيفة اتنين" في مساحات تتيح لها التواصل مع قطاع عريض من الجمهور، كقطاع التعليم أو المشاركة فيما يسمى بـ"الجامعة الشعبية" في القرى، مقابل أجر عشرة قروش. سياق التعليم نفسه كان يتيح التفاعل مع الطلاب والنقاش العام حول القضايا العامة و"ساعد على ذلك اتساع الفصول وقلة عدد التلاميذ ووجود الملاعب الرياضية وطول اليوم الدراسي".
أمنيات بأثر رجعي
كان انطباعي عن هذا الجيل من النساء في الحركة الاشتراكية، أنهن كن متحررات لكن المسألة النسوية لم تكن عندهن مستقلة بذاتها، بل إنهن بمجرد وجودهن في مساحات يسيطر عليها الرجال كن يخضن المعارك النسوية بشكل تلقائي وضمني، وكان لهذا آثار كبيرة على الواقع. لست في مقام يتيح لي تقييم هذا بالأمر السلبي أو الإيجابي، لكنه بالتأكيد مختلف عما آل إليه حال جيلنا وما اخترته شخصيًا لنفسي. فتضمين النضال النسوي ضمن "نضال أوسع" يغفل أمورًا مثل وضع المرأة في المجال الخاص، وقضايا مثل الختان أو قوانين الأحوال الشخصية.
كانت وداد متري مسيحية ولا يبدو أنها كانت منعزلة عن محيطها التقليدي كما يحدث أحيانا للشيوعيين، بل كان لها أنشطة عامة في مساحات كنسية مثل لجنة المرأة بالكاتدرائية، وفي فعاليات مثل احتفال الكنيسة القبطية بيوم المرأة العالمي عام 1986. لكن في كل تلك الصفحات من النضال لم أجد لها موقفًا أو رأيًا أو نشاطًا محددًا في قضايا المجال الخاص. وهذا شيء محزن بالنسبة لي ولا أستطيع أن أفصله عن واقعنا بعد ذلك بعشرات السنين، فحين برزت حركات مطالبة بإصلاح منظومة الأحوال الشخصية للمسيحيين، قادها كلها رجال بعضهم شديد المحافظة فيما يتعلق بحقوق النساء والأمهات، أو مرتبطين بتوجهات سياسية يمينية مثل "منكوبي الأحوال الشخصية" و"أقباط 38" وغيرها.