رغم المسافة الجغرافية الشاسعة التي تفصلنا عن بؤرة الصراع، فإن الهجمات المتبادلة والعنيفة بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وإيران وامتدادها لتشمل قواعد ومطارات خليجية قد شلت بالفعل حركة الملاحة البحرية والجوية وأربكت الأسواق العالمية، مما يجعل ارتدادات هذا التوتر الإقليمي وتأثيره المباشر على الداخل المصري حتمية لا مفر منها.
تبدأ أولى ملامح هذا التأثير من مضيق هرمز الذي لم تعلن إيران إغلاقه رسميًا حتى الآن، غير أن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أعلنت، أمس السبت، أن سفنا في الخليج تلقت رسائل تفيد بإغلاق المضيق، وذلك في وقت نقلت فيه وكالة رويترز عن مصادر تجارية تأكيدها تعليق بعض شركات النفط والتجارة الكبرى لشحناتها عبر هذا الممر المائي.
وقد أوضحت تلك المصادر أن التعليق شمل شحنات من النفط الخام والوقود والغاز المسال، بينما أظهرت صور الأقمار الصناعية تكدسًا ملحوظًا للسفن بالقرب من مواني خليجية رئيسية مثل ميناء الفجيرة في الإمارات.
وتتجلى خطورة هذا التكدس في حجم ما يمر بالمضيق الذي ينتقل عبره نحو خمس إجمالي استهلاك العالم من النفط، ويتدفق من خلاله أكثر من 20 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات والوقود يوميًا في المتوسط خلال العام الماضي، مما يجعله موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية في خريطة التجارة الدولية.
وفي هذا السياق يرى الخبير الاقتصادي علي الإدريسي أن إغلاق مضيق هرمز سيمثل صدمة اقتصادية عالمية سينعكس أثرها المباشر وغير المباشر على الاقتصاد المصري، فمرور نحو 20% من إمدادات النفط العالمية عبر هذا المضيق يعني قفزة حتمية في أسعار الطاقة وعودة لموجات التضخم وزيادة لنسب الشكوك وعدم اليقين في الأسواق الدولية.
وفي حال وصول أسعار النفط إلى حاجز 120 دولارا للبرميل سترتفع فاتورة الواردات البترولية لمصر بشكل ملحوظ، مما يشكل ضغطا هائلًا على ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي الأجنبي، جنبًا إلى جنب مع التأثير المباشر على تكلفة النقل والإنتاج الذي سيؤدي بدوره إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات. ومما يزيد من وطأة هذا السيناريو أن العام الماضي شهد رفع أسعار الوقود مرتين في شهري أبريل وأكتوبر بنسب بلغت 15% و13% على التوالي، مما أدى إلى ارتفاع تكلفة التنقل ونقل السلع والكهرباء والإنتاج. وبسبب هذا الارتفاع المتوالي تضاعف المتوسط السنوي لإنفاق الأسر المصرية على المواصلات خلال السنوات السبع الماضية لأكثر من ثلاثة أمثال، ليرتفع من 8.8 ألف جنيه في عام 2019 إلى 24.6 ألف جنيه في عام 2024، ثم إلى 29.2 ألف جنيه في عام 2025 وفقًا لبيانات مؤسسة فيتش سوليوشنز.
في خطوة استباقية لتأمين السوق المحلي أعلنت وزارة البترول توفير إمدادات إضافية من الغاز والوقود، وذلك بالتزامن مع قفزة ملحوظة في فاتورة الواردات البترولية التي سجلت 14.2 مليار دولار بين شهري يناير وأغسطس 2025 بزيادة قدرها 3.5 مليار دولار عن العام السابق وفقًا لبيانات التعبئة والإحصاء.
البحر الأحمر وقناة السويس
لا يقتصر الخطر على مضيق هرمز فحسب، فرغم عدم دخول الحوثيين إلى مسرح العمليات حتى الآن، فإن إعلان مقتل المرشد الإيراني وزيادة حدة التصعيد ينذران باحتمالية اشتعال منطقة مضيق باب المندب جنوبي البحر الأحمر مجددًا، وهي المنطقة الحيوية التي تعبر السفن من خلالها متجهة نحو قناة السويس.
وقد تكبدت مصر بالفعل خسائر قاربت 8 مليارات دولار بسبب مشاكل الملاحة في البحر الأحمر منذ الحرب التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة في عام 2023 وتبعاتها المستمرة، وذلك حسب تصريح وزير الخارجية بدر عبد العاطي في أكتوبر الماضي.
ويرى الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، أن المشكلة الأكبر التي تهدد مصر تكمن في توقف أو تعطل الملاحة في البحر الأحمر، وما يتبعه من تعطيل أو توقف للملاحة في قناة السويس، مشيرًا في تصريحات إلى "فكر تاني"، إلى أن سيناريو كهذا سيقضي تمامًا على الآمال الحكومية التي عولت على انتظام حركة السفن لتجاوز مستوى الدخل المحقق قبل حرب غزة والذي كان يقارب 10 مليارات دولار.
وتؤكد بيانات هيئة قناة السويس هذا التراجع حيث بلغ عدد السفن التي عبرت القناة في عام 2024 نحو 13,213 سفينة مقارنة بأكثر من 26 ألف سفينة في عام 2023، وهو انخفاض يقارب 50% تسبب في تراجع الإيرادات إلى نحو 4 مليارات دولار في عام 2024 مقابل 10.25 مليار دولار في العام الذي سبقه.
ورغم أن العام الماضي شهد بوادر تحسن ملحوظة خاصة خلال الفترة بين شهري يوليو وأكتوبر التي سجلت عبور 4405 سفن وتصدر شهر أكتوبر وحده المشهد بعبور 229 سفينة كأعلى معدل شهري منذ بداية الأزمة، فإن مصر قد تجد نفسها أمام تجدد وشيك للأزمة.
وفي هذا الصدد يقول الإدريسي إن أي اضطراب واسع النطاق في الخليج سيؤثر حتما على حركة الملاحة وسلاسل الإمداد، مما ينعكس بدوره على تدفقات التجارة عبر قناة السويس ويضيف ضغطا إضافيا ثقيلا على موارد النقد الأجنبي الشحيحة.
مستقبل إمدادات الغاز الإسرائيلي
وعلى جبهة أخرى لا تقل أهمية برزت أزمة إمدادات الطاقة بعد أن علقت إسرائيل، أمس السبت، العمل باثنين من حقول الغاز استجابة للهجمات ضد إيران، وهي خطوة نقلت وكالة رويترز عن مصادر مطلعة أنها تعني الوقف الفعلي لإمدادات الغاز الطبيعي المتجهة إلى مصر.
وتأتي هذه الانتكاسة بعد أن أعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ديسمبر الماضي المصادقة على اتفاق جديد لتوريد الغاز الطبيعي مع مصر بقيمة تبلغ نحو 35 مليار دولار، واصفًا إياها بأكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل. وبموجب هذا الاتفاق كان مقررًا توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي حتى عام 2040 اعتمادًا على إنتاج حقل ليفياثان الواقع في شرق البحر المتوسط، مما يكرس مكانة القاهرة كبوابة رئيسية لتصدير الغاز الإسرائيلي للأسواق الأوروبية والعالمية. وقد تجسد هذا الاعتماد في ارتفاع واردات مصر من الغاز الإسرائيلي بنحو 8% خلال السنة المالية المنتهية في يونيو 2025 لتصل إلى 344 مليار قدم مكعبة مقابل 319 مليار قدم مكعبة في السنة المالية السابقة لها.
وفي محاولة لطمأنة الأسواق أوضحت وزارة البترول والثروة المعدنية وجود تنوع مريح في مصادر الإمداد بعد اتخاذ إجراءات استباقية مكثفة خلال العام الماضي أثمرت عن تأمين كميات إضافية من الغاز الطبيعي المسال لفترات ممتدة لتلبية الاحتياجات المتزايدة لقطاعات الكهرباء والصناعة والاستهلاك المنزلي.
وتكتسب هذه التطمينات أهميتها، في ظل معاناة مصر خلال السنوات الأخيرة من أزمات طاقة وانقطاعات متكررة في الكهرباء تزامنًا مع اندلاع الأزمات الإقليمية، مما عرض الحكومة لانتقادات واسعة قبل أن تتراجع حدة الأزمة مع حلول الصيف الماضي. ويتفق الخبير عبد المطلب مع الرؤية القائلة بأن توقف إمدادات الغاز الإسرائيلي يمثل مشكلة حقيقية، مستدركًا في تصريحات إلى "فكر تاني" أن الحكومة ربما تكون قد اتخذت خطوات احترازية لمواجهة احتمالية كهذه عبر التعاقد المسبق على شحنات غاز متوافرة جزئيا في سفن التغويز، مما قد يجعل التداعيات الناجمة عن توقف الغاز أقل حدة.
وسفن التغويز محطات بحرية متنقلة مهمتها الأساسية استقبال الغاز الطبيعي المسال المستورد وتحويله من حالته السائلة إلى صورته الغازية مرة أخرى.
وتدعم الأرقام هذا التوجه حيث بلغ إجمالي واردات مصر من الغاز المسال خلال عام 2025 نحو 9 ملايين طن متري استحوذت الولايات المتحدة الأمريكية على 91% منها، إلى جانب شحنات إضافية من دول غينيا الاستوائية والنرويج وإسبانيا وترينيداد وفقًا لتقديرات وكالة إس آند بي جلوبال، التي اعتبرت هذه الواردات الأعلى في التاريخ الحديث للبلاد نتيجة تراجع معدلات الإنتاج المحلي وتزايد الطلب الداخلي لاسيما من قطاع الكهرباء
تحويلات العاملين بالخارج ومناخ الاستثمار
وتمتد تأثيرات الحرب لتطال شريحة واسعة من المصريين العاملين في الخارج، إذ يعيش أكثر من 11 مليون مصري في دول الخليج العربي باتوا يواجهون خطرًا داهمًا بعد الاستهدافات الإيرانية التي طالت مطارات ومناطق عسكرية وأسفرت عن سقوط شظايا الطائرات المسيرة والصواريخ التي تعترضها الدفاعات الجوية على مواقع مدنية متعددة. ويحذر الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب من أن استمرار رحى هذه الحرب قد يهدد بتوقف الأنشطة الاقتصادية في دول الخليج، مما سيؤثر بشكل مباشر على مداخيل العاملين هناك ويقلص بالتبعية من حجم تحويلات المصريين في الخارج التي تعد داعمًا قويًا وركيزة أساسية للموازنة المصرية، خاصة بعد أن شهدت وتيرتها زيادة ملحوظة مؤخرًا عقب استقرار سعر صرف الدولار.
وتوثق البيانات الرسمية المصرية الصادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات في الـ23 من فبراير الماضي هذا النمو، حيث بلغ حجم تحويلات المصريين في الخارج حوالي 41.5 مليار دولار خلال عام 2025 مسجلة قفزة تتجاوز 40% مقارنة بالعام الذي سبقه.
وتتسع دائرة التحذيرات لتشمل الاقتصاد الكلي حيث أشار الإدريسي إلى الخطر المحدق بمعدلات النمو الاقتصادي التي قد تتراجع تحت وطأة انخفاض القوة الشرائية للأسر نتيجة الارتفاع المتوقع في الأسعار وزيادة تكلفة التمويل في حال اضطرت أدوات السياسة النقدية إلى تبني نهج متشدد لكبح جماح التضخم.
وتتفاقم هذه التحديات بحالة من عدم اليقين الجيوسياسي التي تخيم على المشهد بأسره وتهدد بتأجيل الكثير من القرارات الاستثمارية الجديدة، سواء كانت برؤوس أموال محلية أو أجنبية في قطاعات حيوية تشمل الصناعة والعقارات والسياحة، مما يضع الاقتصاد المصري أمام اختبار قاس يتطلب مرونة فائقة واستجابة سريعة لتجاوز تداعيات هذه العاصفة الإقليمية العنيفة.