مكانه فاضي | إسماعيل الإسكندراني باحث في يد السجان

تتجسد مأساة غياب الباحث إسماعيل الإسكندراني عن مائدة رمضان هذا العام في كلمات شقيقه محمد، الذي يقول إن "الأسرةسلمت أمرها لله في ظل جهلها بمصير إسماعيل، فهو يخرج من تجديد لحبسه ليدخل في تجديد آخر دون نهاية تلوح في الأفق"، بسبب تدوينات نشرها على فيسبوك.

وتعود بداية هذه المعاناة الحالية إلى الـ24 من سبتمبر الماضي عندما أُلقي القبض على إسماعيل إثر توقيفه في أحد الأكمنة في أثناء توجهه من سيوة إلى القاهرة، وذلك بناءً على أمر ضبط وإحضار صادر من نيابة أمن الدولة العليا.

ومع بدء التحقيقات واجهت النيابة الباحث بثماني عشرة تدوينة نشرها على صفحته الشخصية، ليقر بها جميعًا قائلًا إنها تندرج تحت حقه الأصيل في الرأي والتعبير. ورغم ذلك وجهت له النيابة اتهامات بـ"الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر إشاعات وأخبار كاذبة واستخدام موقع إلكتروني للترويج لأفكار إرهابية"، مقررة حبسه خمسة عشر يومًا على ذمة القضية رقم 6469 لسنة 2025 حصر أمن الدولة العليا. وما زالت قرارات التجديد تتوالى حتى الآن دون إحالته للمحاكمة أو الإفراج عنه، وهو ما يتزامن مع تحذيرات بالغة الخطورة أطلقها فريق الدفاع بشأن تدهور حالته الصحية التي قد تودي بحياته داخل محبسه.

نفس مكتوم

وقد أوضح فريق الدفاع عن إسماعيل، الذي سبق وأمضى أكثر من سبع سنوات خلف القضبان بالتهم نفسها وأفرج عنه في 2022، أن وضعه الطبي معروف للجهات الأمنية وموثق في ملفه لدى مصلحة السجون منذ فترة حبسه السابقة، حيث يعاني من ضيق في التنفس يمنعه من النوم إلا باستخدام جهاز تنفس خاص اصطحبه معه إلى النيابة دون القناع اللازم لتشغيله، إلى أن تمكن شقيقه محمد من تسليمه القناع خلال زيارة جرت بعد أيام من القبض عليه.

وعن تفاصيل تلك الزيارات يروي محمد الإسكندراني لـ"فكر تاني" أن السلطات سمحت لهم بالزيارة يوم الثلاثاء الماضي، وتمكنوا من إدخال بعض الروايات لإسماعيل بعد خضوعها للتفتيش والاطلاع، في حين يُمنع تمامًا دخول أي كتب ذات طابع سياسي. ويتسق هذا المشهد القاتم مع ما تؤكده المحامية ماهينور المصري عضو فريق الدفاع عن الإسكندراني في تصريحها إلى "فكر تاني"، حيث ترى أن الأفق مسدود تمامًا مع استمرار عرض إسماعيل على غرفة المشورة كل خمسة وأربعين يومًا ليخرج من تجديد حبس إلى آخر، على الرغم من خلو الأوراق من أي أدلة تدعم الاتهامات الموجهة إليه.

ولا تُعد هذه التجربة القاسية الأولى في حياة الباحث الشاب، فقد سبق أن أُلقي القبض عليه في التاسع والعشرين من نوفمبر عام 2015 من مطار الغردقة فور عودته من العاصمة الألمانية برلين لقضاء إجازة قصيرة في أثناء إعداده لرسالة الماجستير في مجال مقارنات الأديان. وحينها أمرت نيابة أمن الدولة العليا بحبسه احتياطيًا لمدة عامين بتهم الانضمام لجماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة، ثم أُحيلت القضية التي حملت رقم 18 لسنة 2018 جنايات شمال القاهرة إلى القضاء العسكري الذي أصدر حكمًا في مايو 2018 بسجنه عشر سنوات.

وظل الإسكندراني خلف القضبان حتى خففت محكمة النقض العسكرية العقوبة في أكتوبر 2022 إلى سبع سنوات لينال حريته أواخر العام ذاته.

باحث برتبة سجين

ويقف هذا السجل الطويل من الملاحقات في مفارقة حزينة مع المسيرة المهنية الحافلة للإسكندراني الذي نشرت أعماله العديد من وسائل الإعلام الإقليمية والدولية والمجلات الأكاديمية والصحف المستقلة مثل السفير والمدن ومجلة الدراسات العربية الأمريكية.

وقد توجت هذه الجهود بحصوله على جوائز بارزة منها فوزه عام 2009 بمسابقة مقال الشباب حول الديمقراطية والمسابقة الوطنية لنشر التفاهم التي أقامها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بالإضافة إلى نيله جائزة هاني درويش للمقال المتميز عام 2014، وحصوله عام 2015 على زمالة الصحفي العربي الزائر بمركز وودرو ويلسون الدولي. وإلى جانب ذلك عمل باحثًا رئيسيًا في المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومبادرة الإصلاح العربي.

وأمام هذا الواقع المتناقض سارعت 13 منظمة حقوقية عقب القبض الأخير عليه، إلى إدانة حبسه ومطالبة السلطات بالإفراج عنه وإسقاط التهم الموجهة إليه، مشددة على أن الإسكندراني دفع ضريبة عمله البحثي بسبع سنوات من عمره في السجون، وكان الأجدر أن يكون الإفراج عنه في نهاية 2022 نقطة ختام لمعاناته، لا بداية لدورة جديدة من الحبس والتنكيل.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة