كواليس رفع أسعار المحروقات.. لماذا لم تنتظر الحكومة "الخميس"؟ وكيف تأثرت السوق؟

 

على الرغم من نفي وزارة البترول عزمها رفع أسعار المحروقات في وقت متأخر من ليل الاثنين، طبقت صباح اليوم الثلاثاء زيادة تعتبر الأكبر في تاريخ لجنة تسعير المنتجات البترولية التي تأسست قبل عشر سنوات.

ورفعت الوزارة أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14 و30% في ثالث زيادة من نوعها خلال آخر 12 شهرًا، وذلك على الرغم من أن لائحة لجنة التسعير تحدد سقف التحريك سواء بالتخفيض أو الرفع عند 10% فقط. ونتيجة لهذا القرار ارتفع سعر لتر بنزين 95 من 21 إلى 24 جنيها بنسبة 14.3%، ولتر بنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيه بزيادة 15.6%، ولتر بنزين 80 من 17.75 إلى 20.75 جنيه بزيادة 17%.

كما طالت الزيادات السولار الذي ارتفع من 17.5 إلى 20.5 جنيه للتر بزيادة 17.1%، وغاز تموين السيارات من 10 إلى 13 جنيها للمتر بزيادة 30%، وصولًا إلى أنبوبة البوتاجاز المنزلي التي قفز سعرها من 225 إلى 275 جنيها بنسبة 22.2%.

كواليس وتوقيت القرار الصادم

وما يثير الانتباه في كواليس هذا القرار هو أن الاجتماع التقليدي للجنة تسعير المنتجات البترولية ينعقد عادة يوم الخميس، ليليه يوما إجازة الجمعة والسبت، مما يمنح الأسواق فرصة لامتصاص صدمة تحريك الوقود، ويتيح للأجهزة التنفيذية في المحافظات تعديل أسعار تعريفة ركوب السيارات بهدوء.

وقد تزامن هذا الاستعجال غير المعتاد مع توقيت تراجعت فيه العقود الآجلة لخام برنت لأكثر من 5% لتصل إلى 89 دولارا للبرميل، بالتوازي مع حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أن الحرب أوشكت على الانتهاء مما خفف من وطأة المخاوف في أسواق الطاقة.

وتعتمد آلية لجنة التسعير التلقائي على احتساب متوسط التغير في سعر خام برنت من ربع مالي إلى آخر كل ثلاثة أشهر، إلى جانب نسبة التغير في سعر صرف الجنيه أمام الدولار خلال الفترة نفسها، بالإضافة إلى التكاليف المحلية المرتبطة بالنقل والتكرير والتوزيع. وهذا يعني أن الزيادة الحالية تجد مبررها في متغيرين أساسيين هما الارتفاع السابق لخام برنت، وتسجيل الدولار أعلى مستوى له أمام الجنيه بكسره حاجز 52 جنيهًا.

وفي تعليقها على هذه التطورات أوضحت حنان رمسيس، محللة أسواق المال وخبيرة الاقتصاد، أن نفي وزارة البترول المسبق جاء لمحاولة تهدئة الطلب، حيث أن تسريب خبر الرفع قبل تطبيقه رسميًا وتداوله بين الناس، خلق طلبًا كبيرًا على تعبئة السيارات، وتسبب في تكدس وطوابير ببعض محطات الوقود، خصوصًا أن هذا الرفع كان متوقعًا ودارجًا في ظل الأزمات الدولية.

ومن جهة أخرى كشف مسئول بوزارة المالية، أن الوزارة واجهت ضغوطا كبيرة بسبب ارتفاع أسعار النفط، موضحًا أن كل دولار زيادة عن السعر المستهدف المحدد للبرميل في الموازنة عند 75 دولارًا، يكلف الخزانة العامة عجزا يتراوح بين 4 و4.5 مليار جنيه. وقد ألقى هذا بظلاله على العجز الكلي بالموازنة العامة للدولة الذي ارتفع خلال النصف الأول من العام المالي الحالي، الممتد من يوليو إلى ديسمبر 2025، ليبلغ نحو 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 4% خلال الفترة ذاتها من العام السابق، وهو ما يعود بالأساس إلى عبء فوائد الدين التي التهمت 96.4% من الإيرادات في بعض فترات العام المالي الحالي.

وبحسبة بسيطة يتبين أن كسر البترول لمستوى 100 دولار يكلف الموازنة ما بين 100 و112.5 مليار جنيه، وحتى عند مستويات الأسعار الحالية البالغة 89 دولارًا فإن الموازنة تتكبد أعباء تتراوح بين 56 و63 مليار جنيه.

المسار التاريخي واشتراطات صندوق النقد

وبالعودة إلى قرارات لجنة تسعير المنتجات البترولية، تضيف حنان رمسيس، أن قرار الرفع الأخير شمل جميع المحروقات دون استثناء، بنسبة فاقت حاجز 10%، مبينة أن اتجاه اللجنة يميل دائمًا نحو الرفع وليس الخفض، حتى في الفترات التي كان فيها سعر النفط أقل بكثير من المستهدف في الموازنة.

ومنذ تأسيسها قبل 10 أعوام اجتمعت اللجنة 15 مرة، ولم تشهد سوى تخفيض طفيف بقيمة 25 قرشًا في اجتماع واحد، وتثبيت للأسعار في اجتماع آخر، بينما كان قرار الزيادة هو الحاضر في الاجتماعات الثلاثة عشر المتبقية. وتشير خبيرة الاقتصاد إلى أن قرار رفع أسعار المحروقات يتماشى بقوة مع برنامج الحكومة الموقع مع صندوق النقد الدولي، الذي يتضمن اتخاذ إجراءات تهدف إلى إحداث تقارب بين سعر بيع المحروقات وسعر تكلفتها الفعلية، مرجحة أن يكون هذا الالتزام أحد الأسباب الرئيسية وراء سرعة إصدار قرار التحريك.

وفي السياق ذاته انخفض دعم الوقود في موازنة العام المالي الحالي 2025-2026 إلى 75 مليار جنيه مقارنة بنحو 154.5 مليار جنيه في العام المالي السابق، حيث ينص اتفاق الحكومة مع صندوق النقد على الإلغاء النهائي لدعم الوقود في ديسمبر 2025، وفقًا لتصريحات سابقة لمحمد معيط وزير المالية السابق والمدير التنفيذي الحالي بصندوق النقد.

واشترط صندوق النقد الدولي في سبتمبر الماضي تنفيذ إصلاحات في برنامج الطروحات وخفض دعم الوقود كشرط لصرف 2.5 مليار دولار مقررة ضمن المراجعة الخامسة والسادسة لبرنامج مصر، وهو ما يمهد لصرف 274 مليون دولار كقيمة للشريحة الأولى ضمن برنامج الصلابة والاستدامة.

كما عاد الصندوق ليؤكد في أكتوبر الماضي دعمه لجهود الحكومة في تعديل أسعار الوقود وخفض الدعم غير الموجه مع التشديد على ضرورة استخدام بعض العوائد الناتجة عن هذا الإصلاح لتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي وتحديدا برنامج تكافل وكرامة للتحويلات النقدية المشروطة.

التداعيات الاقتصادية ومخاوف التضخم

وعلى صعيد التأثيرات الاقتصادية أبدى الخبير المصرفي الدكتور رمزي الجرم، استغرابه من الإقدام على رفع أسعار المنتجات البترولية في وقت تتجه فيه أسعار النفط عالميًا نحو النزول من مستويات مرتفعة سجلتها قبل أيام قليلة، وبالتزامن مع ظهور بوادر لإنهاء النزاع الأمريكي الإيراني.

وحذر الجرم من أن هذا الإجراء سيؤدي حتمًا إلى رفع معدلات التضخم بنسب غير مسبوقة، وهو ما تدعمه الأرقام الرسمية حيث سجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 13.4% في فبراير مقابل 11.9% في يناير، وفقًا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الصادر اليوم الثلاثاء. ويعود هذا الارتفاع إلى عدة عوامل أبرزها زيادة تكلفة المسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 24.5% على أساس سنوي مدفوعة بارتفاع الإيجارات وتكاليف الكهرباء والغاز.

ويتسبب رفع أسعار السولار على وجه التحديد في موجات تضخمية متعاقبة لكونه العنصر الأهم في عمليات الإنتاج الزراعي من حرث وري وحصاد، إلى جانب دوره المحوري في نقل المحاصيل بين المحافظات، مما ينذر بمزيد من التضخم في أسعار الخضروات التي كانت قد ارتفعت بالفعل بنسبة 19.9% في فبراير الماضي على أساس سنوي عند مقارنة فبراير 2026 بفبراير 2025.

ويرى الجرم أن الموازنة العامة للدولة كان بمقدورها امتصاص هذه الصدمة لعدة أيام عوضا عن ترحيل أعبائها فورا للمواطن، مستشهدا بأن السعر السوقي للنفط كان عند مستوى 67 دولارا قبل الأزمة ولم تبادر الحكومة بتخفيض أسعار المحروقات حينها.

وتتفق حنان رمسيس مع فكرة تصاعد التضخم جراء تحريك الوقود، لكنها لا تعتقد أن هذا التأثير سيصل إلى حد خفض أسعار الفائدة في ظل رغبة الدولة الواضحة في الحفاظ على سياسة التيسير النقدي لتحريك عجلة الاقتصاد. ويضع البنك المركزي المصري نصب عينيه تحقيق معدلات تضخم منخفضة ومستقرة على المدى المتوسط عند 7% بزيادة أو نقصان 2% خلال الربع الرابع من عام 2026، انطلاقًا من قناعته بأن هذا الاستقرار يدعم الدخل الحقيقي ويحافظ على مكاسب التنافسية للاقتصاد المحلي.

وتضيف رمسيس أن الاتجاه لرفع الفائدة سيؤدي إلى تفاقم مشكلة عبء فوائد الديون التي تحاول الدولة تجنبها بقوة بعد أن أصبحت تلتهم الإيرادات، مما يجعل تثبيت الفائدة من قبل لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي هو السيناريو الأقرب للفترة المقبلة.

ويختتم الجرم بتأكيد هذه الرؤية معتبرًا أن تبني أداة سعر الفائدة لمواجهة التضخم في هذا التوقيت الحساس سيعيد الأمور إلى المربع صفر، خاصة وأن القطاع الخاص يعاني ويشكو باستمرار من ارتفاع أعباء الفائدة وما يترتب عليها من آثار سلبية تعيق مسارات التوسع والنمو والتشغيل.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة