قيادات الوزارة لا يعلمون شيئًا عنه… ماذا يدور خلف تعاون "الثقافة" وتركي آل الشيخ؟

على طريقة إعلان الصفقات الرياضية "ذات العيار الثقيل"، التي تستدعي التكتم لإثارة شغف الجماهير، خرج رئيس هيئة الترفيه السعودية، المستشار تركي آل الشيخ، في بث حي عبر "فيسبوك" من مقر وزارة الثقافة المصرية بالزمالك، ليعلن عن "مفاجآت" يخبئها تعاون مزمع بين الجهتين، سيطال، حسبما صرّح، "جميع العاملين في دار الأوبرا المصرية"، قبل أن يعود أدراجه ويلتزم السرية بدافع "التشويق"، تاركًا للأيام المقبلة أن تكشف عن بنود الاتفاق الأخرى التي بدت جاهزة وتنتظر التنفيذ.

وفي ختام مقطع الفيديو الذي بثه رئيس هيئة الترفيه من داخل مكتب الوزيرة، التي قال إنه "يحسد الشعب المصري عليها"، بدا أن هناك "خطة" محددة وجاهزة تحمل شعارًا واضحًا صِيغ سلفًا، وهو: "نزرع الأمل والبهجة". لكن يبدو أن الجانبين لم يحددا بعد "التربة" أو "النبتة" التي يريدان غرسها، إذ نفى مصدران متطابقان، تحدثا إلى "فكر تاني" شريطة عدم الكشف عن هويتهما، علم إدارات الوزارة ببنود أي تعاون مزمع بين الجانبين.

وأوضح أحدهما، وهو مقرب من دائرة القرار الوزارية، أن مكتب الدكتورة جيهان زكي لا يعلم أيًا من حيثيات هذا التعاون، في حين نفى المصدر الثاني، الذي يشغل منصبًا قياديًا داخل دار الأوبرا، أن تكون الدار -التي اختصها المستشار السعودي في خطابه المصور- على دراية بِكُنه هذا البروتوكول أو الاتفاق. وهو ما يعني أن المشروع الذي أُعلن عن عنوانه، مساء الأحد الماضي، لا توجد له خطة معروفة داخليًا -على الأقل- بين قيادات الوزارة، الذين يُفترض أنهم صاغوا جانبه المصري لتعتمد عليه الوزيرة في إدارة خطة ذلك التعاون.


"وعود" بلا طحن

لا يعد إبداء الرغبة في التعاون أو عقد اللقاءات الودية بين هيئة الترفيه السعودية ووزارة الثقافة المصرية أمرًا جديدًا، إذ سبق أن فتحت الوزارة الملف ذاته في عام 2024، دون أن يتبعه إعلان عن نتائج تنفيذية شاملة توازي حجم الطموحات التي طُرحت آنذاك.

ففي فبراير 2024، وضع اللقاء الذي جمع نيفين الكيلاني وتركي آل الشيخ في دار الأوبرا المصرية بالقاهرة، حجر الأساس لـ"مرحلة جديدة" من التكامل الفني. وجرى حينها الإعلان عن تدشين "شراكة ثلاثية" ضمت وزارة الثقافة المصرية، والهيئة العامة للترفيه السعودية، والشركة المتحدة للخدمات الإعلامية. وقد ارتكزت تلك الشراكة على توظيف القوة الناعمة للبلدين في مجالات المسرح والغناء والسينما، مع طرح تصورات لتبادل العروض الفنية والتعاون الإنتاجي واكتشاف المواهب.

ورغم اتساع سقف الطموحات حينذاك، لم تشر البيانات الرسمية اللاحقة إلى خروج مشروعات ثقافية كبرى إلى حيز التنفيذ تحت مظلة ذلك التعاون، باستثناء فعاليات محدودة، أبرزها حفل "الليالي السعودية المصرية" الذي أُقيم في دار الأوبرا بمشاركة شيرين عبد الوهاب، ومحمد منير، وماجد المهندس، إلى جانب إعلان الشركة المتحدة انضمامها للاستثمار في صندوق دعم السينما «Big Time» الذي أطلقته هيئة الترفيه.

في المقابل، استمر الحضور القوي للفنانين المصريين في الفعاليات الفنية بالمملكة، غير أن جزءًا كبيرًا من ذلك الحضور جرى عبر هيئة الترفيه وشركات إنتاج خاصة، وليس من خلال برامج مؤسسية مشتركة تقودها وزارة الثقافة المصرية.

ويمكن تفسير بقاء هذا التعاون في إطار التفاهمات بعدة عوامل، من بينها أن اجتماع 2024 كان أقرب إلى فتح سبل لاستكشاف الفرص، وليس لتوقيع اتفاقات تنفيذية مُلزمة.

لقاء جيهان زكي… هل يتغير المسار؟

صحيح أن لقاء أول من أمس قد يمثل فرصة لتنشيط هذا الملف، لكنه يطرح هذه المرة سؤالًا أكثر إلحاحًا: هل سنشهد انتقالًا من لغة "بحث التعاون" إلى إعلان مشروعات محددة بجدول زمني واضح؟ أم سيبقى الأمر، كسابقيه، في حيز "المجاملة" الودية التي تعقبها تصريحات ضخمة عن أخوة البلدين وضرورة إنشاء أي تعاون متاح؟

يأتي هذا التساؤل خاصة وأن علاقة تركي آل الشيخ بـ"الفن المصري" قد شهدت بعض التباينات في الفترة الأخيرة. فبعد اعتماد كبير على الفنانين المصريين في الدورات الأولى من "موسم الرياض"، خرج رئيس هيئة الترفيه في أكتوبر الماضي ليعلن أن "موسم الرياض لن يشهد إدراج أي أعمال مسرحية مصرية هذا العام"، وهو الموسم الذي يمتد من 10 أكتوبر 2025 إلى نهاية مارس 2026.

هذا التطور يجعل لقاء الأحد بالوزيرة جيهان زكي يبدو وكأنه تصحيح للمسار، أو شكل من أشكال "الصلح" الذي ستعقبه عودة الاعتماد على الفن المصري مرة أخرى ضمن فعاليات الموسم الذي انطلق لأول مرة في عام 2019.

وربما يكون اللقاء استكمالًا لتواصل انقطع في عهد الوزير السابق أحمد فؤاد هنو، الذي سبق والتقى وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان آل سعود، في مستهل عمله الوزاري عام 2024، دون أن يسفر اللقاء عن شيء سوى "تبادل وجهات النظر حول تعزيز التعاون الثقافي بين بلدينا الشقيقين".

ومما يلفت النظر أيضًا، أنه قبل أيام من لقائها مع تركي آل الشيخ، استقبلت جيهان زكي نظيرتها السابقة نيفين الكيلاني بمقر الوزارة، لتعلن عقب اللقاء عن "استمرار البناء على ما تم إنجازه من مشروعات ومبادرات ثقافية"، وذلك دون تسمية واضحة لتلك المشروعات أو المبادرات.

حتى الآن، يمكن توصيف التعاون الثقافي بين وزارة الثقافة المصرية وهيئة الترفيه السعودية بأنه مرّ بمرحلة "تفاهمات واسعة" دون ترجمة تنفيذية كبيرة ومعلنة. ومع التحرك الجديد في عهد جيهان زكي، يقف الملف عند نقطة فاصلة: فإما أن يشهد انتقالًا فعليًا إلى مشروعات مشتركة واضحة، أو يظل أسيرًا في دائرة الوعود الثقافية الطموحة التي لم تكتمل بعد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة