مع حلول شهر رمضان، اجتاحت السوشيال ميديا موجة جديدة من شهادات لفتيات تعرضن للتحرش والاعتداء الجنسي، لا تحمل سوى الحروف الأولى من أسماء المتهمين، في صورة تعيد إلى الأذهان زخم مدونة "دفتر حكايات" التي لاحقت معتدين داخل الأوساط الصحفية والثقافية والحقوقية في مصر خلال عام 2020، وتطرح السؤال نفسه، أو ربما يجعله التكرار أشد إلحاحًا هذه المرة، لماذا تتفجر أغلب هذه الاتهامات من داخل دوائر يُفترض بها أن تكون الأكثر وعيًا بحقوق المرأة ودعمًا لها؟
بدأت الشهادة الأولى في رمضان ضد مؤلف مسلسل "فخر الدلتا" تحت وسم #مؤلف_فخر_المسلسلات_معتدي، وشملت اتهامات بمحاولات تحرش واعتداء على قاصرات كن يعملن معه في مقهى ومساحة ثقافية يديرها، وفتحت واقعة المؤلف الباب لكشف معتدين جدد، منهم "م.ط" مؤسس إحدى مبادرات الدعم النفسي، حيث انتشرت الشهادات ضده تحت وسم #هل_فضحت_متحرش_اليوم، وهو وسم مشتق من شعار سبق وطرحه هو شخصيًا قبل سنوات تحت عنوان #هل_حضنت_ابنتك_اليوم.
وكشفت الشهادات المتواترة عن "م.ط" نمطًا من الاستغلال لفتيات معنفات من أسرهن، تضمن اعتداءات جنسية وصلت إلى حد توجيه اتهامات بالاغتصاب، في حين بينت بعض الروايات وجود تحذيرات سابقة منه ومن المساحة التي يديرها.
ولم تكن هذه الوقائع المتصلة بالاعتداء الجنسي على النساء في مساحات تبدو آمنة مقتصرة على الوسط الثقافي والحقوقي، فقد سبق وانتشرت شهادات عن تحرش شخص مسؤول عن دعم أسر المعتقلين بزوجات هؤلاء المعتقلين، إلى جانب شهادات أخرى طالت محاميًا حقوقيًا.
فخ المساحات الآمنة ووعي الناجيات
مع تصاعد الشهادات عن وقائع متعددة تنطلق من دوائر الثقة والدعم، تقدم لمياء لطفي مديرة البرامج بمؤسسة المرأة الجديدة تفسيرًا لذلك، موضحة أن هناك أسبابًا كثيرة لخروج الشهادات من الأوساط التي تبدو داعمة للمرأة، أهمها أنها تتعامل في الأساس مع نساء وفتيات معنفات في ظرف نفسي يجعلهن أكثر عرضة للتحرش أو الاعتداء.
وتضيف لمياء في حديثها إلى "فكر تاني" أن الفتيات المعنفات يبحثن عن دعم نفسي، وهو ما يستغله المعتدي بصورة أكبر لأنه يفهم هذا الاحتياج العميق.
وتستبعد لطفي أن يكون الوسط الحقوقي والثقافي موصومًا بالكامل بينما الأوساط الأخرى آمنة وبعيدة عن الشبهات، قائلة إن كل الأوساط فيها السيئ والجيد، لكن النساء اللاتي يدخلن هذه الدوائر، لاسيما الصغيرات أو القاصرات، يبحثن عن الأمن والدعم النفسي، وحين يجدن شخصًا يقدمه لهن يظهر أمامهن في صورة المخلص والمنقذ، وعندما يتعرضن للاستغلال لا يستطعن التفريق بينه وبين الدعم لأنه يمثل بالنسبة لهن طوق النجاة.
وتلفت مؤسسة مبادرة "سوبروومن" آية منير الانتباه أيضًا إلى أن المعتدين في هذه الأوساط يمتلكون غالبًا شعبية كبيرة وسمعة تجعلهم يعتقدون أن الناجيات لن يستطعن البوح لاعتقادهم بعدم وجود من يصدقهن.
تفتقر مصر إلى قانون شامل لمناهضة العنف ضد النساء
ورغم أن خروج الشهادات من الوسط الحقوقي والثقافي يبدو صادمًا للوهلة الأولى، تقدم لمياء سببًا إضافيًا لانتشار الشهادات المرتبطة بجرائم ارتكبها كتاب أو حقوقيون، مشيرة إلى أن النساء في هذه الأوساط يتكون لديهن مع الوقت الوعي الكافي والجرأة للحديث عما تعرضن إليه، خصوصًا في ظل وجود مبادرات دعم من ناشطات يقفن بجانبهن ويصدقنهن دون إصدار أحكام مسبقة. وتدعم آية منير الفكرة ذاتها مبينة لـ"فكر تاني" أن مستوى الوعي لدى الفتيات في هذه الأوساط أكبر، وقدرتهن على البوح أعلى بكثير من غيرهن.
التجريس في غياب المسار القانوني
في كل موجة من موجات تدفق شهادات الاعتداء الجنسي تتزايد التساؤلات بشأن جدوى الروايات المجهلة أو حتى المعلومة في ظل عدم اللجوء للوسائل القانونية لمحاسبة المتورطين. وتبرر مديرة البرامج بمؤسسة المرأة الجديدة ذلك بأنه لا توجد حتى الآن وسيلة جيدة تضمن حصول الناجيات على حقوقهن سوى التجريس ونشر الشهادات، وذلك لاعتبارات عدة أهمها الخوف من الوصم وعدم وجود آليات قانونية داعمة. وتشير إلى أزمة عدم صدور قانون موحد لمناهضة العنف، لافتة إلى أن المشروع الذي أعدته المؤسسات الحقوقية النسوية يتضمن آليات لحماية الناجيات تمنع مواجهتهن مع المعتدين، وتحول دون سقوط هذه الجرائم بالتقادم، وتحميهن من ردود فعل العائلات التي طالما استخدمها المعتدون كورقة لتهديد الفتيات.
وتفتقر مصر إلى قانون شامل لمناهضة العنف ضد النساء، إذ تكتفي التشريعات الحالية بتغليظ العقوبات، لذا، حدّثت مؤسسات حقوقية وتنموية عام 2025 مسودة قانون متكامل يعالج الأسباب والنتائج (قانونياً، ونفسياً، واجتماعياً)، وذلك بعد تعثر مناقشة نسخ سابقة بالبرلمان عامي 2018 و2022، إذ قدمت النائبة السابقة نشوى الديب مشروع القانون في الفصل التشريعي (2022)، غير أن المجلس لم يدرجه على جدول الأعمال.
القانون محدود في إثبات وقائع التحرش والاعتداء الجنسي لا سيما التي مر عليها فترة من الزمن - ماهينور المصري
وهنا تتوقف المسارات في الوقائع المشابهة للموجة الرمضانية عند محطة التجريس، حيث ترى آية منير أن الناجيات لا يمتلكن حتى الآن سوى نشر الشهادات دون وجود خطة للخطوة التالية. وتعبر آية في حديثها مع "فكر تاني" عن شعور بالعجز يتكرر مع كل شهادة تُنشر، متسائلة عما يمكن فعله لدعم الناجيات ومحاسبة المعتدين الذين يعودون لممارسة حياتهم بشكل طبيعي.
وتوجه آية تساؤلاتها نحو المؤسسات الرسمية المعنية بالمرأة مثل المجلس القومي للمرأة الذي لم يعلق على الشهادات المنشورة منذ عدة أيام، متسائلة عن دور القانون في دعم قدرة النساء على البوح، ومطالبة بضرورة تعاون المؤسسات الحكومية والحقوقية لتطوير آلية لحماية الناجيات تتجاوز مجرد الحكي.
لجان التحقيق بين الجدوى والقصور
تستبعد آية منير فعالية دور لجان التحقيق المستقلة، قائلة إنها لم تثبت فعاليتها حتى الآن وتواجه انتقادات كبيرة، لكنها تقترح في المقابل تعاون المؤسسات والمشاركين في اللجان السابقة لمشاركة التجارب والدروس المستفادة بهدف تطويرها.
ويظهر هذا الجدل بوضوح حين أعلن "م.ط" عبر صفحته على فيسبوك عن استعداده للمثول أمام النيابة أو لجنة تحقيق مستقلة، مما يعيد للأذهان واقعة التحقيق مع المحامي الحقوقي "ر.م" الذي أرسل صورة ذات طبيعة جنسية لإحدى الناجيات، ثم شكلت مؤسسة قضايا المرأة لجنة تحقيق انتهت بإقرار حدوث الواقعة، مع تقديم مبرر يعتبر أن الفعل كان غير عمدي، مما أثار وقتها جدلًا واسعًا حول جدوى اللجان المستقلة للتحقيق في مثل هذه الوقائع.
القانون لا يفهم الجانب النفسي للناجية بعد تعرضها للاعتداء الذي يمكن أن يؤدي لصدمة تمنعها من البوح
ومع ذلك، تعتبر المحامية ماهينور المصري التي شاركت في لجنتي تحقيق سابقتين أن هذه اللجان لا تزال الوسيلة المتاحة التي تلجأ لها الناجيات في الوقت الراهن. وتفسر ماهينور لـ"فكر تاني" هذا الاضطرار بمحدودية القانون في إثبات وقائع التحرش والاعتداء الجنسي، لا سيما تلك التي مر عليها فترة من الزمن. وتوضح أن النساء يضطررن في بعض الحالات للبوح بعد مرور وقت طويل لأسباب نفسية أو خوفًا من الوصم، وهو السبب الأساسي للجوء إلى اللجان المستقلة لأنها لا تصدر أي أحكام مسبقة على الناجيات.
وتضيف ماهينور أن آلية تشكيل اللجان تعتبر عادلة بصورة كبيرة لأنها تضم طرفًا من اختيار الناجية وطرفًا من اختيار المشكو في حقه، بالإضافة إلى طرف ثالث يختاره العضوان، مستدركة أن هذا التشكيل لا يضمن في النهاية عدالة القرارات بنسبة مئة بالمئة لأن الأعضاء بشر يملكون مشاعر وأفكارًا قد تؤثر على القرار، وهو أمر يحدث أيضًا أمام جهات التحقيق الرسمية.
وعلى الصعيد القانوني البحت، توضح ماهينور أنه من الناحية النظرية غُلظت عقوبة جريمة التحرش في قانون العقوبات، غير أن هناك العديد من العقبات في المقابل أهمها صعوبة الإثبات. وتلفت إلى أن النيابة تتعامل مع أدلة مجردة ولا تملك الوقت أو الإمكانية للاستنباط والتحليل الذي تقوم به اللجان المستقلة. وتشير كذلك إلى أن جزءًا من الأزمة يكمن في طول المدة بين الواقعة والشهادة، فالقانون لا يفهم الجانب النفسي للناجية بعد تعرضها للاعتداء الذي يمكن أن يؤدي لصدمة تمنعها من البوح، وتصل في بعض الأحيان إلى تشكيكها في نفسها أو في الحدث ذاته نتيجة التلاعب النفسي الذي تمارسه أطراف الجريمة.
وتضيف ماهينور نقطة جوهرية تتعلق بعدم فهم جهات التحقيق التي تقتصر على الرجال للكثير مما تمر به النساء سواء في أثناء التحقيق أو خلال الواقعة نفسها، كما يعمد البعض إلى وصم الناجيات انطلاقًا من رؤيتهم الفكرية الخاصة. ويتزامن ذلك مع إشكالية أخرى تتمثل في أن سرية بيانات المبلغات المفترضة نظريًا لا تتحقق على أرض الواقع مما يعرضهن لخطر حقيقي.
ويبقى الأمل معقودًا على أن يأتي يوم لا تضطر فيه النساء إلى مواجهة المتحرشين والمعتدين عليهن بشهادات مجهلة تحمل الحروف الأولى من أسماء المعتدين، وأن تتبلور آليات واضحة تسمح لهن بالحصول على حقوقهن كاملة. وحتى يحين ذلك اليوم، تستمر الشهادات والوسوم التي تشبه فوازير رمضان كحل متاح أمامهن، ويبقى التجريس وسيلتهن الوحيدة لاسترداد بعض من حقوقهن المسلوبة.