تتسرب تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى جيب المواطن المصري سريعًا في ظل تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار، واشتعال أسعار النفط عالميًا.
وقد بدأت موجة الغلاء تضرب الأسواق المحلية لتشمل السلع الغذائية والسيارات والأجهزة الكهربائية، مع تصاعد المخاوف من زيادة محتملة في أسعار المحروقات، وهي مخاوف تمهد لها تصريحات حكومية تشير إلى احتمالية التدخل إذا خرجت أسعار خام برنت عن السيطرة.
وفي غضون أسبوع واحد فقط فقد الجنيه المصري نحو خمسة بالمائة من قيمته ليصل سعر الصرف إلى 52.12 جنيه للشراء و52.22 جنيه للبيع في بعض البنوك العاملة، بالسوق المحلية مسجلًا بذلك أعلى مستوى له منذ شهر مارس من عام 2025. وتزامنًا مع هذا التراجع تسارعت وتيرة التضخم لتطال العديد من السلع بغض النظر عن كونها منتجة محليًا أو مستوردة، أو حتى مدى ارتباطها المباشر بالدولار.
ومع هذا الارتفاع في قيمة العملة الأمريكية تحركت أسعار المواد الغذائية بشكل ملحوظ، وتصدرت اللحوم المشهد بزيادة قدرها 6% أي ما يعادل 23 جنيهًا خلال أسبوع واحد، ليصل متوسط سعر الكيلوجرام من اللحوم الحمراء إلى 420 جنيهًا، وهو متوسط يعكس تباين الأسعار بين اللحم الكندوز البالغ 385 جنيهًا والبتلو الذي سجل 450 جنيهًا.
ولم تسلم أسواق الدواجن والأسماك من هذه الزيادات فقد ارتفعت أسعار الدواجن بنسبة 3.8% ليبلغ متوسط سعر الكيلو 117 جنيهًا، في حين قفزت أسعار سمك البلطي الممتاز بنسبة 11.5 % لتسجل 110 جنيهات، وارتفع البلطي الصغير بنسبة 11.8 % أي بزيادة ثمانية جنيهات ليصل سعره إلى 75 جنيهًا. وفي السياق ذاته أشارت نقابة الفلاحين إلى ارتفاع كبير في أسعار المواشي حيث بلغ سعر العجل بوزن نصف طن حوالي 100 ألف جنيه وسط توقعات باستمرار هذا المنحنى التصاعدي لأسعار اللحوم الحية في حال طال أمد الحرب ليصل سعر كيلو اللحم القائم إلى 220 جنيهًا.
قفزات مستمرة في أسعار الأعلاف
ترتبط المبررات المطروحة لرفع أسعار اللحوم بشكل أساسي بتكلفة استيراد الأعلاف من الخارج، وعن هذا الأمر يوضح الدكتور ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، أن أسعار الأعلاف تشهد ارتفاعًا يوميًا وخاصة الذرة الصفراء، التي زادت بنحو عشرة بالمائة خلال يومين فقط، وكذلك فول الصويا الذي سجل زيادة بنسبة 12%. كما يشير الزيني إلى أن ارتفاع تكلفة نولون النقل عالميًا، قد فاقم من الضغوط على فاتورة استيراد الخامات الأساسية بسبب ظروف الحرب التي ستؤدي استمراريتها إلى زيادات إضافية في أسعار الدواجن داخل السوق المحلية، إلى جانب تسببها في عجز المربين عن وضع خطط إنتاجية مستقرة نتيجة التغير المستمر في التكاليف.
ورغم عدم الارتباط المباشر بين أسواق الخضروات والدولار فقد طالتها موجة الغلاء، حيث ارتفع سعر كيلو الطماطم بنسبة 1.05% ليبلغ حوالي 20 جنيهًا، وزاد الفلفل بنسبة 10.85% ليصل إلى 32 جنيهًا في المتوسط، بينما ارتفع خيار الصوب بنسبة 1.92% ليبلغ 25 جنيهًا، وقفز الخيار البلدي ليصل إلى 35 جنيهًا. وتأتي هذه الارتفاعات المتتالية في الأسعار متزامنة مع تأكيدات المستشار محمد الحمصاني، المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، بأن الحكومة لن تتهاون مع أي محاولات لرفع الأسعار بشكل غير مبرر وأن الجهات الرقابية ستتصدى بكل حزم لأي تجاوزات يتم رصدها في الأسواق.
الحكومة تتوعد المتلاعبين بالأسعار
وفي إطار الجهود الحكومية لضبط الأسواق، قال الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء أن مصر تراقب عن كثب أسعار جميع السلع ومدى توافرها نافيًا، وجود أي أزمة في تدبير العملات الأجنبية اللازمة لتوفير مختلف السلع، ومشددًا في الوقت نفسه على أن الدولة لن تسمح لأي جهة بارتكاب ممارسات احتكارية وأنها تمتلك آليات متعددة للتعامل الحاسم مع المحتكرين والمتلاعبين بالقانون.
وضمن هذه المساعي أعلنت وزارة التموين عن إطلاق تطبيق رادار الأسعار بالتعاون مع مركز معلومات مجلس الوزراء بهدف تمكين المواطنين من متابعة أسعار السلع الأساسية والمساهمة الفعالة في الإبلاغ عن أية زيادات غير منطقية وهو ما يسهم في توفير بيانات دقيقة تعين متخذي القرار على التدخل السريع لضبط المخالفات.
اقرأ أيضًا:من "الضروريات" إلى "الذكريات".. التضخم يعيد هندسة المائدة الرمضانية للمصريين | فكر تانى

وبالانتقال من قطاع الغذاء إلى قطاعات أخرى تفاعلت سوق السيارات سريعًا مع صعود الدولار لتشهد أسعار 14 ماركة جديدة زيادات تتراوح بين 15 و100 ألف جنيه، وتعد هذه الزيادة الأولى من نوعها بعد أكثر من عام من التراجعات المتتالية والعروض المغرية التي قدمها الوكلاء والموزعون لتصريف مخزون المركبات المكدسة، التي وصلت في بعض الأحيان إلى عروض التقسيط بدون مقدم.
وتعزى هذه الزيادات وفقًا لتصريحات مسؤول في إحدى شركات السيارات إلى محاولات الشركات التحوط ضد تقلبات الدولار وارتفاع تكاليف الشحن، وتزامن ذلك مع بدء شركات النقل البحري تحصيل رسوم إضافية تبلغ نحو ثلاثة آلاف دولار لكل شحنة، تحت مسمى تأمين مخاطر اضطرابات المنطقة، وذلك على خلفية التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط وتداعياتها المباشرة على مسارات الملاحة العالمية.
وقد امتد هذا المشهد ليتكرر بحذافيره في سوق الأجهزة الكهربائية إثر قرار بعض الشركات المحلية بتقليص حجم البضائع الموردة للعملاء والتجار، بنسب تتراوح بين 65 و90 بالمائة كإجراء احترازي للتعامل مع تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية، وترافق ذلك مع إبلاغ الموزعين بعدم الالتزام بتوفير الكميات المطلوبة خلال شهر مارس الجاري، في حين قررت شركات أخرى الاكتفاء بتوريد عشرة بالمائة فقط من الاحتياجات الفعلية للتجار.
وتدعم غرفة الصناعات الهندسية باتحاد الصناعات المصرية هذا التوجه بتأكيدها أن التذبذب المستمر في سعر صرف الدولار يمارس ضغوطًا مباشرة وعنيفة على تكلفة الخامات المستوردة، وهو ما ينعكس حتميًا على زيادة أسعار المنتجات النهائية ويمهد لتحريك الأسعار بشكل مفاجئ في الأسواق.
مشاكل كبيرة ومعقدة
وعلى صعيد الاقتصاد الكلي تتسع دائرة الأزمات لتشمل تحديات هيكلية أعمق حيث توقعت شركة الأبحاث فيتش سوليوشنز أن تواجه مصر ضغوطًا متزايدة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، مرجحة استمرار ظاهرة تخارج المستثمرين الأجانب خلال الأسابيع المقبلة، مما يضاعف الضغوط على سعر الصرف ويرفع احتمالات استقرار الدولار فوق مستوى 49 جنيهًا بشكل مستدام.
وتتأكد هذه التوقعات من خلال الأرقام التي أظهرت تسجيل تعاملات المستثمرين العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري لصافي مبيعات بلغ 3.7 مليار دولار منذ 19 فبراير الماضي، وهو ما أسفر عن ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الجنيه ليصل إلى أعلى مستوى له منذ شهر مارس من عام 2025 ليستقر فوق حاجز الخمسين جنيهًا.
وتبرز خطورة هذا الموقف بحسب تقييم الوكالة من واقع امتلاك الأجانب لنحو 19.3% من إجمالي رصيد أذون الخزانة القائمة وسط تزايد المخاطر المرتبطة بعدم إعادة تدوير هذه الاستثمارات، وما يترتب على ذلك من موجات خروج إضافية لرؤوس الأموال خلال الشهر الحالي، الذي يشهد ذروة استحقاقات الدين المحلي قصير الأجل بقيمة ضخمة تعادل 18 مليار دولار.
وإلى جانب أزمة السيولة تطل برأسها مشكلة أخرى بالغة التعقيد تتمثل في القفزة الكبيرة لأسعار النفط العالمية، التي تخطت حاجز 94 دولارًا للبرميل لتتجاوز بذلك السعر المستهدف في الموازنة العامة للعام المالي 2025/2026 بحوالي 25 دولارًا، حيث كان تسعير النفط في هذه الموازنة التي تنتهي في شهر يونيو المقبل محددًا عند 75 دولارًا فقط.
اقرأ أيضًا: لماذا يتسم الجنيه المصري بهذه الحساسية المفرطة تجاه أزمات العالم؟ | فكر تانى

وفي قراءة لهذه الأرقام يوضح المحلل المالي مصطفى عادل، أن الفجوة بين السعر الفعلي لخام برنت والسعر المستهدف في الموازنة، التي تقدر بحوالي 19 دولارًا، ستفرض أعباء مالية إضافية على الخزانة العامة تتراوح بين 80 و85 مليار جنيه لتمثل بذلك نسبة تتراوح بين 0.45 و0.5% من إجمالي الناتج المحلي ويبقى هذا التقدير مشروطًا بافتراض استقرار سعر صرف العملة عند مستوى 50 جنيهًا للدولار.
ويضيف المحلل ذاته أنه مع تبقي حوالي 115 يومًا على نهاية السنة المالية الحالية تزداد حساسية الموقف نظرًا للأهمية البالغة لتسعير النفط في هيكل الموازنة، ورغم قدرة الحكومة على استيعاب هذا الفارق المالي لمدة شهر أو ربما أكثر يظل غياب الرؤية الواضحة لمستقبل الأسعار يشكل تحديًا حقيقيًا، خاصة مع استبعاد فرضية عودة الأسعار للانخفاض دون المتوسط المعتمد في الموازنة خلال المدى القريب.
هل ترتفع أسعار المحروقات؟
تطرح هذه التطورات تساؤلات ملحة عن مصير أسعار الوقود في مصر، وتجدر الإشارة إلى أن آخر زيادة مقرة كانت في شهر أكتوبر الماضي عندما رفعت الحكومة الأسعار بنسبة وصلت إلى 13% دفعة واحدة، وقد رافقت تلك الخطوة تأكيدات من وزارة البترول حينها باعتزامها تثبيت الأسعار في السوق المحلية لمدة عام كامل على أقل تقدير.
ولحسم هذا الجدل، أعلن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء عدم وجود أية قرارات أو توجهات حالية لرفع أسعار البنزين خلال الأيام المقبلة، مشددًا على أن الدولة حريصة على عدم اللجوء لأية إجراءات استثنائية، طالما بقيت الأسعار ضمن حدود السيطرة، ولم تتجاوز قدرة الموازنة العامة على تحمل أعبائها.
وفي المقابل يرى حسام عرفات رئيس شعبة المواد البترولية، أن أي قرار بزيادة أسعار الوقود المحلي سيعد مسارًا طبيعيًا استجابة للقفزات العالمية، موضحًا في تصريحات إلى "فكر تاني" أن استمرار العمليات العسكرية لفترة تتجاوز أربعة أسابيع قد يضع الحكومة أمام خيار حتمي لتحريك الأسعار، ويدعو في الوقت ذاته إلى ضرورة تبني سياسات صارمة لترشيد الاستهلاك باعتباره أحد الحلول الناجعة لتخفيف وطأة الأزمة في المرحلة الراهنة.
وتكمن المعضلة الحقيقية لرفع أسعار المحروقات في قدرتها على توليد موجات تضخمية واسعة النطاق تتمدد آثارها لتشمل تكلفة النقل وعمليات الإنتاج المحلي وتكاليف الاستيراد، ليظهر هذا التأثير المباشر جليًا في أسعار المجموعات السلعية وثيقة الصلة بقطاع الطاقة، وفي مقدمتها خدمات النقل والمواصلات فضلًا عن أسعار الخضروات والفاكهة وكافة المنتجات الغذائية.
ويتزامن ذلك مع أهداف البنك المركزي الرامية إلى خفض معدل التضخم السنوي العام، ليبلغ متوسطًا قدره سبعة بالمائة بزيادة أو نقصان نقطتين مئويتين بحلول الربع الرابع من عام 2026، على أن يتراجع لاحقًا إلى مستوى 5% بالنطاق ذاته، بحلول الربع الرابع من عام 2028، وتسعى هذه الخطط لضمان استقرار الأسعار وتعزيز دعائم النمو الاقتصادي المستدام وسط توقعات متفائلة بتراجع معدلات التضخم لتستقر في خانة الآحاد، أي بمعدل يقل عن 10% مع نهاية عام 2026.
ويعود المحلل مصطفى عادل ليوضح أن سياسة تثبيت أسعار الوقود خلال الفترات الماضية قد تمت رغم هبوط أسعار النفط عالميًا إلى مستويات تقل عن السعر المعتمد في الموازنة وأقل من تكلفة سعر الصرف، وهو ما وفر للحكومة مساحة مالية مريحة تمكنها في الوقت الراهن من استيعاب الفارق الفعلي في الأسعار وتخفيف الصدمة عن المستهلكين.
وفي النهاية يجمع الخبراء الاقتصاديون على أن حجم تأثر الاقتصاد المصري سيبقى مرهونًا في المقام الأول بمدى استمرارية هذه الحرب وتطوراتها المستقبلية، متفقين تمامًا على وجود تداعيات سريعة ستطال حياة المواطنين اليومية، وتحديدًا فيما يخص ملفي سعر الصرف وتكلفة الوقود، ليبقى المشهد العام للحرب وأهدافها محاطًا بالضبابية في وقت يعاني فيه الاقتصاد من أشد أعدائه المتمثل في حالة عدم اليقين والعجز التام عن استشراف مسارات المستقبل.