يوميات صحفية برلمانية| كيف مرر البرلمان الضريبة العقارية رغم التحذيرات الدستورية؟

في جلسة واحدة، أنهى مجلس النواب مناقشات مشروع تعديل قانون الضريبة على العقارات المبنية، رغم أن مجلس الشيوخ سبق واستغرق ثلاث جلسات كاملة في مناقشة المشروع ذاته.

وبينما رفض مجلس النواب، أمس الأحد، جميع المقترحات التي تستثني السكن الأصلي من الضريبة، وكذلك رفض تعديل النص الذي يمنح مجلس الوزراء حق تغيير حد الإعفاء، رغم شبهة عدم الدستورية، منح حزب مستقبل وطن، في نهاية الجلسة العامة، لمسة جديدة لمشروع القانون تفتح صفحة مغايرة بين الممولين ومصلحة الضرائب، وتضفي بعض التحسينات على المشروع، وإن لم تغير من فلسفته، فالمسكن الخاص يظل غير معفٍ من الضريبة، كما أن زيادة حد الإعفاء بالتأكيد لا تتطابق مع معدلات التضخم.

مضمون التعديلات

قدمت الحكومة التعديلات على قانون الضريبة على العقارات المبنية الصادر في 2008، لزيادة حد الإعفاء الضريبي، فالقانون الحالي يفرض الضريبة على الوحدات التي تزيد قيمتها الإيجارية عن 24 ألف جنيه سنويًا، بينما تنص التعديلات التي وافق عليها مجلس النواب على إعفاء الوحدات التي تقل قيمتها الإيجارية سنويًا عن مائة ألف جنيه.

وتُقدر القيمة الإيجارية السنوية للعقارات المبنية كل خمس سنوات، وللمكلف بأداء الضريبة الحق في الطعن على نتيجة الحصر أو تقدير القيمة الإيجارية للعقار أو جزء منه، خلال الستين يومًا التالية لتاريخ الإخطار، بطلب يسلم لمنطقة الضرائب العقارية الواقعة في دائرتها العقار، أو إحدى المأموريات التابعة لها، على أن يؤدي الطاعن مبلغًا مقداره خمسون جنيهًا كتأمين لنظر طعنه، يُرد إليه عند قبول الطعن موضوعًا.

فيما تُرفع الضريبة عن العقار إذا تهدم أو خرب كليًا أو جزئيًا إلى درجة تحول دون الانتفاع به أو استغلاله كله أو جزء منه، أو إذا أصبحت الأرض الفضاء المستقلة عن العقارات المبنية غير مستغلة، أو إذا حالت الظروف الطارئة أو القوة القاهرة دون الانتفاع بالعقار المبني أو استغلاله كله أو جزء منه، ويكون رفع الضريبة عن العقار كله أو جزئه.

الضريبة وحق السكن

ظهرت في مناقشات تعديلات القانون تحفظات مختلفة من عدد من النواب عليه، بدايةً برئيس الهيئة البرلمانية لحزب المؤتمر، النائب أحمد عصام الدين، الذي اعتبر أن عدم إعفاء السكن الخاص لا يحقق العدالة الاجتماعية أو العدالة الضريبية.

أما النائب مصطفى بكري، فذكّر النواب بمطالب إعفاء السكن الأصلي خلال مناقشات القانون في 2008 في مجلس الشعب، واعتبر أن زيادة قيمة حد الإعفاء من 24 ألف جنيه للقيمة الإيجارية السنوية للعقار، إلى مائة ألف جنيه "لا تفي بالعدالة الاجتماعية"، مشيرًا إلى معدلات التضخم المرتفعة.

فيما قال رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الوفد، محمد عبد العليم داود، إن "الحكومة دأبت على القروض وزيادة الأسعار والجباية"، واستنكر الحديث عن رفع حد الإعفاء، قائلًا: "لو نظرنا للقوة الشرائية للمبلغ، من 24 ألفًا في 2008 والـ 100 ألف الآن، فإن زيادة حد الإعفاء لا تحترم العقل والمنطق".

كما رفضت الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي مشروع القانون، وطالب ممثلها النائب محمود سامي الإمام بسحب المشروع وتعديله.

وعدّ سامي الضريبة العقارية جزءًا من ضريبة الثروة التي يجب أن تنتهز الحكومة الفرصة لتحصيلها، لكنه رفض فرض الضريبة على المسكن الخاص، مع رفع الضريبة على العقارات الأخرى، التي لا يتخذها المكلف بالضريبة سكنًا.

واعتبر أن التحصيل الضريبي سيكون ضعيفًا في النهاية، مشيرًا إلى وجود 12 مليون وحدة سكنية خالية مغلقة "غير متشطبة لتجنب دفع ضريبة، النتيجة إن الناس اللي قاعدة في بيوتها تدفع ضريبة واللي يستثمر في العقار لا يدفع".

فيما رفض النائب المستقل، عوض أبو النجا، مشروع القانون مطالبًا بإعادة صياغته وتصويبه لتحقيق مصلحة المواطن وتطبيق العدالة الاجتماعية.

ورغم ذلك، رفض المجلس الاقتراحات التي قدمتها النائبة مارسيل سمير عن حزب التجمع، والنائبة نشوى الشريف عن حزب الوفد، لاستثناء المسكن الأصلي من الضريبة.

تحذيرات دستورية

لم يكن عدم إعفاء السكن الخاص من الضريبة التحفظ الوحيد الذي أبداه النواب، فخلال حديثه في الجلسة العامة، أبدى النائب ضياء الدين داود اعتراضه على طريقة إدارة الجلسة ومقاطعة النواب، مشيرًا إلى تعرضه لتسع مقاطعات من رئيس المجلس في مداخلتين سابقتين.

أما بخصوص مشروع القانون، فاشترك داود في رفضه مع نواب المعارضة، بينما لم ينطوِ رفضه على حق إعفاء السكن الأصلي فقط، وإنما التحذير كذلك من عوار دستوري، مستنكرًا تفويض رئيس مجلس الوزراء في إجراء تعديلات على حد الإعفاء بالمخالفة لنص المادة 38 من الدستور.

وقال داود إن "هذه ضريبة ثروة، ومصر قائمة على التنمية العقارية والاستثمار العقاري، ولما يكون القصور والفشل الحكومي بهذا الشكل، كان يتعين حضور الوزير والحديث عن الأرقام".

وشاركت النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، داود في مخاوفه محذرةً من عدم دستورية المادة، ورفضت مشروع القانون.

وتنص المادة 38 من الدستور المصري (2014)، من بين فقراتها، على أنه "لا يكون إنشاء الضرائب العامة، أو تعديلها، أو إلغاؤها، إلا بقانون، ولا يعفى أحد من أدائها إلا في الأحوال المبينة في القانون. ولا يجوز تكليف أحد بأداء غير ذلك من الضرائب، أو الرسوم، إلا في حدود القانون".

موافقون.. ولكن

رغم موافقة حزب الجبهة الوطنية وبعض النواب المستقلين على مشروع القانون من حيث المبدأ، طالب عدد منهم باستثناء السكن الخاص من الضريبة العقارية، فقال رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة الوطنية، النائب سليمان وهدان: إن "السكن الخاص يجب أن يظل في دائرة الحماية الاجتماعية لا دائرة الجباية المالية"، وطالب بالتفرقة بين عقار يعد وعاءً استثماريًا وآخر يمثل ضرورة معيشية.

وانضم للموافقين من حيث المبدأ، الداعين لاستثناء المسكن الأصلي من الضريبة، النائب المستقل طاهر الخولي، وكيل لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية، والنائب المستقل عن دائرة بولاق الدكرور محمد إسماعيل.

مواجهة دستورية مع الحكومة

تخلل الجلسة جدلٌ دستوريٌ طويلٌ بين أستاذ القانون الدستوري، صلاح فوزي عضو مجلس النواب المعين من جهة، والحكومة من جهة أخرى، عندما تمسك فوزي باستثناء المسكن الأصلي من الضريبة، وحذف الفقرة الأخيرة من المادة 18 التي تجيز لمجلس الوزراء زيادة حد الإعفاء، محذرًا من شبهة عدم الدستورية.

وقال فوزي إن المادة 38 من الدستور، تنص على أن القانون وحده هو الذي يحدد حالات الإعفاء.

واقترح فوزي أن يُستبدل نص المادة، بإعفاء المسكن الخاص من الضريبة العقارية، مستندًا إلى أن المادة 78 من الدستور بدأت بعبارة "تكفل الدولة الحق في السكن"، مشيرًا لعضويته السابقة في لجنة العشرة المكونة من الخبراء الذين ساهموا في صياغة الدستور.

وطالب أن يكون المسكن الخاص المعفى من الضريبة هو المحدد في بطاقة الرقم القومي.

غير أن الحكومة تمسكت بفرض الضريبة على السكن الخاص إذا انطبقت عليه الشروط، وأشار الدكتور رمضان صديق، مستشار وزير المالية، إلى أن القانون الصادر في 2008، سبق وطُعن عليه بعدم الدستورية، وهو ما انتهت فيه المحكمة الدستورية -في الدعوى رقم 96 لسنة 22 دستورية- إلى أن هذا النص دستوري، معتبرًا أن الجدل حول عدم دستوريته حُسم بحكم المحكمة.

وبشأن تفويض مجلس الوزراء في زيادة الإعفاء وفقًا للمتغيرات الاقتصادية، قال صديق إن المحكمة الدستورية العليا أيضًا تفرق بين إنشاء الضرائب وتعديلها وإلغائها لا يكون إلا بقانون، وأن الإعفاء يكون بناءً على قانون، وبالتالي المشرع الدستوري أعطى البرلمان سلطة التفويض في منح الإعفاء، وفقًا للضوابط التي قررها النص. واعتبر صديق أن "شبهة دستورية شبهة نظرية".

غير أن الدكتور صلاح فوزي عقب قائلًا إن النص الضريبي في خصوص حالات الإعفاء، ورد على النحو الآتي: "في الحالات التي يحددها القانون وهذا أمر قاطع، فالقانون، والقانون وحده هو الذي يتناول ويحدد حالات الإعفاء".

وبشأن المسكن الخاص والحكم السابق من المحكمة الدستورية، قال فوزي "إنه لا يمكن أن يُقيد المجلس الحالي في أن يتناول أي أمر بالتشريع بالطريقة التي يراها في حق المصلحة العامة، طالما التزم بحدود الدستور من الناحيتين الشكلية والموضوعية".

صفحة جديدة

بعد صمت طويل، وعقب الانتهاء من مناقشة مواد القانون، تقدم رئيس الهيئة البرلمانية لحزب مستقبل وطن، أحمد عبد الجواد، باقتراح يضفي بعض التحسينات على مشروع القانون، ويبدأ صفحة جديدة بين المكلفين بالضريبة ومصلحة الضرائب.

واقترح إضافة مادة مستحدثة تنص على أن "يعفى المكلف من أداء الضريبة المستحقة أو غير المسددة على العقارات المبنية التي لم يسبق حصرها أو تقدير القيمة الإيجارية عليها أو إدراجها في سجلات الضرائب العقارية أو الإخطار بها في الفترات السابقة على تطبيق هذا القانون".

وقال عبد الجواد إن هذه المادة تهدف إلى التجاوز عن كل ما سبق بالنسبة للعقارات التي لم يتم الإقرار بها أو تسجيلها من قبل، مشددًا: "يكون بداية التعامل بين المصلحة والمواطنين لتشجيع الثقة بين المواطن المكلف بالضريبة ومصلحة الضرائب".

بالطبع وافق مجلس النواب على اقتراح عبد الجواد، كما وافق على اقتراح جديد لحزب الجبهة الوطنية، يحقق هدفًا مشابهًا، إذ اقترح رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الجبهة حفظ جميع الطعون المقدمة من مناطق الضرائب العقارية المقيدة بسجلات الطعن الضريبي بدءًا من تاريخ العمل بالقانون الجديد، لنبدأ صفحة جديدة بين الممولين ومصلحة الضرائب.

ورغم حسن نوايا الصفحات الجديدة، تظل فلسفة مشروع القانون وحد الإعفاء محلَّ جدلٍ ورفضٍ واسعٍ سواء لاستمرار فرض الضريبة على حق السكن أو لعدم منطقية حد الإعفاء مقارنة بمعدلات التضخم وموجاته المتتالية على مدار السنوات الماضية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة