من 20 ألف عضو إلى 800.. هل يكتب النزاع الحالي النهاية لـ"حزب الدستور"؟

يواجه حزب الدستور نزاعًا تنظيميًا وقانونيًا حادًا على منصب رئيس الحزب، إثر انقسام داخلي أدى إلى تشكيل جبهتين متوازيتين، تمثل إحداهما الهيئة العليا للحزب، والأخرى تدعم جميلة إسماعيل رئيسته المنتهية ولايتها.

وتتزامن هذه الأزمة الإدارية مع تراجع ملحوظ في القاعدة الجماهيرية للحزب، إذ انخفض عدد أعضائه من نحو 20 ألف عضو في عام التأسيس (2011) إلى 800 عضو عامل فقط في الوقت الراهن.

وفي ظل إصرار كل طرف على امتلاك الشرعية اللائحية، قد يتجه الحزب نحو صدام إداري وقضائي ربما يُسفر عن وجود رئيسين يَدَّعي كل منهما تمثيل الكيان ذاته، وذلك قبل أن تحسم لجنة الأحزاب السياسية والقضاء مصير الحزب.

جذور الخلاف

بدأ المسار التصاعدي للأزمة الحالية في أبريل من عام 2024، حين صدرت قرارات داخلية تقضي بفصل وتجميد عضوية 9 من أعضاء الهيئة العليا للحزب، وهي القرارات التي أعقبها اتهام جميلة إسماعيل بالانفراد باتخاذ القرارات، مما أدى إلى توسع دائرة الخلاف، حيث أعلن أعضاء آخرون في الهيئة العليا تضامنهم مع زملائهم المفصولين والمجمدين.

وانعكس هذا التوتر على الاستحقاقات الانتخابية للحزب، إذ رفضت مجموعة الهيئة العليا التعامل مع لجنة الانتخابات المعنية بإدارة العملية الانتخابية، وتكرر فتح باب الترشح للانتخابات في مجموعة جميلة لكن لم يتقدم مرشحون، فتأجلت انتخابات الحزب لمدة تقارب العام الكامل.

الرئيس الجديد

كخطوة إجرائية لفرض واقع تنظيمي جديد، عقدت مجموعة الهيئة العليا انتخابات داخلية في 31 يناير الماضي، أسفرت عن إعلان فوز إبراهيم العزب بمنصب رئيس الحزب. ويستند هذا المعسكر في تحركاته إلى اعتبار ولاية جميلة إسماعيل منتهية، حيث صرح العزب قائلًا لـ"فكر تاني": "لا يوجد للحزب الآن سوى رئيس واحد بعد انتخابات 31 يناير، لأن السيدة جميلة إسماعيل هي رئيس سابق، وانتهت ولايتها في يوليو من العام الماضي".

وطالب العزب قيادات الأحزاب السياسية باحترام اختيارات الأعضاء، مشددًا على أن "باب الحزب مفتوح لكل أعضاء الدستور ولا مجال للإقصاء والتهميش والتمييز"، وفي حين لفت إلى سعي جبهته لإنجاح مبادرات التوفيق وتقديم التسهيلات اللازمة لذلك عبر توفير "عدة فرص ندعو الطرف الآخر إلى انتهازها والاحتكام لصوت العقل"، قال في الوقت نفسه إن جبهة جميلة إسماعيل "ترفض أي مبادرة للتوفيق تمامًا".

إذا لم تنجح المبادرات للتوافق بين جبهتي الحزب، سيكون المسار القانوني هو الفيصل- وفاء صبري

وحذر العزب "الطرف الآخر" حسب وصفه، من المضي قدمًا في انتخاب رئيس ثانٍ، قائلًا لـ"فكر تاني" إن "الشرعية لمسارنا، ونتمنى ألا يجبرونا على اللجوء للقضاء، لأن هذا المسار ليس في مصلحة الحزب".

وفي السياق ذاته، نفى محمد عادل، عضو الهيئة العليا للحزب، وجود انقسام ثنائي مؤسسي "لا توجد مجموعتان أو جبهتان في الحزب، بل مجموعة من عدة أعضاء تترأسهم رئيسة الحزب السابقة، المعزولة"، مشيرًا إلى وجود قرار سابق صادر عن الهيئة العليا يقضي بإقالة جميلة إسماعيل. وقال عادل لـ"فكر تاني" إن دعوة الجمعية العمومية هي اختصاص أصيل للهيئة العليا طبقًا للائحة وليس بتفصيل قرارات شخصية، مضيفًا بشأن شرعية جبهته: "معتمدين في لجنة الأحزاب السياسية".

وتستمد جبهة الهيئة العليا جزءًا من موقفها من أزمة قانونية سابقة تتعلق بعدم اعتراف لجنة الأحزاب السياسية برئاسة جميلة إسماعيل، وإعلان اللجنة خلو منصب رئيس الحزب، وهو القرار الإداري الذي طعنت عليه إسماعيل أمام القضاء، ولم يصدر بشأنه حكم قضائي نهائي حتى الآن.

انتخابات مارس

على الجانب الآخر، ترفض جبهة جميلة إسماعيل الاعتراف بمخرجات انتخابات الهيئة العليا، وتواصل استعداداتها لإجراء انتخابات موازية في شهر مارس المقبل. وقد امتنعت وفاء صبري، المرشحة لرئاسة الحزب عن هذه الجبهة، عن التعليق على فوز إبراهيم العزب، قائلة لـ"فكر تاني" إنه "إذا لم تنجح المبادرات للتوافق بين جبهتي الحزب، سيكون المسار القانوني هو الفيصل"، معربة عن أملها في أن "يقدم أعضاء الدستور الصالح العام للحزب على أي شيء آخر، ونصل إلى توافق إن شاء الله".

وتدعم هذا التوجه رشا عبد الرحمن، المرشحة لمنصب أمين القليوبية في الجبهة ذاتها، التي وصفت انتخابات الهيئة العليا بأنها "غير معترف بها". وقالت لـ"فكر تاني" إنه "للأسف ما تم من قبل، انتخابات جبهة الهيئة العليا، ليس معترفًا به لائحيًا". وبررت عبد الرحمن فشل مساعي الوساطة، التي أشارت إلى أنها كانت دائمًا "تتعقد أكثر"، بوجود أطراف داخلية تسعى للتخريب، مضيفة: "هناك من يريد هدم البيت من الداخل، ومن يروّج دومًا أن جميلة إسماعيل تأخذ الحزب كله لحسابها". وترى أن الحلول المطروحة للم شمل الحزب ستأتي عبر الإدارة الجديدة التي ستسفر عنها الانتخابات المرتقبة.

مسار النزاع على الشرعية

مع توجه الحزب، الذي أسسه الدكتور محمد البرادعي عقب ثورة يناير عام 2011، نحو عقد جمعيتين عموميتين وإفراز قيادتين، ينتقل النزاع من أروقة الحزب إلى الساحات الرسمية والقضائية.

ويوضح الدكتور علي أيوب، مدير مركز ابن أيوب للدفاع عن الحقوق والحريات، التبعات القانونية لهذا المشهد قائلًا إن "انعقاد جمعيتين عموميتين لحزب الدستور سيدخل الحزب في حالة نزاع قانوني على موقع رئيس الحزب، لأن كلًا منهما سيخطر لجنة الأحزاب السياسية بما وصلت له الجمعية العمومية التي عقدها، وبالتالي ستجد اللجنة السياسية نفسها أمام إخطارين صحيحين".

وبناءً على هذا التعقيد الإداري، يرى أيوب، المطلع على سير القضية، في تصريحات أدلى بها لـ"فكر تاني" أن حسم موقع رئيس الحزب ومن يملك حق الدعوة للجمعية العمومية سيُحال إلى القضاء، مبينًا أن "هذا النزاع ستفصل فيه المحكمة المدنية، أو محكمة القضاء الإداري الدائرة الأولى حقوق وحريات"، وذلك استنادًا إلى أحكام المادة العاشرة من قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977.

ختامًا، تقف الشرعية القانونية والتنظيمية لحزب الدستور معلقة بين انتخابات أُجريت في يناير وأخرى مقررة في مارس، ليبقى مصير قيادة الحزب مرهونًا بقرارات لجنة الأحزاب السياسية وأحكام القضاء، ما لم تنجح جهود وساطة استثنائية من داخل القيادات في توحيد الصفوف قبل الحسم القضائي.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة